يتجدد الحديث، مع كل فصل شتاء، عن جماعة إمي نولاون بإقليم ورزازات باعتبارها واحدة من أكثر المناطق تضررا من قساوة الظروف الطبيعية وهشاشة البنيات الأساسية، حيث يعيش ما يقارب من 20 ألف نسمة أوضاعا اجتماعية ومعيشية صعبة، وسط عزلة خانقة تتفاقم مع التساقطات الثلجية التي تعرفها مرتفعات الأطلس الكبير الفاصلة بين دمنات وورزازات.
وتضم الجماعة أزيد من 26 دوارا تنتشر فوق تضاريس جبلية وعرة، تجعل من فصل الشتاء كابوسا حقيقيا لساكنتها، التي تجد نفسها محاصرة لأيام بسبب انقطاع الطرق، وغياب شروط العيش الكريم، في مشهد يزرع الإحساس بالحكرة والتهميش، ويعمق مظاهر الفقر والهشاشة.
دوار بورمانوأجمعت شهادات استقتها جريدة “العمق المغربي”، من ساكنة المنطقة، على أن البنية الطرقية الهشة تظل جوهر المعاناة، حيث تتحول المسالك الجبلية، خاصة مقطع “تيزي نولاون”، إلى نقاط سوداء مع كل تساقط للثلوج، ما يجعل التنقل مغامرة حقيقية قد تنتهي بمآس.
وأكدت مصادر موثوقة “للعنق”، أن طريق إمي نولاون أمزري ما تزال مقطوعة بسبب السمك الكبير للثلوج، مشيرة إلى أن السلطات المحلية تواصل مجهوداتها لفتح الطريق في أقرب الآجال، وسط صعوبات كبيرة تفرضها الطبيعة الجبلية القاسية.
دوار تمزريتوأوضح محمد، من دوار أمزري، أن أزيد من 30 دوارا توحدت هذا الأسبوع تحت حصار الثلوج، من بينها تمزريت، تيسكيوالت، إشباكن، بورمان، أمزري، وأيت عشى وعلي، مؤكدا أن المنطقة شهدت تساقطات ثلجية غير مسبوقة أدت إلى انقطاع بعض الدواوير لأكثر من أسبوع.
ولا تقف المعاناة عند حدود الطرق، بل تمتد إلى قطاع الصحة الذي وصفه عدد من المتحدثين بـ”شبه الغائب”، حيث كشفت واقعة شابة حامل حاصرتها الثلوج بين الجبال عن اختلالات مقلقة في منظومة الاستعجالات الصحية، في رحلة قاسية “اختبرت فيها حدود الإنسانية قبل جاهزية القطاع”، وكادت أن تنتهي بمأساة حقيقية.
دوار تسكيوالت
أما قطاع التعليم، فيواجه بدوره عراقيل كبيرة، إذ يضطر التلاميذ إلى متابعة دراستهم في ظروف صعبة، أو تعليقها مؤقتا بسبب انقطاع الطرق والنقل المدرسي، ما يعمق الفوارق التعليمية ويكرس الهدر المدرسي في المنطقة.
ومع الانخفاض الحاد في درجات الحرارة، خاصة بمنطقة إمغران تتجدد معاناة الساكنة مع نقص حطب التدفئة، حيث تعاني العديد من الدواوير والمؤسسات التعليمية من قلة أو انعدام وسائل التدفئة، في ظل رياح قوية وبرد قارس يضاعف من قسوة العيش اليومي.
دوار اشباكنوأفاد مصدر من دوار إشباكن أن انقطاع شبكة الاتصال والإنترنت يتكرر مع كل تساقط للأمطار أو الثلوج، ما يعقّد عمليات التواصل، خصوصا في الحالات الاستعجالية التي تتطلب الاتصال بالإسعاف أو السلطات المحلية.
وشهدت دواوير إمغران، بحسب مصادر محلية، ليلة بيضاء ثلجية تسببت في شلل تام لحركة السير، وانقطاع أغلب المسالك الطرقية، إلى جانب غياب الشبكة، في مشهد يعكس حجم المعاناة اليومية للساكنة.
إمي نولاون
من جهته، أكد رئيس جماعة إمي نولاون لجريدة “العمق المغربي”، أن الجماعة ذات طابع جبلي، وأن 90 في المئة من طرقها عبارة عن مسالك وعرة، وهو ما يخلق إشكالات كبيرة خلال فصل الشتاء.
وأوضح المتحدث أن الجماعة، بتنسيق مع السلطات المحلية ولجنة اليقظة الإقليمية التي يترأسها عامل الإقليم، وضعت آليات للتدخل الفوري، مشيرا إلى أنه تم فتح الطريق أكثر من ثلاث مرات غير أن كثافة الثلوج تعيد فرض الحصار من جديد.
دوار ايت عشى وعليوبخصوص شبكة الاتصال، أقر بوجود مشكل خاصة بدوار إشباكن، مؤكدا أن الجماعة سبق أن رافعت بشأنه، مع تسجيل بوادر حل خلال سنة 2026. أما في قطاع الصحة، فأوضح أن الجماعة تتوفر على سيارتي إسعاف رباعيتي الدفع وسيارة تابعة للهلال الأحمر، غير أن غياب الأطر الطبية، خاصة الأطباء، يظل مشكلا وطنيا تعاني منه المنطقة بشدة.
وختم رئيس الجماعة تصريحه بالتأكيد على وجود مشروع اتفاقية شراكة بين الجماعة والمجلس الإقليمي ومندوبية الصحة والسلطات المعنية، من أجل إيجاد حل نهائي لإشكالية الموارد البشرية بالقطاع الصحي.
وسط كل هذه التحديات، تبقى ساكنة جماعة إمي نولاون تطالب فقط بما تعتبره أبسط شروط العيش الكريم: طرق معبدة، صحة قريبة، تعليم آمن، وشبكة اتصال فعالة، حتى لا يتحول كل شتاء إلى موسم للعزلة والمعاناة.
“إيه آ ودي… المعاناة وصافي”، عبارة تختزل وجع منطقة لا تزال تنتظر إنصافا حقيقيا يضع حدا لسنوات من التهميش.
المصدر:
العمق
مصدر الصورة