آخر الأخبار

زوايا المغرب محور أطروحة دكتوراه

شارك

احتضنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال، التابعة لجامعة السلطان مولاي سليمان، أول أمس السبت، مناقشة أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ، قدمها الباحث عبد الرحيم الرامي حول موضوع “الزوايا في المغرب.. الأصول والوظائف والتحولات من خلال الكتابات الأجنبية ووثائق الأرشيف”؛ وهو موضوع يلامس إحدى أكثر البنيات التاريخية تعقيدا وتأثيرا في تشكل المجتمع المغربي.

وتندرج هذه المناقشة في إطار أنشطة مركز دراسات الدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانية، ضمن وحدة الآداب واللغة والثقافة، حيث انتهت بمنح شهادة الدكتوراه بميزة مشرف جدا، عقب نقاش علمي معمق أشاد بقيمة العمل وأصالته المنهجية.

وينطلق اختيار هذا الموضوع، حسب ما بينه الباحث عبد الرحيم الرامي، من اهتمام شخصي وعلمي بدراسة الزوايا ودورها في البنية الدينية والاجتماعية بالمغرب، مع السعي إلى فهم آليات اشتغالها وتحولاتها التاريخية، وتحليل صورة الزوايا كما وردت في الكتابات الأجنبية، ومقارنتها بما تزخر به المصادر المحلية من معطيات ورؤى مغايرة.

أما المبررات العلمية للدراسة، فتتمثل في الأهمية التاريخية لمؤسسة الزاوية وتعدد وظائفها الدينية والاجتماعية والسياسية، إلى جانب وجود فراغ بحثي واضح في الدراسات النقدية التي تناولت الزوايا من زاوية تحليل الخطاب الكولونيالي. كما ساهم توفر أرشيف استعماري نادر في فتح إمكانات جديدة لإعادة قراءة تاريخ الزوايا قراءة نقدية، وتصحيح التمثلات التي راكمتها الكتابات الأجنبية حول هذه المؤسسة.

واعتمد عبد الرحيم الرامي مقاربة تاريخية– تحليلية، مدعمة بوثائق الأرشيف الكولونيالي والكتابات الأجنبية؛ ما مكن من تقديم قراءة نقدية معمقة لمؤسسة الزاوية، وفك شفرة تمثلاتها داخل الخطاب الأجنبي، خاصة خلال فترة الحماية.

وقد خلص الباحث إلى إبراز الطبيعة المركبة للزاوية المغربية، باعتبارها بنية اجتماعية وسياسية واقتصادية، إلى جانب وظيفتها الدينية والتربوية، أسهمت في إنتاج السلم الاجتماعي وترسيخ الأمن الروحي داخل المجتمع المغربي.

وأظهرت نتائج الأطروحة وجود تحيز إيديولوجي واضح في عدد من الكتابات الأجنبية والكولونيالية، التي اختزلت الزوايا في بعدها الوظيفي المرتبط بالضبط السياسي وأغفلت أدوارها الوطنية في المقاومة والتعبئة والحفاظ على الهوية.

وأكد الباحث أن تفكيك هذه الخطابات يظل شرطا أساسيا لإعادة بناء فهم متوازن للتاريخ الاجتماعي والسياسي للمغرب.

كما أبرزت الدراسة القيمة العلمية الكبرى للوثائق الأرشيفية، خاصة تقارير ضباط الشؤون الأهلية؛ من بينها تقرير القبطان شوون لسنة 1935، التي شكلت مادة مركزية لإعادة بناء تاريخ الزوايا. وقد سمح التعامل النقدي مع هذه الوثائق بتجاوز القراءة الكولونيالية الأحادية، ودمج المعطى الأرشيفي ضمن رؤية تاريخية مغربية حديثة.

وخلصت الأطروحة إلى أن الزوايا لعبت، عبر تاريخ المغرب، دور فاعلا في تدبير التوازنات السياسية والاجتماعية، حيث مثلت وسيطا أساسيا بين المخزن والقبائل، وأسهمت في احتواء النزاعات وتأطير الثورات المحلية ومواجهة التغلغل الاستعماري. كما بينت الوثائق أن الإدارة الفرنسية أولت اهتماما خاصا بالزوايا، واعتبرتها قوة رمزية قادرة على توجيه الرأي العام وتحفيز المقاومة؛ ما جعلها محورا في استراتيجيات الضبط الاستعماري أو محاولات التحـييد.

وفي السياق ذاته، أظهرت الدراسة أن الزوايا لم تكن مجرد فضاءات للعبادة أو التعليم الديني؛ بل إنها شكلت مؤسسات لإنتاج النخب، حيث ساهمت في تكوين أعيان وقادة محليين امتلكوا وعيا اجتماعيا وسياسيا إلى جانب تكوينهم الديني. كما اضطلعت بأدوار اقتصادية واجتماعية خلال فترات الأزمات والمجاعات، عبر شبكات التكافل والتوزيع؛ ما منحها مكانة قيادية داخل البنية المجتمعية.

وسجل الباحث عبد الرحيم الرامي أن تنوع المجالات الجغرافية بالمغرب أفرز نماذج متعددة للزوايا؛ فالمجال الجبلي أنتج زوايا ذات وظيفة حمائية وتأثير رمزي قوي، بينما تميزت زوايا السهول بامتداد اقتصادي واسع، في حين لعبت زوايا الواحات والصحراء أدوارا محورية في تنظيم طرق التجارة والقوافل، بما يعكس قدرة الزاوية على التكيف مع المجال وإعادة ابتكار وظائفها.

وأكدت نتائج البحث أن الزوايا شكلت حاملا أساسيا للهوية الدينية المغربية، وأسهمت في ترسيخ نموذج تدين يقوم على الوسطية والتوازن والاندماج في المجتمع، مقاوما للتفكك والاستلاب الثقافي. كما شددت الأطروحة على ضرورة إعادة بناء السردية التاريخية المغربية حول الزوايا، انطلاقا من قراءة نقدية مزدوجة تمزج بين الوثيقة الأجنبية والمصادر المحلية.

وقد جرت المناقشة أمام لجنة علمية ضمت نخبة من الأساتذة المتخصصين، الذين نوهوا بجودة العمل وعمق التحليل وتماسك المنهج والجهد المبذول في جمع المادة العلمية ومعالجتها؛ ليُتوج النقاش بمنح شهادة الدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانية بميزة مشرف جدا.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا