مازالت التحولات الجيو-سياسية والجيو-اقتصادية الكبرى مطلع عام 2026 تبصم سوق الذهب العالمي، مفرزةً تجاذبات حادة بين بيانات اقتصادية أمريكية تعزز قوة الدولار وبين بريق المعدن الأصفر كـ”ملاذ آمن”، لا تتوقف أسعاره عن تحطيم الأرقام القياسية.
في خضم ذلك يَبرز المغرب كقوة استقرار سيادي في القارة الإفريقية بحيازته 22.1 طن من الذهب الصافي، ما وضعه ضمن قائمة أكبر عشر دول إفريقية مدخرة للمعدن، وفق أحدث بيانات “Goldhub” التابعة لمجلس الذهب العالمي (تحديث يناير 2026).
ونهجت المملكة، بحسب آخر تقارير المجلس المختص، سياسة “الثبات الإستراتيجي” عبر الحفاظ على مخزونها دون بيع رغم الارتفاعات القياسية، ما رفع قيمة الاحتياطيات الوطنية إلى ما يقدَّر بنحو 3.07 مليارات دولار، معززاً بذلك “الثقة الدولية في متانة الدرهم المغربي”.
على النقيض من هذا الاستقرار السيادي يعيش الصائغون والمهنيون في الأسواق المحلية “أزمة وجودية” خانقة ناتجة عن نقص حاد في المادة الأولية، ما خلق فجوة سعرية جعلت الذهب في المغرب أغلى من سعره العالمي بنحو 100 إلى 120 درهماً في الغرام الواحد، وفق ما استقته هسبريس من مصادر مهنية، اليوم السبت.
هذا الاختلال أرجعه المهنيون إلى “جمود تنظيمي” من طرف مكتب الصرف، و”غياب قنوات رسمية مرنة للتزود”، بتعبير إدريس الهزاز، رئيس الفيدرالية المغربية للصائغين، التي تضم أكثر من 30 جمعية مهنية لصانعي وصائغي الحلي والمجوهرات بالمغرب.
ويدفع هذا الوضع، بحسب المصادر ذاتها، بالعديد من الورشات والمحلات إلى “الإغلاق التام”. كما أدى هذا الوضع إلى تحول جذري في سلوك المستهلك المغربي الذي بات يميل نحو “الذهب الادخاري” والسبائك على حساب الحلي والمجوهرات التقليدية، ما يهدد باندثار مهارات حرفية وتراثية عريقة تميز الصياغة المغربية.
وفي تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية عكَس حجم القلق السائد في أوساط المهنيين رسَم إدريس الهزاز، رئيس الفيدرالية المغربية للصائغين، “صورة قاتمة” لوضعية قطاع الحلي والمجوهرات بالمغرب مطلع عام 2026.
وأكد الفاعل المهني نفسه أن “التوقعات التي أشارت سابقاً إلى تجاوز الذهب حاجز 3500 و4 آلاف دولار للأونصة تحققت فعلياً في البورصات العالمية، ما وضع السوق المحلية أمام تحديات غير مسبوقة”.
كشف الهزاز عن وجود اختلال صارخ بين الأسعار العالمية والمحلية، إذ سجلت الأسعار في المغرب زيادة تتراوح بين 100 و120 درهماً في الغرام الواحد (أي ما يعادل 10 إلى 12 مليون سنتيم في الكيلوغرام) مقارنة بالبورصة الدولية، وأرجع هذا التفاوت إلى النقص الحاد في المادة الأولية محلياً، ما جعل الصائغ المغربي ضحية تقلبات يومية تجعله يبيع سلعته بسعر ويضطر لإعادة شرائها كذهب خام (كسر) في اليوم الموالي بسعر أعلى، ما يؤدي إلى ضياع تكاليف “المصنعية” وهوامش الربح وحتى الرسوم الجمركية.
ولم يُخف المتحدث ذاته امتعاضه من عدم التجاوب مع المراسلات المتعددة ومطالب تعديل بعض النصوص القانونية، “إذ لم يلمس القطاع أي تغيير حقيقي ينقذ المهنيين”، بتعبيره، وزاد: “هذا الجمود التنظيمي دفع العديد من المحلات في مختلف المدن المغربية إلى الإغلاق التام في انتظار استقرار الأسعار، خاصة في ظل الاعتماد الإجباري على السوق السوداء لتأمين التزود بالمادة الأولية في ظل غياب بدائل رسمية فعالة”.
يشهد قطاع الحلي والمجوهرات في المغرب منعطفاً تاريخياً وحرجاً مطلع عام 2026؛ فبينما تحلق الأسعار إلى مستويات قياسية غير مسبوقة يواجه المهنيون والمستهلكون –على حد سواء- واقعاً معقداً يتداخل فيه “التضخم الجيوسياسي” العالمي مع “المعطيات الظرفية” المحلية.
ويتفق الفاعلون المهنيون، ممن استقت هسبريس آراءهم، على أن “الذهب لم يعد مجرد معدن للزينة، وإنما بات سلاحاً في حرب اقتصادية طاحنة”.
ويرى حسن أوداود، تاجر متخصص متابع لدينامية أسواق المجوهرات، أن “الحرب التجارية والجمركية بين الصين والولايات المتحدة، وفقدان الثقة في الدولار، دفَعَا البنوك المركزية الكبرى نحو تكديس الذهب كتحوط إستراتيجي”.
وأشار أوداود إلى “القفزات السعرية” و”التهافت المؤسساتي”، بحسب وصفه، قبل أن يردف: “لم تترك لقطاع الحلي والمجوهرات سوى نسبة ضئيلة تتراوح بين 5% و7% من المعروض العالمي، ما جعل الأرقام التي كانت تعتبر خيالية واقعاً ملموساً؛ إذ تجاوز السعر 3500 دولار مع توقعات ببلوغ 5000 دولار للأونصة العام الجاري”.
ويضيف إدريس الهزاز، رئيس فدرالية صائغي المجوهرات بالمغرب، بُعداً آخر يتمثل في “ضغط الصناعات التقنية الحديثة” التي باتت تستهلك كميات متزايدة من الذهب، خالصا إلى أن ذلك “يقلص الحصة الموجهة للصياغة التقليدية”.
تتجلى أزمة القطاع في المغرب بشكل أكثر حدة في “ندرة المادة الخام”، وهو ما خلق “فجوة سعرية شاذة اقتصادياً”.
وفي إفاداتهما للجريدة أكد الهزاز وأوداود أن “ثمن الغرام في المغرب بات يتجاوز السعر العالمي في البورصة بـ100 إلى 120 درهماً”، معتبرين أن “هذه الزيادة ناتجة عن غياب القنوات الرسمية لتوفير الذهب الخام”.
وبشأن التأثير على المهنيين يجد أصحاب المعامل والحرفيون أنفسهم أمام استحالة “تجديد المخزون”؛ فالذهب الذي يُباع اليوم لا يمكن تعويضه غداً إلا بسعر أعلى، ما يلتهم هوامش الربح وتكاليف “المصنع” والضرائب، ويؤدي في النهاية إلى “ركود تام يهدد بإغلاق المحلات”.
وبحسب المصرحيْن أدى “الارتفاع الصاروخي” إلى تغيير جذري في علاقة معظم المغاربة بالذهب.
وأوضح أوداود لهسبريس أن “الحلي البسيطة تضاعفت أثمانها بأكثر من 150% (خاتم من 2000 إلى 5000 درهم)، ما أدى إلى عزوف شبه كامل عن الشراء لأغراض الزينة”.
ولفت التاجر المتخصص في تسويق المجوهرات بالعاصمة الاقتصادية للمملكة إلى عامل “الاستثمار المتخوّف”؛ فرغم الرغبة في الهروب من “الادخار البنكي” نحو الذهب إلا أن القمم السعرية الحالية تولّد تخوفاً من “هبوط مفاجئ”، ما يجعل المستثمرين في حالة ترقب وحذر شديدين.
المصدر:
هسبريس