في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في الحلقة الثانية من برنامج “شهادات خارج النص”، قدم أحمد بوز، الأستاذ الجامعي والصحافي السابق، قراءة متأملة لمساره المهني، مستعيدا تجربته داخل الصحافة المستقلة خلال سنوات الألفية الأولى، ومبررا عودته إلى الكتابة عن الصحافة بعد أزيد من عقدين على تلك المرحلة التي وصفها بـ”لحظة حرية بامتياز”.
وأكد بوز ضمن السلسلة الحوارية التي تبث على منصات “العمق المغربي”، أن ابتعاده عن الممارسة اليومية لم يكن، في أي وقت، خروجا فعليا من الصحافة، معتبرا أن “فعل الكتابة”ظل يربطه بهذا الحقل، سواء عبر الكتابات الأكاديمية أو غير الأكاديمية، أو من خلال انشغاله الدائم بقضايا حرية الصحافة والإعلام وحقوق الإنسان. وأضاف أن صفة “الصحافي” تلازمه إلى اليوم في نظر الأجيال التي عايشت تلك المرحلة، تماما كما تلازم الانتماءات السياسية أصحابها حتى بعد تغيير المسارات.
وأوضح بوز أن كتابه سنوات الصحافة لا يندرج ضمن السيرة الذاتية بالمعنى الكلاسيكي، ولا ضمن الكتابة الصحافية اليومية، بل هو محاولة لتوثيق تجربة مهنية محددة، وتحليلها في سياقها السياسي والتاريخي، وربطها بتحولات كبرى عرفها المغرب في تلك الفترة. واعتبر أن ما كُتب لم يعد وثيقة سياسية بقدر ما أصبح وثيقة تاريخية، ينبغي استحضارها بدل دفنها، خاصة لفائدة الأجيال الجديدة من الصحافيين، ولا سيما العاملين في الصحافة الإلكترونية.
وتوقف بوز عند تجربة الصحافة المستقلة، من “لو جورنال”إلى “الصحيفة” وتجارب أخرى، معتبرا أنها شكلت لحظة حرية حقيقية رغم الإكراهات والصعوبات، ومؤكدا أن هذه التجارب لم تحظ بما يكفي من الاهتمام الأكاديمي داخل الجامعات المغربية، خلافا لبعض الجامعات الأجنبية. وأبرز أن أحد دوافع الكتابة كان الخشية من أن تطوى تلك المرحلة دون توثيق جدي ومسؤول.
وفي حديثه عن الخلافات الداخلية التي عرفتها التجربة، شدد بوز على أنه تعمد عدم الغوص في التفاصيل الإنسانية المؤلمة، ممارسا نوعا من الرقابة الذاتية، ليس بهدف تبييض التجربة، بل تفاديا لإعادة فتح الجراح أو الإساءة لأصدقاء ورفاق الدرب. وقال إن الخلافات كانت طبيعية داخل أي بيت تحريري، وإن الأهم هو أن المؤسسة استمرت ولم تنته بسبب نزاعات داخلية، بل بفعل ظروف موضوعية واصطدامات مع محيط سياسي واقتصادي معقد.
وأكد بوز أن كتابه لا يسوق التجربة كقصة نجاح خالصة، بل توقف عند الأخطاء والنقائص وحالات التسرع التي طبعت مرحلة شبابية اتسمت بالحماس والاندفاع. واعتبر أن “الدَّين”تجاه تلك التجربة لا يؤديه شخص واحد، بل هو مسؤولية جماعية، داعيا صحافيين آخرين إلى كتابة شهاداتهم حتى تكتمل الصورة بتعدد الزوايا والرؤى.
وعن حساسية بعض المعطيات، أوضح بوز أنه تحفّظ عن ذكر أسماء أو تفاصيل معينة، سواء تعلق الأمر بمصادر الأخبار أو بعلاقات مع فاعلين اقتصاديين، مذكرا بأن المصدر الصحافي “ليس دائما بريئا”، وأن كشف بعض الوقائع قد يكون مسيئا لأشخاص ما زالوا فاعلين في الحياة العامة. وشدد على أن الهدف لم يكن التشهير أو الإثارة، بل الحفاظ على كتابة رصينة تحترم أخلاقيات المهنة.
وفي سياق حديثه عن العلاقة بين الصحافة والعمل التجاري، اعتبر بوز أن البعد التجاري ضروري لاستمرار أي مؤسسة إعلامية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى الهدف الوحيد، معترفا بأن الصحافة المستقلة سقطت أحيانا في فخ العناوين المثيرة والتنافس الحاد، وهو ما يفرض، برأيه، قراءة نقدية صادقة لتلك المرحلة.
كما توقف عند البعد العاطفي في الكتابة، مفسرا ذلك بكون الصحيفة شكلت آنذاك هوية وانتماء بديلا، خاصة بعد القطيعة مع الانتماء الحزبي، مضيفا أنه لم يشعر يوما داخل التجربة بأنه كان موجها أو مضغوطا في اختياراته التحريرية، بل كان يكتب وفق قناعاته وتمثله لقواعد المهنة التي تعلمها بالممارسة.
وبخصوص اختيار النقيب عبد الرحيم الجامعي لتقديم الكتاب، أوضح بوز أن الأمر مرتبط بمكانة الجامعي كمحامٍ للصحيفة في قضاياها الكبرى، وكمناصر لحرية الصحافة، إضافة إلى كونه خارج الدائرة المباشرة للصحافيين الذين اشتغلوا داخل التجربة، ما يمنح تقديمه بعدا مهنيا وحقوقيا متوازنا.
المصدر:
العمق