قررت المحكمة العليا الإسبانية الإبقاء على سريان عمليات نقل القاصرين الأجانب غير المرافقين من مدينتي سبتة وجزر الكناري نحو إقليم مدريد، رافضة الطلب الاستعجالي الذي تقدمت به حكومة الإقليم لوقف هذه العملية.
وجاء القرار الصادر عن الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا، بتأييد الأوامر الصادرة عن مصالح الأجانب التابعة لمندوبية الحكومة في سبتة والنيابات الحكومية في جزر الكناري، والتي جاءت استجابة لحالة الاكتظاظ الحاد التي تعيشها مراكز إيواء القاصرين في هاتين المنطقتين.
ورفضت المحكمة الطعن الذي تقدمت به حكومة مدريد، والتي اعتبرت أن الحكومة المركزية لم تصدر نصا قانونيا يحدد عدد القاصرين الواجب استقبالهم من طرف كل جهة، معتبرة أن هذه الحجج “غير قابلة للتطبيق” على قرارات إدارية رسمية تهدف فقط إلى إطلاق مسطرة قانونية منظمة.
وحذرت المحكمة العليا من أن تعليق عمليات النقل قد يتسبب في “أضرار جسيمة”، مذكرة بأنها سبق أن نبهت، في مارس 2025، إلى حالة الاكتظاظ الخطير داخل مراكز الاستقبال في جزر الكناري، والتي تتعارض مع مصلحة الطفل الفضلى.
إقرأ أيضا: أزيد من 3500 مهاجر في عام واحد.. سبتة تتحول إلى أكثر بوابات الهجرة ضغطا بإسبانيا
وأكدت المحكمة أن وقف هذه الإجراءات سيؤدي إلى تعميق الأزمة، والإبقاء على ظروف غير إنسانية تمس بحقوق القاصرين وسلامتهم النفسية والاجتماعية.
وأقرت المحكمة بالضغط غير المسبوق الذي تتحمله أنظمة حماية الطفولة في سبتة وجزر الكناري، حيث أدى التدفق الكبير للقاصرين المهاجرين إلى تجاوز الطاقة الاستيعابية لمراكز الإيواء ثلاث مرات.
وأبرزت أن هذه الوضعية الاستثنائية فرضت على السلطات تخصيص موارد إضافية وتوسيع بنياتها الاجتماعية، من أجل مواجهة تداعيات الأزمة.
ورغم اعترافها بتأثير هذه التحويلات على الجهات المستقبِلة، اعتبرت المحكمة العليا أن قرار الحكومة المركزية يعد “ضروريا ومتناسبا” لضمان سلامة القاصرين ورفاههم.
وخلص الحكم إلى عدم توفر الشروط القانونية لتعليق المساطر الجارية، مؤكدا استمرار العمل بالقرارات الإدارية التي تقضي بنقل القاصرين إلى إقليم مدريد.
وشدد القرار على أن هذه الإجراءات تندرج في إطار التضامن بين الجهات الإسبانية، داعيا الإدارات العمومية إلى تعزيز التنسيق لمواجهة الضغط المتزايد الذي تعانيه سبتة وجزر الكناري.
وتشير بيانات وتقارير رسمية إلى أن إسبانيا تواجه منذ سنوات ضغطا متصاعدا في ملف الهجرة السرية، سواء عبر البحر أو من خلال الدخول البري إلى سبتة ومليلية من الحدود المغربية، وهو ما يضع ثقلا متزايدا على بنيات الاستقبال والخدمات الاجتماعية.
وبحسب بيانات رسمية، فقد تم نقل أكثر من 1000 قاصر غير مصحوب من جزر الكناري وسبتة ومليلية إلى مناطق أخرى في إسبانيا منذ منتصف العام المنصرم.
إقرأ أيضا: في أسوأ موسم هجرة.. سواحل سبتة تتحول إلى مقبرة أطفال ولاعبين حالمين بـ”الفردوس الأوروبي”
وتظهر آخر بيانات وزارة الداخلية الإسبانية، عن تصاعد مقلق في الضغط الهجروي الذي تعرفه مدينة سبتة المحتلة، مسجلة -إلى حدود 31 دجنبر 2025- أعلى مستويات العبور خلال السنوات الأخيرة، في وقت تراجعت فيه أعداد المهاجرين الوافدين إلى إسبانيا بشكل عام.
وحسب الحصيلة الرسمية للداخلية، فقد بلغ عدد المهاجرين الذين دخلوا إسبانيا برا وبحرا خلال سنة 2025 ما مجموعه 36 ألف و775 مهاجرا، مقابل 64 ألف و19 خلال سنة 2024، بانخفاض إجمالي قدره 42.6 في المائة. غير أن هذا التراجع الوطني يخفي، وفق المعطيات نفسها، تصاعدا لافتا للضغط الهجروي على سبتة.
ووفق المعطيات ذاتها، فقد سجلت سبتة، خلال سنة 2025، دخول 3523 مهاجرا عبر السياج الحدودي الفاصل والحواجز البحرية، مقابل 2531 مهاجرا سنة 2024، ما يمثل ارتفاعا بنسبة 39.2 في المائة في ظرف عام واحد، أي ما يقارب ألف مهاجر إضافي.
أما على صعيد القاصرين غير المرافقين، فقد دفعت موجات التدفق الكبيرة إلى خلق ضغط غير مسبوق على مراكز الاستقبال في جزر الكناري وسبتة ومليلية، ما اضطر الحكومة الإسبانية في 2025 إلى تفعيل آلية توزيع قانونية جديدة تُلزم الجهات بتقاسم مسؤولية استقبالهم.
وتظهر المقارنة الزمنية أن سبتة تحولت إلى أكثر المسارات الحدودية ضغطا على إسبانيا خلال السنوات الأخيرة، إذ سجلت المدينة دخول 1068 مهاجرا سنة 2023، و1114 سنة 2022، و753 سنة 2021، فيما لم يتجاوز العدد 289 مهاجرا سنة 2020 عبر المسارات البرية والبحرية.
وخلافا للسنوات السابقة، لم يصل إلى سبتة عبر القوارب خلال سنة 2025 سوى أربعة مهاجرين فقط، ما يعكس تحولا واضحا في دينامية الهجرة غير النظامية، حيث أصبح السياج الفاصل والدخول البحري المباشر عبر تراخال وبليونيس المسار الأكثر اعتمادا.
وفي مقابل الوضع الذي تعيشه سبتة، تبقى مدينة مليلية خارج دائرة الضغط الحاد، رغم تسجيلها ارتفاعا نسبيا، فقد سجلت المدينة دخول 327 مهاجرا خلال سنة 2025، مقابل 116 في 2024، بزيادة بلغت %181، غير أن هذه الأرقام تبقى بعيدة جدا عن مستوى الضغط المسجل في سبتة.
المصدر:
العمق