أكدت دراسة أكاديمية أعدّها أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط، عبد العالي حامي الدين، أن التكنولوجيا الرقمية لم تعد مجرّد وسيط محايد في الحياة السياسية المعاصرة، بل أضحت فاعلا مؤثرا يطرح تحديات عميقة أمام الديموقراطية، سواء على مستوى المجال العام، أو الحقوق والحريات، أو نزاهة العمليات الانتخابية.
وحذّر حامي الدين، من المخاطر المتزايدة التي باتت تشكّلها التكنولوجيا الرقمية على القيم الديموقراطية، معتبراً أن المنصات الرقمية تحوّلت من أدوات يُراهن عليها في توسيع المشاركة السياسية إلى آليات قد تُسهم في إضعاف الديموقراطية وتقويض أسسها.
وأوضح الأستاذ الجامعي، في دراسته المعنونة “التكنولوجيا الرقمية كتهديد للديموقراطية: قراءة من زاوية الفلسفة السياسية”، والمنشورة ضمن عدد ديسمبر 2025 من مجلة كلية القانون الكويتية العالمية، أن المنصات الرقمية انتقلت من أدوات كان يُعوّل عليها في توسيع المشاركة السياسية وتقليص الفجوة الإعلامية، إلى آليات تُستخدم في المراقبة، والتوجيه، وصناعة الرأي العام، بما يخدم منطق السوق أو مصالح فاعلين سياسيين بعينهم
وسجّلت الدراسة أن بروز ما يُسمّى بـ”المجال العام الرقمي” غيّر بشكل جذري شروط النقاش العمومي، إذ ساهمت الخوارزميات واقتصاد الانتباه في تشجيع المحتوى المثير للاستقطاب، وانتشار الأخبار الزائفة، وتقليص فرص الحوار العقلاني، ما أضعف وظيفة المجال العام باعتباره فضاءً لتداول الأفكار وصناعة الإرادة الجماعية.
وفي هذا السياق، حذّر الباحث من تنامي تأثير المعلومات المضللة والحسابات الوهمية والروبوتات الرقمية، التي باتت تلعب دورا بارزا في توجيه النقاشات السياسية والتأثير في السلوك الانتخابي، مشيرًا إلى أن أكثر من نصف حركة المرور على الإنترنت تُنتَج اليوم بواسطة برمجيات آلية، وهو ما يطرح إشكالات جدية تتعلق بمصداقية النقاش العمومي ونزاهته
وتوقفت الدراسة عند تأثير التكنولوجيا الرقمية في نزاهة العمليات الانتخابية، مستعرضة تجارب دولية أبرزت حجم التدخل الرقمي في توجيه اختيارات الناخبين، سواء عبر الإعلانات السياسية الممولة أو عبر التلاعب الخفي بالرأي العام. كما خصّص الباحث جزءًا من التحليل للحالة المغربية، مبرزًا الدور المتنامي للحملات الرقمية في انتخابات 8 شتنبر 2021، وتأثير الإنفاق الإعلاني على منصات التواصل الاجتماعي في النتائج الانتخابية.
كما ناقش حامي الدين مخاطر الخوارزميات على الحقوق والحريات الأساسية، معتبرا أنها تؤسس لما يسميه الباحثون بـ«رأسمالية المراقبة»، حيث يتم تتبع سلوك الأفراد، وتحليل معطياتهم الشخصية، وتوجيه اختياراتهم الاقتصادية والسياسية، بما يحدّ من استقلالية الإرادة الفردية ويقوّض أسس الحرية السياسية
وخلصت الدراسة إلى أن مستقبل الديموقراطية بات مرتبطا، بشكل وثيق، بمدى القدرة على إخضاع التكنولوجيا الرقمية للنقاش العمومي والضبط الديموقراطي، داعية إلى تجديد أدوات الفلسفة السياسية والقانون الدستوري من أجل استيعاب التحولات الرقمية، وبناء تصورات إصلاحية من داخل المنظومة الديموقراطية نفسها، تحفظ التوازن بين الابتكار التكنولوجي وصيانة القيم الديموقراطية.
المصدر:
العمق