آخر الأخبار

بين الأمل والضياع.. قاصرون يطاردون الحلم الأوروبي على أرصفة الناظور

شارك

في قلب مدينة الناظور، وعلى أرصفتها الباردة، يتخذ عدد من الأطفال القاصرين، ممن يعرفون بـ”الحراكة”، من الشوارع مأوى مؤقتًا في انتظار فرصة قد لا تأتي أبدا لتحقيق حلمهم بالعبور إلى الضفة الأوروبية.

هؤلاء الأطفال، الذين عصفت بهم رياح الفقر واليتم، لا يملكون من أدوات العبور سوى الأمل، ولا من وسائل السفر سوى التسلل إلى الشاحنات المتجهة نحو ميناء بني أنصار، المحاذي لمدينة مليلية المحتلة. غير أن هذا الرهان، الذي يبدو في ظاهره مغامرة، كثيرا ما ينتهي بمآس دامية؛ فقد لقي بعضهم حتفهم بعد السقوط من الشاحنات، فيما عثر على رفات أحدهم داخل قناة للصرف الصحي بميناء المسافرين، في مشهد يلخص قسوة الطريق نحو المجهول.

وجوه من الهامش

وسط هذا المشهد القاتم، يبرز وجه حمزة، طفل قدم من نواحي خنيفرة، يبيت كل ليلة تحت جسر قرب المحطة الطرقية. بصوت خافت وملامح متعبة، يقول: “أحلم فقط بأن أستيقظ في مكان دافئ، أن أتناول فطورا دون أن أبحث في القمامة أو أتسول، وأن أركب يومًا باخرة تمر من هنا”. ترك حمزة مقاعد الدراسة بعد وفاة والده، ولم يجد في قريته ما يحفزه على البقاء، فشد الرحال إلى الناظور، حيث يلوح الحلم الأوروبي من بعيد، كضوء خافت في آخر النفق.

ولا يختلف حال حمزة عن حال المئات من القاصرين الذين توافدوا على الناظور من مختلف جهات المغرب، تاركين خلفهم دفء الأسرة وأحلام الطفولة. المدينة، التي تلقب بـ”باب أوروبا”، تحولت إلى محطة انتظار طويلة، يتقاسم فيها هؤلاء الأطفال قصصا متشابهة، وإن اختلفت تفاصيلها، يجمعها خيط رفيع من الأمل في الهروب من واقع قاس نحو أفق يظنونه أكثر رحمة.

من بينهم أسامة، القادم من مدينة فاس، الذي يقول: “فقدان الوالدين سببان رئيسيان جعلاني أتواجد في مدينة الناظور، حيث أحلم بتحقيق حلم الوصول إلى أوروبا أو التسلل إلى مدينة مليلية”. ويضيف: “أوروبا هي سبب تواجدي هنا. أما الظروف، فهي شماعة نعلق عليها الأسباب دائما، وهي ظروف لا يمكن التنبؤ بها، مادية بالدرجة الأولى واجتماعية محضة، بطلها اليتم وقلة الشيء”.

أرقام تتحدث

بحسب تقرير صادر عن المنظمة الدولية للهجرة سنة 2025، تم رصد حوالي 1024 قاصرا غير مصحوبين بذويهم في مدن الناظور والدار البيضاء ومراكش. من بينهم 375 مغربيا، و649 أجنبيا ينحدرون من 26 دولة، أبرزها غينيا والسنغال وساحل العاج. وتشير المعطيات إلى أن 93 في المائة من هؤلاء الأطفال تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عامًا، منهم 704 ذكور مقابل 320 أنثى.

وفي المقابل، تتحرك السلطات المحلية بإقليم الناظور في اتجاه آخر، إذ كشفت مصادر مطلعة ل”العمق”، عن شن حملات توقيف في صفوف القاصرين غير المصحوبين المرشحين للهجرة، حيث تم توقيف المئات منهم، وترحيلهم على متن حافلات إلى مناطق بعيدة عن الحدود، في محاولة للحد من محاولات اقتحام السياج الحديدي المحيط بمليلية المحتلة.

نداءات حقوقية

أمام هذا المشهد المتفاقم، أطلقت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان – فرع أزغنغان، نداء استعجاليا تحت شعار “لا كرامة مع التشرد”، دقت فيه ناقوس الخطر بشأن الوضعية المأساوية التي يعيشها عدد من الأطفال والقاصرين في وضعية تشرد. فمشاهد الأطفال النائمين على الأرصفة، الباحثين عن لقمة في حاويات القمامة، لم تعد استثناء، بل تحولت إلى مشهد يومي يثير القلق، ويطرح تساؤلات حارقة حول دور المؤسسات في حماية الطفولة.

واستنادا إلى معطيات ميدانية، وجهت العصبة رسائل مفتوحة إلى السلطات المحلية والقضائية، مطالبة بتدخل عاجل لوضع حد لمعاناة هؤلاء الأطفال، الذين يعيشون خارج أي إطار للحماية القانونية والاجتماعية. وأكدت أن القاصرين محرومون من أبسط مقومات العيش الكريم، ويواجهون مخاطر متزايدة، من تعاطي المخدرات إلى الانخراط في سلوكيات منحرفة تهدد سلامتهم الجسدية والنفسية، في ظل غياب التنسيق الفعلي بين الجهات المعنية.

وشددت الهيئة الحقوقية على أن حماية هؤلاء الأطفال مسؤولية جماعية، تستوجب تفعيل الآليات القانونية والمؤسساتية، وعلى رأسها اللجنة الإقليمية لحماية الطفولة، مع ضرورة توفير مراكز إيواء تضمن الكرامة وتحمي من الاستغلال والضياع. كما ذكرت بالتزامات المغرب الدستورية والدولية التي تكفل للطفل الحق في السكن والحماية والعيش الكريم، معتبرة أن استمرار هذا الوضع يشكل خرقا صارخا لهذه الالتزامات.

وعبرت العصبة عن استعدادها الكامل للتعاون مع السلطات والمؤسسات المعنية، من أجل بلورة حلول واقعية ومستدامة تحفظ كرامة أطفال الإقليم، وتمنحهم فرصة لحياة آمنة، بعيدًا عن التشرد والهشاشة، وقريبة من الأمل الذي جاءوا يبحثون عنه.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا