في خطوة وُصفت بـ”التاريخية” ومن شأنها أن تغير حياة مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين، تترقب الأوساط الحقوقية والسياسية في إسبانيا، المصادقة الرسمية على مرسوم حكومي جديد يفتح الباب واسعا لتسوية الوضعية القانونية للأجانب.
وفي هذا السياق، اعتبر عبد العالي المرابطي، الأستاذ الجامعي والمستشار القانوني في قضايا الهجرة واللجوء بإسبانيا، أن هذا القرار يشكل “خبرا سارا” طال انتظاره، لا سيما بالنسبة للجالية المغربية المقيمة في الجارة الشمالية.
وأوضح المرابطي، في تصريح لجريدة “العمق”، أن هذه المبادرة لن تسلك المسار التشريعي المعقد؛ إذ من المقرر أن تصدر عبر مرسوم حكومي عقب اجتماع مجلس الوزراء المرتقب يوم الثلاثاء المقبل.
وأكد المتحدث أن الحكومة الإسبانية استفادت من التعديلات الأخيرة التي أدخلت على قانون الهجرة والأجانب، والتي منحت السلطة التنفيذية مرونة غير مسبوقة وسلطة تقديرية واسعة لتحديد مساطر التسوية دون الحاجة للعودة إلى البرلمان للتصويت، مما يسرع من وتيرة التنزيل الفعلي للقرار.
وحول التفاصيل التقنية والشروط المطلوبة، كشف الخبير القانوني أن الحكومة الإسبانية تتجه نحو اعتماد مقاربة “مرنة جدا” تهدف إلى شمل أكبر عدد ممكن من المستفيدين.
ووفقا للمرابطي، سيتعين على المهاجر الراغب في التسوية إثبات إقامته في التراب الإسباني قبل تاريخ 31 دجنبر 2025، ولمدة لا تقل عن خمسة أشهر متصلة، مشيرا إلى أن إثبات الإقامة لن يكون تعجيزيا، حيث سُتقبل مجموعة متنوعة من الوثائق، مثل شهادة السكن وعقود الإيجار وتذاكر السفر التي تثبت تاريخ الدخول، والتقارير والكشوفات الطبية، أو أي وثيقة رسمية تثبت التواجد الفعلي.
وشدد المتحدث على أن الشرط “الأساسي وغير القابل للتفاوض” هو خلو السجل العدلي للمهاجر من أي سوابق إجرامية، سواء في إسبانيا أو في بلده الأصلي. كما تم تحديد سقف زمني لتقديم الطلبات يمتد إلى غاية 20 يونيو 2026.
وعن الآثار المباشرة لهذا القرار، أبرز المرابطي لجريدة “العمق” أن المستفيدين سيحصلون على تصاريح إقامة مؤقتة، وهي وثيقة حيوية ستنقلهم من وضعية “الاختباء” والهشاشة إلى وضعية قانونية تضمن لهم الحق في العمل بعقود قانونية، والولوج الكامل إلى خدمات الرعاية الصحية العمومية، بالإضافة إلى الانخراط في منظومة الضمان الاجتماعي والاستفادة من التعويضات.
وأضاف المستشار القانوني أن الهدف الجوهري للإجراء هو الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للمهاجرين، وانتشالهم من براثن الاستغلال في “السوق السوداء” والعمل غير المهيكل، وتصحيح وضعية غير عادلة استمرت لسنوات.
وفي تحليله لخلفيات القرار، أوضح المرابطي أن هذه الخطوة هي ثمرة اتفاق سياسي متين بين الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE) وشريكه في الائتلاف الحكومي “سومار/بوديموس”.
ولفت إلى أن الحكومة الإسبانية تستلهم في هذه الخطوة تجربة عام 2005 الناجحة، مدركة تماما الحاجة الماسة للاقتصاد الإسباني لليد العاملة، خاصة في قطاعات حيوية مثل الفلاحة، البناء، والخدمات.
وأكد أن دمج هذه الفئة الواسعة في الدورة الاقتصادية الرسمية سيضخ دماء جديدة في شرايين الاقتصاد، وسيعزز مداخيل الدولة وميزانية الضمان الاجتماعي من خلال الضرائب والاشتراكات القانونية.
ورغم الطابع الإنساني والاقتصادي للقرار، أشار المرابطي إلى أنه لم يسلم من الانتقادات الحادة، خاصة من معسكر اليمين المتطرف، حيث يقود حزب “فوكس” (VOX) حملة شرسة ضد المرسوم، معتبرا أن تسوية الأوضاع بمثابة “تشجيع على الهجرة غير الشرعية” وتهديد للأمن القومي والهوية الإسبانية.
من جهة أخرى، أبدت الأحزاب اليمينية التقليدية (مثل الحزب الشعبي) تحفظها، ليس بالضرورة على المبدأ، ولكن على الأسلوب، منتقدة تمرير قرار بهذا الحجم عبر مرسوم حكومي وتغييب النقاش البرلماني، داعية إلى ضرورة وجود توافق سياسي أوسع حول قضايا الهجرة.
وخلص عبد العالي المرابطي، إلى أن ملف تسوية المهاجرين يظل “الترمومتر” الذي يقيس درجة التوتر السياسي في إسبانيا، مؤكدا أن الأنظار تتجه الآن صوب الجريدة الرسمية لصدور المرسوم ودخوله حيز التنفيذ، ليكون بذلك نقطة تحول في مسار آلاف المهاجرين الذين عاشوا لسنوات في الظل.
المصدر:
العمق