آخر الأخبار

أحداث "الكان" تُشعل نقاش الهجرة.. وتحذيرات من الانزلاق إلى خطابات متطرفة

شارك

تطور النقاش حول الأحداث المؤسفة التي تورط فيها الجمهور السنغالي خلال مباراة نهائي كأس أفريقيا للأمم، مساء الأحد الماضي، ليتخذ مسارات أخرى سعت نحو إثارة السياسات المنتهجة من قبل المملكة المغربية تجاه عمق القارة الإفريقية في مجال الهجرة واللجوء خلال السنوات الأخيرة.

وأمام السيل الكبير للمنشورات والتعليقات المتداولة على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي، دخل معلّقون وجهات حقوقية على الخط، قصد تأطير هذا النقاش الذي يلامس زوايا إنسانية وسياسية متداخلة، محذرين من “السقوط في الترويج لأفكار قد تتلاقى مع ما يروج له اليمين المتطرف ببعض الدول الأوروبية”.

وبقدر ما شدّدت مجموعة من الأفكار المطروحة في هذا الجانب على أن “تقييم السياسات الرسمية المعتمدة في مجال الهجرة واللجوء لا يتم كرد فعل على وقائع بعينها”، بقدر ما أكدت على أن “ما يقدّمه المغرب لإفريقيا يستحق التقدير والأخذ بعين الاعتبار من قبل الأطراف والدول المعنية به”.

وقدّم باحثان، في تصريحات لهسبريس، قراءة هادئة للنقاش الرائج حاليا حول سياسات المغرب تجاه الهجرة، خصوصا في شقها المتعلق بالمهاجرين غير الشرعيين القادمين من دول جنوب الصحراء، معتبرين أن “التفاعل العاطفي مع قضايا من طينة الهجرة واللجوء لا يؤتي نتائج إيجابية”، ومشددين بالمقابل على أن “هذا الأمر لا يلغي حق المجتمع في إثارة الانتباه إلى مواضيع بعينها”.

“مرونة مغربية”

قال محمد النشناش، فاعل حقوقي رئيس سابق للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، إن “المغرب ظل دائما منفتحا من الجانب المتعلق بالهجرة، سواء من ناحية المغاربة المهاجرين إلى الخارج أو الأجانب القادمين إلى التراب الوطني، وإن كان فيهم من وصلوا إليه بطريقة غير مشروعة”.

وأكد النشناش، في تصريح لهسبريس، أن “المغرب طالما أظهر مرونة فيما يتعلق بقضايا اللجوء السياسي للأفراد الذين يتعرضون للظلم من لدن أنظمة سياسية أو للتعذيب والحرمان، بتنسيق مع المفوضية السامية للاجئين”.

وعلى الرغم من ذلك، أوضح الفاعل الحقوقي أن “تكاثر “المهاجرين الاقتصاديين”، الراغبين في تحسين وضعيتهم الاجتماعية، بمن فيهم القادمون من دول جنوب الصحراء عبر الحدود الجزائرية، يبعث بعضا من الملاحظات المقلقة”.

وشدّد المتحدث ذاته على أنه “من المفروض على الدولة أن تتخذ إجراءات في هذا الجانب، إذ يجب عدم القبول بإعطاء الحق في الإقامة لمن جاء إلى المغرب لخلق مشاكل حدودية مع الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال”، وزاد: “الدولة تقوم بواجبها على هذا النحو، في ظل انفتاح المواطنين المغاربة على هذه الفئة، وبدون تسجيل أي موقف عدائي تجاهها”.

كما أشار النشناش إلى أن “ما حدث خلال المدة الأخيرة من جانب هؤلاء المهاجرين بيّن وجود كراهية ضد المغرب الذي يستقبلهم. وإذا سُمح بالوجود المستمر غير القانوني للأفارقة من جنوب الصحراء فإنه سيخلق مشاكل اجتماعية في المغرب مستقبلا، وربما سياسية أيضا”.

واستدرك الرئيس السابق للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان بالإشارة إلى أن “النداء الذي صدر عن المغاربة بطريقة عاطفية، كرد فعل على ما جرى في بطولة كأس إفريقيا للأمم، غير مقبول منطقيا وأخلاقيا؛ لأن مثل هذه الأمور تعالج بهدوء من قبل المسؤولين المطلعين على مختلف التفاصيل. لا يمكن القبول بهذا النوع من ردود الفعل أخلاقيا وحقوقيا، التي تأتي في ظروف معيّنة”.

ولدى سؤاله عن النقاش حول تقييم سياسة الهجرة التي تميّزت بكثير من الانفتاح خلال السنوات الماضية، ذكر الفاعل الحقوقي أن “الحق في اللجوء مكفول قانونيا لطالبيه، ما دام أن المغرب صادق على الاتفاقية الأممية المنظمة له”.

أما بالنسبة للمهاجرين القادمين للبحث عن الشغل أو الراغبين في المرور نحو أوروبا، أوضح النشناش أن “الدولة معنية بالقيام بواجبها والتدخل في الوقت الذي تراه مناسبا؛ لأنها تدرك الجوانب السياسية لهذا الموضوع وارتباطه بعلاقاتها مع دول الجوار كذلك”.

هوامش التقييم

شدّد عبد الحميد جمور، باحث في الديناميات السكانية والتنمية جنوب ـ جنوب، على “ضرورة التمييز المبدئي بين النقاش المجتمعي المشروع وبين منطق صناعة القرار العمومي القائم على التراكم والتقييم المستمر”.

ولفت جمور، في تصريح لهسبريس، إلى أنه “لا يمكن اختزال سياسة الانفتاح المغربية في مجال الهجرة واللجوء في مفهوم “الانفتاح الزائد”، لأن المغرب لم يعتمد يوما سياسة حدود مفتوحة؛ بل اعتمد سياسة تدبير منظم للهجرة، توازن بين احترام حقوق الإنسان وضبط التدفقات غير النظامية”.

وأضاف الباحث في الديناميات السكانية والتنمية جنوب ـ جنوب: “ومع ذلك، يظل التقييم سمة ملازمة لأية سياسة عمومية ما يفرض إعادة فتح النقاش وبشكل دوري ومراجعة آليات التنفيذ، ومستوى النجاعة، وانعكاسات السياسات على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والأمني”.

وأوضح المتحدث عينه أن “النقاش الدائر حاليا على مواقع التواصل الاجتماعي يعكس حيوية النقاش العمومي حول كيفية تحسين الحكامة الترابية للهجرة، وتعزيز آليات الإدماج، وتوزيع الأعباء بشكل متوازن”.

وأكد جمور أن التخوفات المعبّر عنها “تعبر عن هواجس اجتماعية مشروعة، خاصة في سياق يتسم بارتفاع معدلات البطالة، وضغط الخدمات العمومية، وتفاوتات مجالية واضحة؛ غير أن التحليل العلمي يفرض التمييز بين المخاطر المحتملة وبين التمثلات الاجتماعية التي قد تبالغ في تضخيمها”.

وسجّل عبد الحميد جمور أن “الإشكالات الاجتماعية المرتبطة بالهجرة غير النظامية تنبع، في الغالب، من ضعف سياسات الإدماج ومن غياب التنسيق الترابي، وليس من وجود المهاجرين في حد ذاته”.

وأبرز الباحث في الديناميات السكانية والتنمية جنوب ـ جنوب أن “الهجرة غير المؤطرة قد تفرز مظاهر هشاشة، مثل الاقتصاد غير المهيكل أو التوترات المجالية، إذا لم ترافقها سياسات واضحة في مجالات السكن والصحة والتشغيل والتعليم”.

وبيّن المتحدث ذاته أن “التحدي الحقيقي أمام المغرب يكمن في الانتقال من منطق الاستقبال الإنساني إلى منطق التدبير المستدام للهجرة، عبر تعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للمهاجرين النظاميين وتشديد محاربة شبكات الهجرة غير الشرعية وتوضيح الأدوار بين الدولة والجماعات الترابية والمجتمع المدني”.

وخلص عبد الحميد جمور إلى أن “الانتقادات المتداولة اليوم لا تعكس فشلا للسياسة المغربية؛ بل تكشف عن مرحلة نضج في النقاش العمومي تفرض تعميق التقييم وتصحيح الاختلالات، دون المساس بالاختيارات الاستراتيجية الكبرى التي جعلت من المغرب فاعلا محوريا ومسؤولا في قضايا الهجرة على الصعيدين الإقليمي والدولي”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا