تتجاوز الطفرة القياسية في مداخيل كأس إفريقيا للأمم التي تُختتم غدا الأحد بالمغرب، كونها مجرد رقم مالي؛ إذ تُعد “رافعة اقتصادية استراتيجية” تؤسس لتحول هيكلي في نموذج النمو الوطني لاقتصاد صاعد، بشهادة تقارير دولية.
يمثل هذا “النجاح التجاري الباهر” فرصة متعددة الأبعاد لتعزيز “العلامة الوطنية” (Nation Branding) وتحسين صورة المملكة كوجهة استثمارية وسياحية عالمية على المدييْن المتوسط والطويل.
وفق ما استقته هسبريس، تتقاطع رؤى محللين وأكاديميين اقتصاديين في أن احتضان المغرب لكأس إفريقيا للأمم لكرة القدم ليس مجرد حدث رياضي عابر، مؤكدين أنه أثبت من خلال دورة المغرب 2025 فرضية “الرافعة الاقتصادية الاستراتيجية” ومنصة دولية لتعزيز “العلامة الوطنية” كمرجع موثوق في مجال الفعاليات الرياضية.
حسب الاتحاد الإفريقي للعبة، فالتنظيم المغربي أسهم في رفع مداخيل الفعالية الكروية الأضخم قاريا بأكثر من 90 في المائة، ليَصنع “أنجح نسخة تجاريا” في تاريخ البطولة.
وأكد المحللون الذين رصدت هسبريس آراءهم أن هذا النجاح التجاري الذي رفع المداخيل بنسبة 90% يمثل “بْرُوفة” حقيقية لـ”مونديال 2030″، الذي سينظم بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال، ما ينقُل المغرب من منطق “الاستهلاك الرياضي” إلى منطق الاستثمار الرياضي المنتج والمستدام”.
أشار عبد الرزاق الهيري، أستاذ العلوم الاقتصادية ومختبر التحليلات والأبحاث الاقتصادية بجامعة فاس، إلى أن الأثر الفوري يتجلى في “الإيرادات السياحية المباشرة” التي تشمل الفنادق، النقل، المطاعم والصناعة التقليدية. وأبرز أن هذا الانتعاش لا يقتصر على الاستهلاك، بل يمتد ليشمل “عائدات الحقوق والخدمات”: من تذاكر، حقوق بث، دعايات وعمليات رعاية تجارية تضخ “سيولة مباشرة” في الخزينة.
وأضاف الهيري، ضمن تصريح لهسبريس، مستدلا بـ”خلق فرص الشغل: توليد مناصب شغل في قطاعات البناء، اللوجستيك، والخدمات الإعلامية”.
من جانبه، عرّج خالد حمص، أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة محمد الخامس بالرباط، على “تحريك التجارة المحلية، خاصة قطاع الحرف التقليدية الذي يمثل مصدر رزق لملايين المغاربة، حيث تتحول البطولة إلى معرض مفتوح للمنتج الوطني”.
المحللان يتّفقان على أن الاستثمار في الملاعب والمطارات والطرق ليس “إنفاقا ضائعا”. وفي هذا الإطار أوضح خالد حمص أن الشركات المغربية التي سهرت على هذه التجهيزات اكتسبت “خبرة دولية ومرجعية عالمية” في تدبير المشاريع الكبرى، مما يفتح لها أسواقا جديدة في إفريقيا والعالم.
وأكد الهيري بدوره أن هذه المنشآت ستتحول بعد البطولة إلى “أصول اقتصادية” تدعم البطولات الوطنية والجهوية، وتخفض “تكاليف اللوجستيك” مستقبلا.
في سياق متصل، يرى حمص أن “الكان” يعطي إشارة قوية للمستثمرين الأجانب حول “الاستقرار المالي والمؤسساتي” للمملكة، مستشهدا بكفاءة النظام البنكي، مع تصنيفات “ضمن الأفضل عالميا” تعزز الثقة في تدبير التدفقات المالية الضخمة.
ولم يفت المصرح عينه التأكيد على “التحول التكنولوجي”، مبرزا-مثلما أوضح الهيري أيضا-أن تنظيم فعاليات بهذا الحجم يفرض اعتماد تقنيات رقمية وحلول ذكية في الإدارة والتنظيم، مما “يسرّع وتيرة الانتقال الرقمي للاقتصاد الوطني”.
في قراءة استشرافية، ربَط حمص بين زخم “الكان” وتجربة إسبانيا في “مونديال 1982” التي كانت نقطة تحول جذري في اقتصادها السياحي وجاذبية منظومتها الاقتصادية ككل.
وقال شارحا: “المغرب اليوم، عبر هذا النجاح التجاري، يكرس نفسه كمرجع بديل للقوى التقليدية في تنظيم التظاهرات الكبرى، مما يعزز موقعه الجيو-سياسي كصلة وصل بين إفريقيا والعالم”.
وختم أستاذا الاقتصاد بالتشديد على أنّ “التقاطع بين “الخبرة الميدانية للمقاولات المغربية” و”الاستدامة المالية للمشاريع” يجعل من مداخيل “الكان” القياسية مجرد بداية لمرحلة نمو أعمق، تُتوج بالاستعداد الاستراتيجي لـ”مونديال 2030″ تحت شعار “الاستدامة والعائد طويل الأمد”.
المصدر:
هسبريس