يفد عدد كبير من المهاجرين الأفارقة المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء إلى التراب المغربي عبر الحدود الجزائرية المغلقة منذ سنة 1994، إذ يتخذون من غابة رأس عصفور الواقعة بإقليم جرادة مأوى مؤقتا، في انتظار تحقيق حلم العبور نحو الضفة الأوروبية، بينما يسقط آخرون ضحايا بسبب الإصابات أو انخفاض درجات الحرارة.
وفي هذا الصدد، كشفت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (فرع وجدة)، أن أغلب المهاجرين يصلون إلى المنطقة عبر الجنوب الجزائري، بينما يعبر السودانيون والتشاديون من خلال ليبيا، ليستقروا لاحقا في مدن الغرب الجزائري مثل وهران ومغنية، في محاولة للهجرة بحرا نحو إسبانيا أو للعبور إلى المغرب.
وفي ما يتعلق بأنماط التنقل، سجلت الجمعية وجود حالتين رئيسيتين: الأولى تتمثل في تنقل فردي ضمن مجموعات صغيرة لا تتجاوز عشرة مهاجرين، يتوجهون إلى منطقة الزاوية القريبة من جبال رأس عصفور والحدود المغربية الجزائرية، حيث يتجمعون لعبور الحدود ليلا. وتتم هذه العمليات دون تدخل مباشر أو مدفوع الأجر من شبكات الاتجار بالبشر.
في المقابل، رصدت الجمعية حالات أخرى يقع فيها المهاجرون في قبضة شبكات التهجير والاتجار بالبشر، التي تتولى استقبالهم وتنظيم إيوائهم ونقلهم وعبورهم الجماعي للحدود، وصولا إلى مدينة وجدة، حيث يتم التنسيق مع أعضاء الشبكة المتواجدين بالمغرب مقابل مبالغ مالية مهمة.
وكما أفادت أن أغلب السودانيين يعبرون من المنطقة الحدودية الجنوبية، خاصة من فكيك وبوعرفة، ويتم نقلهم إلى وجدة من قبل مغاربة مقابل مبالغ مالية.
في حين سلطت الجمعية الضوء على الشبكات التي تنشط في مجال الاتجار بالبشر، مبرزة أنها تنتشر في الدول التي ينطلق منها المهاجرون جنوب الصحراء، حيث يتم استدراجهم إلى نقاط الوصول بالجزائر، قبل أن تتكفل هذه الشبكات بنقلهم وإيوائهم وتنظيم عبورهم للحدود، ثم استقبالهم داخل التراب المغربي.
وأكدت الجمعية أن الغالبية الساحقة من هذه الشبكات الإجرامية تتكون من مهاجرين سابقين مكثوا فترات طويلة في المدن الحدودية المغربية والجزائرية، ما مكنهم من اكتساب معرفة دقيقة بالشريط الحدودي ونسج علاقات متعددة سهلت لهم ممارسة هذه الأنشطة الإجرامية في حق المهاجرين وطالبي اللجوء.
وأشارت إلى أن هذه الشبكات منظمة بالكامل من مهاجرين أفارقة ينحدر أغلبهم، حسب الشهادات، من جنسيات كاميرونية ونيجيرية وغينية ومالية، وتلجأ في كثير من الأحيان إلى خدمات مغاربة وجزائريين مقابل أجر، خاصة في ما يتعلق بنقل المهاجرين وكراء منازل لإيوائهم.
أما في مدينة وجدة، فقد وثقت الجمعية قيام هذه الشبكات بكراء عدة منازل، خاصة وسط المدينة وحي البكاي، حيث يؤدي المهاجر مبلغ 45 يورو مقابل النقل من منطقة رأس عصفور إلى وجدة، ثم مبلغ 250 يورو مقابل الإيواء.
غير أن الجمعية نبهت إلى أن المعاناة الحقيقية تبدأ بعد ذلك، إذ تتحول هذه المنازل إلى أماكن احتجاز، حيث يتم ربط أيدي المهاجرين بعد الاستيلاء على ممتلكاتهم وتعنيفهم، ثم تسجل فيديوهات لهم ترسل لاحقا إلى أسرهم وتستعمل كأداة تهديد لطلب فدية مالية مقابل إطلاق سراحهم.
وبعد التأكد من تسلم الفدية من قبل أفراد العصابة المتواجدين بإحدى دول إفريقيا جنوب الصحراء، يطلق سراح المحتجز ويجبر على مغادرة وجدة تحت التهديد، تفاديًا لفضح الشبكة، وفق تعبيرها.
وفي جانب آخر، سجلت الجمعية وفاة 21 مهاجرا إفريقيا بمنطقة رأس عصفور خلال الفترة الممتدة ما بين 27 نونبر و31 دجنبر الماضيين، بعد أن سلكوا ممرات جبلية وغابوية وعرة وخطيرة، نتيجة العسكرة المكثفة للحدود.
ولفتت الجمعية إلى أن المهاجرين، لتفادي نقاط المراقبة والوقوع في قبضة حرس الحدود، الذين يقومون بمطاردات ليلية داخل هذه المناطق الوعرة، اضطروا إلى التنقل ليلا وفي ظلام دامس، دون حتى استعمال إضاءة هواتفهم، خوفا من كشف مواقعهم وتوقيفهم.
وختمت الجمعية تقريرها بالتأكيد على أن عددا من هؤلاء المهاجرين تعرضوا للسقوط أثناء عمليات العبور أو خلال المطاردات الليلية من مرتفعات أو في أماكن صخرية وعرة، ما تسبب في وفيات فورية أو إصابات بليغة انتهت بالوفاة، نتيجة غياب الإسعافات في الوقت المناسب، إضافة إلى الطقس البارد والجوع، اللذين فاقما من هشاشة وضعهم الإنساني.
المصدر:
العمق