طفت على سطح النقاش العمومي بالمغرب تبريرات تدعو إلى الانغلاق الذي يصل حدّ تبرير العنصرية، راجت بعد أحداث العنف التي رافقت نهائي بطولة كأس إفريقيا للأمم “المغرب 2025″، من بين معالمها تعميمات تصرفات واختيارات أفراد على شعوب ودول بأكملها وتأويل مبتسر لقول سابق للمؤرخ المغربي عبد الله العروي على قناة “الأولى” المغربية قبل عشرين سنة: “المغرب جزيرة”.
لكن، هل يمكن استيعاب رأي العروي من مقطع مصوّر لا يتجاوز دقيقتين؟ عبد الله العروي يكتب ويعبّر بمسافة من الأحداث اليومية، ويكتب ضد نفسه، كما سبق أن كتب، أي يخطّ ما يمليه وعيه بالراهن والتاريخ والنتيجة الممكنة، والوعي غير المفارق لواقع ما يحدث.
طريقة تفكير وتعبير العروي تفسرها، وفق قراءات لفكره، معطيات؛ من بينها عدم انطلاقه من الفلسفة للبحث في التاريخ، بل العكس، وتشرحها خلاصات فكرية عبّر عنها من أن الحق ليس هو ما يحرك التاريخ، بل المصلحة، وهو معطى يمتنع دون استيعابه فهم ما حدث وما يحدث. مع خلاصات أخرى تبدو قاسية، إذا ما فهمت خارج سياق استنتاجها، وإطارها المفاهيمي الذي قد تختلف حمولته وفهمه باختلاف القارئ.
وبعدما راج مقطع من حوار غير طويل مع عبد الله العروي يعود تاريخه إلى ما يزيد عن عشرين سنة، ويردّ فيه على سؤال الكاتبة الصحافية بديعة الراضي حول موقفه مما يحدث في العراق بعد سنتين من الغزو، والاقتتال الأهلي، بأنه سبق أن كتب حول انتظار موقف من أفراد في المغرب تجاه تطورات ما يحدث في ساحة بعيدة بآلاف الكيلومترات، مردفا أن التعاطف مستمر دائما مع القضايا الداخلية المشرقية؛ إلا أن “المغاربة البعيدين عن ساحة المشرق العربي لا يمكن أن يطلب منهم مشاركتهم في مشاكلهم”، وهو الأمر نفسه بالنسبة لقضايا أخرى في القارة الإفريقية؛ حيث طلب التفكير، من المفكرين، في الواقع الجيو استراتيجي للمغرب الذي تظهره خريطته، وأن الواقع العمليّ للمغرب هو أنه جزيرة، وأن التصرف ينبغي أن يكون هكذا بوصفه جزيرة مطوّقة، في إشارة إلى حدوده البرية المغلقة، وحدوده البحرية الأطلسية، والمتوسطية خاصة في وقت كان فيه الصراع على أوجه مع إسبانيا حول السيادة على الجزر والحدود البحرية.
لكن هذه الفكرة المرتبطة بواقع الصدام المغاربي بعد الاستقلالات ليست السياق الوحيد الذي استحضر فيه العروي تأثير القدر الجغرافي على المغرب وسير سياسته وثقافته؛ بل ذكر، مثلا في كتابه “استبانة” الصادر منذ عشر سنوات، أنه: “لولا الفترة السعدية، وما ورثت عنها الأسرة العلوية، لكان وضع المغرب مماثلا لحال باقي شمال إفريقيا؛ لكن الفترة السعدية باختيارها مراكش عاصمة لها، باهتمامها بالعلاقات العمودية شمال – جنوب، على حساب العلاقات الأفقية غرب – شرق، هذا الأمر هو الذي أدى إلى مغربة التاريخ السابق وجعله فترة تمهيدية، ولا سيما تاريخ الموحدين”.
إذن، الوضع الجغرافي ليس معطى جديدا. ولذلك، فسر العروي عدم دخول المغرب الإيالة العثمانية بمحددات؛ من بينها “صعوبة المواصلات مع الجار الشرقي، وسهولتها مع الجنوب”، مردفا: “هذا المعطى الجغرافي هو الذي عمل على عزلة المغرب وإبعاده عن الايالة العثمانية”.
وفي الـ”استبانة” ذاتها، يذكر فكرة في إطار قناعته بخطأ الاعتقاد بالاستمرارية المتعالية على التاريخ التي تحافظ على خصائص لا تؤثّر فيها المتغيّرات أو التي تضفي طابعا خالصا على لحظة أو قناعة أو سلوك أو مظهر… فيجيب مثلا بأن “دستور المغرب المستقل منفتح على كل الاحتمالات، العربية، الإفريقية، الأوروبية، وكلها تؤدي إلى نوع من الاندماج والذوبان”، ثم يضيف: “الاحتمال يتحقق أوْ لا، بل يتحقق ثم يلغى”.
وفي سنة 2023، عاد عبد الله العروي في أحدث كتبه “دفاتر كوفيد” إلى قوله “المغرب جزيرة”، وأن “السياسة الخارجية للجزائر المستقلة هي نفسها التي كانت ستكون للجزائر الفرنسية كما تصورتها اتفاقيات إيفيان”. وذكر أن هذين القولين ينبغي أن تستخلص منهما النتائج التي ليس جميعُها في صالح المغرب، مردفا أن ما كتبه لم يكتبه وهو مبتهج به؛ بل وندم عليه. ليفسر بعد ذلك بأن “جزائر ما بعد الحراك” التي تحكم سلوكها “فرضية مسبقة (…) هي الحاجة إلى إسقاط نظام المخزن، وفق تعبيرهم المفضل. هذا لا يمكن أن يتم إلا عبر الحرب، القائمة بالفعل، ولو أنها حرب بشحناء محدودة”، مستخلصا بالتالي أن المحادثة في ظلّ استمرار نفس الظروف، سواء مباشرة بين البلدين، أو غير مباشرة مع “البوليساريو”، لن تكون ناجحة.
وما الخلاصات التي يستنتجها من هذا الواقع وسياقات أخرى؟ يجيب العروي: “على المغرب أن ينخرط في المدى الطويل، في محيط معاد”، بمعنى رغمه. كما يستنتج بأن سيادة المغرب على أرضه تجعله في موقع يجعله الأكثر استفادة من الوضع “عكس ما انتظره بومدين”؛ وهو ما يفيد المغرب إضافة إلى المتغيّرات التي طالبت حقل الطاقة منذ التسعينيات؛ لأنه “ينفتح على العالم”، ويصير أكثر حداثة، ومكننة، ويستفيد أفضل من العولمة.
كما يخلص إلى أن الواقع الحالي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي والراهن الروسي “قد يعني” أننا “سنعيش عشرات السنوات في الوضع الذي تعيشه منذ قرون اليونان وتركيا، والأرمن والأذريون، والصرب والكرواتيون، والأوكرانيون والروس…”، بمعنى آخر “كل فكرة حول المغارب الموحّدة، للنسيان”.
وماذا عن المشهد الأوسع في القارة التي ينتمي إليها المغرب؟ في كتيّب منشور بعنوان “علاقات المغرب بإفريقيا.. ملاحظات أولية”، يقول المؤرخ في درس افتتاحي بجامعة مغربية سنة 1986 إن “علاقة دولة المغرب (…) خاصة مع إفريقيا الغربية قديمة قدم التاريخ، تعززت وتعمقت بفضل الدعوة الإسلامية، دعوة المساواة والتآخي”، ثم يردف المفكر المغربي الأبرز: “إن فهم روابط المغرب بالبلاد الإفريقية الأخرى، على حقيقة عمقها وفي نطاقها الواسع، جزء من مشروع فهم أنفسنا. ليس مشروعا ظرفيا، وليد اندفاعات وقتية عابرة؛ بل هو مشروع مرسوم في هياكل وبنى كياننا، أوضِع في مقدمة الأولويات أو آخرها مؤقتا لأسباب قاهرة. وبقدر ما الكشف عن حقيقة الروابط مع إفريقيا مرسوم في ماضينا، بقدر ما التعاون معها مضمن في ثنايا مستقبلنا”.
المصدر:
هسبريس