بيّنت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان أن مشروع القانون التنظيمي رقم 35.24 يتعلّق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم الدستورية، يتضمّن ستة “قيود شكلية” على ممارسة هذا الحق المكفول بموجب الفصل 133 من الدستور، موضحة أن وضع هذه القيود، “في أحسن الأحوال، سيضيق من نطاق اللجوء لهذه الآلية الدستورية والقانونية بالشكل الذي سيحد من سلوك مسطرته”.
يتمثل “القيد الأول”، وفق مذكرة ترافعية بشأن مشروع القانون المذكور أعدتها المنظمة، باشتراط البند 2 من المادة 4 تقديم الدفع بواسطة محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض، ما لم يتعلق الأمر بالنيابة العامة.
وفي هذا الصدد، اعتبرت المنظمة أن “الدفع بفئة محدودة من المحامين يجعل ممارسة الحق مشروطة بالقدرة التنظيمية والمالية للمتقاضي، في مخالفة للفصل 6 من الدستور الذي يضمن المساواة أمام القانون، مما يدعم توصية المنظمة بالسماح لأي محام مسجل بممارسة الحق في توقيع مذكرة الدفع”. وأوصت بتعديل المادة 4 البند 2 ليصبح أي محام مسجل بإحدى هيئات المحامين بالمغرب “قادرا على توقيع مذكرة الدفع، لضمان ممارسة الحق الدستوري بشكل متساو لجميع المتقاضين”.
في غضون ذلك، انتقدت المنظمة “قيدا شكليا” ثانيا يهم اشتراط البند 3 من المادة 4 “أداء رسم قضائي عند تقديم الدفع، ما لم يتم تمتيع مثير الدفع بالمساعدة القضائية أو يكون الطلب الأصلي معفى بقوة القانون”، موضحة أن “هذا القيد المالي يهدد مبدأ مجانية الحقوق الدستورية، ويحول ممارسة الحق في حماية سمو الدستور إلى امتياز مرتبط بالقدرة المالية للمتقاضي”.
وأوصت المنظمة بـ”تعديل المادة 4، البند 3، للتنصيص على مجانية الدفع بعدم الدستورية، أو إعفاء شامل لجميع الدفوع المتعلقة بالحقوق والحريات الدستورية دون شروط إضافية”.
وفيما يتعلّق بقيد تحديد “المشروع آجالا صارمة للبت في الدفع وإحالته على محكمة النقض ثم المحكمة الدستورية”، بموجب المواد 5 و10 و12، فقد دعت المنظمة الحقوقية إلى إدراج “إمكانية التمديد الاستثنائي للآجال لأسباب مبررة”، و”تعزيز التبليغ الفعلي للأطراف عبر وسائل موثوقة”.
على صعيد آخر، لفتت المذكرة إلى “ربط المشروع بين محكمة الموضوع، ومحكمة النقض، ثم المحكمة الدستورية كمراحل ثلاثة لتصفية الدفوع، وهو ما ورد في المواد 8 و9 و11 و12، حيث تحال المذكرات من محكمة أول درجة أو ثانية إلى محكمة النقض، التي تتحقق من استيفاء شروطها الشكلية قبل إحالتها إلى المحكمة الدستورية”.
وأشارت إلى “تقليص عدد الدفوع الجدية التي تصل إلى المحكمة الدستورية”، و”تحويل الحق الدستوري في الدفع إلى مسطرة شكلية”، و”تحجيم دور قاضي الموضوع إلى مجرد ‘مصف شكلي’، بعيدا عن دوره في حماية الحقوق والحريات”.
وفي هذا السياق، أوصت “بإقرار تعريف تشريعي دقيق لمفهوم ‘الصلة’، يشمل معايير موضوعية لتقييم العلاقة بين النص المطعون فيه والحق المزعوم اختراقه، مع مراعاة خصوصية القضايا الحقوقية والإنسانية، واعتماد مبدأ تفسير أي غموض لصالح الإحالة لضمان عدم حرمان المتقاضين من حق إحالة دفوعهم إلى المحكمة الدستورية”.
كما أوصت المنظمة، وفق مذكرتها، بـ”تعليل موسع ومفصل لكل قرار بعدم الإحالة، وتعزيز التدابير الوقائية، لضمان حماية فعالة للحقوق والحريات، وصون الاختصاص الحصري للمحكمة الدستورية”.
كذلك، شددت على أن “المادة 14 تحتاج إلى تعديل لتوضيح أن التنازل عن الدعوى لا يلغي الحق في الدفع بعدم دستورية القانون، وأن الدفع يجب أن يظل متاحا لجميع الأطراف طالما لم يصدر قرار محكمة النقض بقبوله وإحالته، مع التأكيد على تبليغ الأطراف بأن هذا الحق محفوظ لهم”.
المذكرة انتقدت أيضا “قيدا” خامسا، يتمثل في تنصيص المادة 27 من مشروع القانون المذكور على “عدم ترتيب مسؤولية الدولة في تطبيق مقتضى تشريعي ثبتت عدم دستوريته قبل نسخه بصيغة مطلقة”.
واعتبرت التنصيص في حال الإبقاء عليه دون تعديل إشكالا حقوقيا عميقا، لأنه يتعارض من جهة أولى مع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما يتناقض من جهة ثانية مع الالتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان.
وأوصت بتعديل المادة المذكورة “بما يقر حق المتضرر في طلب التعويض عن الأضرار الجسيمة الناتجة عن تطبيق نص غير دستوري، مع إرساء آلية تشريعية واضحة لجبر الضرر، قائمة على معايير محددة وشفافة، وضمان تعليل القرارات ذات الصلة وإمكانية مراقبتها، بما يكفل حماية فعلية للحقوق والحريات الأساسية ويعزز الثقة في العدالة الدستورية”.
وبشأن القيد السادس، المتمثل في “إشكالية الرقمنة وضمان المساواة في الولوج إلى العدالة في مسطرة الدفع بعدم دستورية القوانين”، فقد أوصت المنظمة بـ”إعادة النظر في صياغة وتفعيل مقتضيات المادة 29”.
ودعت في هذا الإطار إلى “التنصيص الصريح على أن الوسائل الرقمية تشكل خيارا مكملا لا بديلا حصريا، مع ضمان إمكانيات الإيداع والتتبع بوسائل تقليدية، وإرساء آليات واضحة وملزمة لحماية المعطيات الشخصية، واعتماد تدرج حقيقي في تعميم الرقمنة مصحوب بالمواكبة والتقييم الدوري للأثر، بما يضمن المساواة الفعلية في الولوج إلى العدالة، ويحمي جوهر الحق الدستوري في الدفع بعدم دستورية القوانين”.
المصدر:
هسبريس