بعد أن وضع الخطاب الملكي قضية الصحراء كمعيار مطلق لقياس صدق علاقات المغرب الدولية، تتجه الأنظار الآن نحو الآليات العملية والمقترحات التفاوضية التي تشكل جوهر الموقف المغربي.
هذا التحول الاستراتيجي من مرحلة الدفاع إلى تأكيد السيادة يثير تساؤلات جوهرية حول مدى ملاءمة الأدوات الدبلوماسية الموروثة، وفي مقدمتها مقترح الحكم الذاتي بصيغته المقدمة سنة 2007، مع الموقف السيادي القوي الذي يتبناه المغرب اليوم.
وفي هذا الإطار، تتعالى أصوات تدعو إلى ضرورة الانتقال من إدارة الملف بمنطق ردود الأفعال إلى فرض الحقائق التاريخية والسياسية على الأرض، محذرة من أن أي مقاربة لا تأخذ بعين الاعتبار موازين القوى الجديدة والمكاسب التي تحققت قد تمثل تراجعا عن المكتسبات التي كلفت تضحيات جسيمة.
النقاش لم يعد يدور فقط حول كيفية إقناع الآخرين، بل حول طبيعة المشروع الذي يقدمه المغرب لنفسه وللعالم في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخه.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير في العلاقات الدولية، أحمد نورالدين، أن “المملكة المغربية فعلا بحاجة إلى مراجعات في طرق الاشتغال والمقاربات من أجل الاستفادة من الأخطاء ومن أجل فرض الثوابت والحقائق والشرعية بعيداً عن ردود الأفعال وبعيدا عن الموسمية التي أدت في الماضي إلى أخطاء ما زلنا نؤدي ثمنها غاليا إلى اليوم”.
وأضاف في تصريح خاص لجريدة “العمق” قائلا: “وهذا سيدفعني أن أدق للمرة الألف ناقوس الخطر ونحن نمر بظرفية دقيقة في مسار الحسم في ملف الصحراء المغربية، لأحذر من مغبة الإبقاء على نسخة 2007 لمقترح الحكم الذاتي، لأنّ ذلك يعني أننا سنقدم للعدو الذي حاربنا طيلة نصف قرن بالمفاوضات ما عجز عن الحصول عليه بالسلاح الذي لا زال يرفعه إلى اليوم، وفق تعبيره.
وسجل المتخصص في قضايا الصحراء أن الإبقاء على هذا الوضع ويعني “أننا بلهاء وسذج” لأننا سنقدم تنازلات سيادية ونحن في موقف قوة، في حين استطعنا الصمود طيلة نصف قرن قدمنا فيها آلاف الشهداء سواء من أفراد جيش التحرير أو من القوات المسلحة الملكية، وليس هناك ما يجعلنا اليوم نقدم تنازلاً بحجم الحكم الذاتي بمواصفات 2007 التي هي مواصفات مشروع دولة منهزمة وليس دولة منتصر كحالتنا الآن.
وتابع أحمد نورالدين: “نعم محتاجون إلى بناء وعي وطني بخطورة التنازلات على مستقبل الوطن ووحدته وتماسكه من خلال خلق سابقة قد تؤدي لا قدر الله إلى تناسل سوابق كما يحدث في رقعة الزيت.. محتاجون إلى بناء وعي وطني حول خطورة تراجع الأحزاب الوطنية عن القيام بأدوارها الطلائعية في الدفاع عن قضيتنا الوطنية ولو بمعارضة الموقف الرسمي كما فعل المرحوم عبد الرحيم بوعبيد حين رفض استفتاء جزء من الشعب المغربي وليس كل الشعب المغربي.. محتاجون إلى ضرورة بناء وعي وطني حول خطورة التعامل مع الصحراء المغربية بشكل مناسباتي من طرف الأحزاب الوطنية وليس كموضوع قار في جدول الاعمال الأسبوعي للأحزاب..”.
وشدد على ضرورة بناء وعي وطني حول خطورة تعامل الخارجية مع الأحزاب الوطنية كما تتعامل الإدارة أو الوزارة مع مكاتب الدراسات في قضية طلب مذكرات حول رأي الأحزاب ومقترحات بخصوص مشروع “الحكم الذاتي”، وتكتم الأحزاب عن فحوى مذكراتهم وكأنه شيء سري وليس أمرا يهم كل المواطنين ويستدعي فتح نقاش وطني، ومشاركة في كل مراحل الاقتراح والتفاوض انتهاء بحق كل الشعب المغربي في استفتاء شعبي حول المقترح الأخير الذي سينجم عن النقاش الوطني، لأننا أمام مشروع يهم كل الوطن وكل أبناء الوكن ويهم تاريخ الوكن وحدوده الحقة، ويهم بالخصوص مستقبله وانسجام اقاليمه وجهاته، على حد تعبير أحمد نورالدين.
وأشار ضمن تصريحه إلى أن الأمر خطير ولا يتعلق فقط بمراجعة بسيطة في ظرفية لا أقول خطيرة بل هي مسألة حياة أو موت، لأننا في الأمتار الأخيرة ولا يجب أن نخرب كل ما أنجزناه وبنيناه في مسار الدفاع عن الوحدة الوطنية والترابية منذ معارك جيش التحرير في الخمسينيات إلى إدخال الملف إلى الأمم المتحدة، والذي اعتبره خطأ استراتيجيا، وصولاً إلى الدماء الزكية التي سقت الصحراء المغربية في حرب الاستنزاف التي مولتها وخاضتها الجزائر بشكل مباشر أو بواسطة ميليشياتها الانفصالية ضد المغرب.
وخلص إلى القول: “نحن الآن في موقف مريح يسمح لنا بالبقاء في هذه الوضعية دون تنازل ودون حكم ذاتي إلى أبد الآبدين، والعالم مقبل على تغييرات كبرى قد تزيل منظمة الأمم المتحدة في شكلها الحالي من الوجود”. وحذر المتحدث من العجلة التي تتبعها الندامة، ومن ارتكاب ما وصفها بـ “جريمة في حق الوطن” التي تعيد تكرار ما وقع عند الاعتراف باقتطاع أراضي مغربية من طرف المستعمر الفرنسي وضمها إلى كيانات أخرى في المنطقة. والتاريخ لن يرحم من يجرم في حق الأمة المغربية وحدودها الحقة وحقوقها التاريخية المشروعة، على حد قول المصدر.
المصدر:
العمق