تندفع الأسئلة ملتهبة في وجه المتلقي كلما اقترب من سينما البورجوازية: أي عالم هذا الذي يلمّع الواجهة حتى تلمع معها الأقنعة؟ وكيف يمكن لأفلام أن تكشف هشاشة طبقة تبني مجدها على سراب الامتياز والريع؟ وهل تملك العدسة القدرة على فضح ما يختبئ خلف الأبواب المغلقة حيث يتجاور البذخ مع الفراغ؟ وتتجسد هذه الإشكاليات بعمق في فيلم “قواعد اللعبة” / La Règle du Jeu الذي أخرجه جان رينوار عام 1939، وفيه ينطق أوكتاف الذي أدّاه رينوار نفسه بجملة صارت مرآة لوجود تلك الطبقة: “الشيء الفظيع في الحياة هو هذا: لكلٍّ أسبابه”.
وتنفجر هذه العبارة مثل شرارة تشقّ ليل البورجوازية الهادئ، كاشفة تناقضاتها ونرجسيتها وعمى امتيازها. وتغدو السينما هنا ساحة مواجهة، يختلط فيها الجمال بالخذلان، والسحر الليالي المخملية بالخيبة، والإنسان بظلاله، لتتولد أسئلة عميقة عن ماهيتها وتدفعنا إلى إعادة تأمل معنى الثراء، ومعنى أن نكون بشراً قبل أن نكون طبقة.
تفتح سينما البورجوازية بابًا واسعًا لفهم العالم من زاوية الطبقة التي صاغت الحداثة الاقتصادية، وأعادت إنتاج أزماتها عبر السلطة والمال ورغبات السيطرة. وتظهر البورجوازية على الشاشة بوصفها مرآة لقلق داخلي عميق، تحركه هشاشة الامتياز والخوف من السقوط والبحث المحموم عن معنى وسط فائض من الرفاه. وتجمع سينما البورجوازية التي تُشكّل عمودًا فقريًا لهذا النوع بين نقد اجتماعي وسخرية سوداء ودراما نفسية وفلسفة وجودية، لتمنح صورة مكتملة الأضلاع عن الطبقة التي تحكم، لكنها لا تعرف نفسها.
وتتجلى الإشكاليات الكبرى في أسئلة مثل: هل يمكن للبورجوازية أن ترى ذاتها حقًا؟ هل يسقط النظام الطبقي حين يُفتضح؟ أم أنه يتجدد بأقنعة جديدة؟ وتقدّم هذه الأفلام إجابات متباينة، لكنها تتفق على أن البورجوازية لا تُعرّى إلا حين تُمسخ مرآتها. وهكذا تُثبت سينما البورجوازية أنها ليست مجرد تصوير طبقة، بل تحليل للحداثة نفسها، وللطبقة التي بنتها وحوّلت العالم إلى امتداد لأزماتها الداخلية.
وهكذا يظل السؤال الأخير يتردد عبر كل فيلم: هل تحكم البورجوازية العالم أم تحكمها هشاشتها؟ وفي هذا السؤال يكمن جوهر هذا النوع السينمائي الذي يواصل كتابة تاريخ العالم من زاوية من يملك الثروة ووسائل الإنتاج ومن يتحكم ومن يهيمن، لكنه يخشى دائمًا أن يخسر كل شيء.
وتبدأ السينما بكسر قشرة الازدهار من خلال فيلم The Discreet Charm of the Bourgeoisie – “سحر البرجوازية الخفي” (1972) للمخرج لويس بونويل، حيث تُحوّل محاولات مجموعة من الأصدقاء لتناول العشاء إلى سلسلة عبثية تكشف عجز الطبقة المهيمنة عن تحقيق أبسط رغباتها. ويقول أحد شخصيات الفيلم: “كلما اقتربنا من الجلوس إلى المائدة، انقلب العالم على رأسه”، وهو قول يعكس مفارقة طبقة تملك كل شيء لكنها لا تملك ذاتها.
وتواصل أفلام المخرج كلود شابرول تعرية الطبقة نفسها، خصوصًا في La Cérémonie – “الاحتفال” (1995)، حيث تُظهر تماسك العائلة البورجوازية كقشرة رقيقة تخفي مستويات عميقة من العنف الصامت. وتُبرز حوارات الفيلم كيف “يُمارَس التحكم لا بالصراخ، بل بالابتسامات المستترة”، ما يمنح العمل قوة سردية تُرسّخ نقد البنية الاجتماعية قبل نقد الشخصيات.
وتتعمق السينما في تحليل البورجوازية عبر عمل لوتشينو فيسكونتي Il Gattopardo – “الفهد” (1963)، الذي يُجسّد موت الطبقة القديمة وبروز بورجوازية جديدة أكثر براغماتية. ويقول الأمير سالينا: “شيء يجب أن يتغير كي يبقى كل شيء كما هو”، وهي العبارة التي تحولت إلى مرجع في فهم الديناميات السياسية.
وتكشف سينما مايكل هانيكه في Funny Games – “ألعاب مضحكة” (1997) و The White Ribbon – “الشريط الأبيض” (2009) أن العنف الذي تمارسه البورجوازية على الآخرين يبدأ من داخلها، عبر الحاجة إلى النظام والاستحواذ والهيمنة. وتُظهر هذه السينما خطابًا مفاهيميًا يقوم على تفكيك عقدة الذنب الأوروبية ونقد الأسس الأخلاقية التي تدّعيها الطبقة الوسطى العليا.
تقترب السينما الأمريكية من سينما البورجوازية بطريقة مختلفة، عبر فيلم American Beauty – “الجمال الأمريكي” (1999) للمخرج سام مينديز، حيث يتحول المنزل المثالي إلى مختبر لانهيار أحلام الطبقة المتخمة بالمظاهر. ويقول ليستر بيرنهام: “هذه ليست حياتي. هذا مجرد دور أؤديه”، ليبرز انفصال الفرد البورجوازي عن ذاته تحت ضغط التوقعات.
وتستمر الحكاية في فيلم The Great Gatsby – “غاتسبي العظيم” (2013) للمخرج باز لورمان، الذي يجسّد البورجوازية بوصفها أسطورة أميركية جوفاء لا تقوم إلا على الوهم والتفاخر. ويقول غاتسبي: “لا يمكنك أن تعيد الماضي؟ بالطبع يمكنك”، وهو قول يكشف تمسك الطبقة بقيم لا وجود لها سوى في الذاكرة والرغبة.
وتمنح السينما الإيطالية نقدًا لاذعًا في فيلم فيديريكو فلليني La Dolce Vita – “الحياة الحلوة” (1960)، حيث تتدفق حياة الترف كطوفان يغرق ساكنيه في الفراغ الروحي. ويتردد سؤال محوري في الفيلم: “هل هذه حياة أم مجرد ضجيج؟” ليُجسّد أزمة المعنى داخل عالم مكتظ بالملذات.
وتعالج سينما ستانلي كوبريك البورجوازية من زاوية الرغبة والسلطة في فيلم Eyes Wide Shut – “العيون المغلقة اتساعًا” (1999)، حيث تكشف الرحلة الليلية للطبيب بيل هارفورد أن الامتياز لا يحمي من الهشاشة الأخلاقية، ويقول في نهاية مسار الانهيار: “لم أكن أعرف شيئًا عن نفسي”، ليعكس سقوط البنية النفسية للطبقة.
وتضيف السينما العالمية طبقة جديدة من النقد عبر فيلم Parasite – “الطفيلي” (2019) للمخرج بونغ جون-هو، إذ يُقدّم تحليلاً دقيقًا للتوتر الطبقي، ويقول السيد بارك: “الثراء يغسل كل شيء”، ليكشف كيف يستمر النظام الطبقي عبر وهم الطهارة الأخلاقية.
وتبني هذه الأفلام سردياتها عبر مفارقات تفضح الطبقة من الداخل. وتبدأ الشخصيات من موقع القوة لتكتشف تدريجيًا فراغ السلطة. وتُستخدم تقنيات مثل السخرية، التقطيع البارد، والخطوط السردية المتوازية، والتلاعب بالزمن لتعرية البنية. كما تُستمد الهوية السينمائية لهذا النوع من التقاء الواقعية بالرمزية، ومن خلفيات فكرية تشمل الماركسية النقدية، والوجودية، وفلسفة العبث، والتحليل النفسي الفرويدي.
تتشكل صورة البطل في سينما البورجوازية بوصفها معادلة معقدة تجمع امتياز السلطة وهشاشة الوعي وقلق الهوية. ويقف هذا البطل دائمًا في منطقة رمادية، يرى فيها العالم من موقع أعلى لكنه يشعر في داخله بأنه أقرب إلى السقوط من أي فرد آخر. وتبني سينما البورجوازية التي تشكل مسار هذه القراءة ملامح بطلٍ لا يبحث عن البطولة بقدر ما يبحث عن تفسير لوجوده داخل طبقة تعتقد أنها تعرف الحقيقة بينما تعيش في عمى اختياري دائم.
وتبدأ الصورة من فيلم The Great Gatsby (2013) للمخرج باز لورمان حيث يقف غاتسبي كرمز للأمل المزيف. ويرى العالم من خلال ثروة لا تمنحه اليقين بل تغرقه أكثر في وهم الحلم الأميركي. ويقول غاتسبي: “أظن أنني كنت أؤمن بشيء لم يؤمن به أحد سواي”، ليكشف أن البورجوازية كثيرًا ما تبني بطولتها على فكرة بلا جذور.
وتتعمق الإشكالية في فيلم American Psycho (2000) للمخرج ماري هارون حيث يجسد باتريك بيتمان نموذج البطل الذي يفقد بوصلة الأخلاق في عالم تسوده المعايير الاستهلاكية. وتتحول رؤيته إلى الواقع إلى مرآة مشروخة يرى فيها ذاته فقط. ويقول بيتمان: “لا أملك وجهًا حقيقيًا. هناك فقط قناع”، في تلميح إلى أن البطل البورجوازي غالبًا ما يكون نتاج دور اجتماعي لا ذات إنسانية.
وتعيد سينما مايكل هانيكه في فيلم Caché (2005) توجيه البطل نحو منطقة الذنب التاريخي. ويقف جورج، الإعلامي الناجح، عاجزًا أمام شريط مجهول يذكره بما حاول أن ينساه. وتظهر شخصيته كصدى لطبقة تخشى مواجهة الحقيقة لأنها تخشى انهيار امتيازاتها. ويقول: “بعض الأشياء لا تختفي مهما دفنتها”، ما يبرز جوهر هذه السينما: الذاكرة تهزم الأمان الزائف.
وتكشف سينما لويس بونويل في فيلم “سحر البرجوازية الخفي” (1972) أن البطل البورجوازي يعيش داخل حفلة لا تكتمل. ويظل يحاول الإمساك بالمعنى في عالم تبتلع فيه الطقوس كل رغبة إنسانية صادقة. ويعبّر أحد الشخصيات قائلاً: “نعيش كما لو أن شيئًا سيبدأ، لكنه لا يبدأ”، في تلخيص لنمط بطولي بلا بداية ولا نهاية.
وتعكس أفلام لوتشينو فيسكونتي مثل “الفهد” (1963) صورة بطل يرى العالم من خلال الاندثار. ويقف الأمير سالينا أمام بورجوازية ناشئة لا تشبهه، فيحمل قلق طبقة قديمة تفقد سيادتها. ويرى الواقع كتحول لا يرحم. ويقول: “المستقبل لا يحتاجنا، لكنه سيحمل أصداءنا”، ما يفتح المجال لرؤية البطل كحارس أخير لعصر يحتضر.
وتعيد سينما فيديريكو فلليني عبر فيلم “الحياة الحلوة” (1960) تشكيل البطل بوصفه كائنًا يبحث عن معنى في وسط الضجيج. ويقف مارشيلو بين عالم الصحافة وعالم الحفلات، عاجزًا عن إيجاد ذاته. ويرى الواقع عبر عدسة الانبهار والارتباك. ويقول: “أبحث عن خطوة واحدة صادقة وسط هذا الرقص”، ما يمنح الفيلم بعدًا وجوديًا عميقًا.
وتثير سينما هيروكازو كورئيدا في فيلم Shoplifters (2018) مفارقة جديدة، إذ يظهر البطل من الطبقة الدنيا لكنه يفضح البورجوازية دون أن يكون جزءًا منها. وتنعكس صورة الطبقة عبر غيابها. ويرى البطل العالم من موقع الحرمان لكنه يدافع عن روابط إنسانية أقوى من أي امتياز. وتقول الأم: “الفقر لم يخجلني. ما يخجلني هو أن يكون العالم هكذا”، وتكشف العبارة عن نقد للطبقة المهيمنة دون حضورها الفعلي.
وتتخذ سينما ستانلي كوبريك في فيلم “العيون المغلقة اتساعًا” (1999) مسارًا نفسيًا يكشف البطل البورجوازي عبر رغباته المكبوتة. ويقف الطبيب بيل أمام حقيقة صادمة: أن السلطة لا تمنح الحرية وإنما تفتح أبوابًا للتيه. ويرى الواقع كمتاهة أخلاقية، ويقول: “لم أكن أعرف أنني كنت أعيش خلف جدار”، ما يرسخ هشاشة هذا النوع من الأبطال.
وتقدّم سينما بونغ جون-هو في فيلم “الطفيلي” (2019) صورة مغايرة للبطل البورجوازي من خلال عائلة بارك التي تظهر مثالية لكنها محكومة بعمى طبقي. ويرى الأب العالم عبر عدسة الرفاه لكنه لا يعرف معنى أن يكون خارج دائرة الامتياز. ويقول: “الأمر سهل عندما تكون غنيًا”، في جملة تختزل رؤية طبقة تحكم دون أن تفهم.
ويقدم فيلم “الشريط الأبيض” (2009) لهانيكه حيث يقف البطل البورجوازي، ممثلًا في مجتمع القرية البرجوازية المحافظة، عند عتبة العنف الموروث. ويرى العالم من منظور النظام الصارم لكنه لا يرى الشر الذي يُنتجه. ويقول المعلم: “شيء مظلم ينمو هنا”، في اعتراف بأن البطولة قد تكون صمتًا أكثر منها فعلًا.
وتتصاعد كل هذه الصور لتصنع بطلًا بورجوازيًا يعيش على حافة التناقضات. يتحدث عن القيم لكنه يخاف الحقيقة. يدافع عن الاستقرار لكنه يبني سعادته على هشاشة الآخرين. ويرى العالم بأعين تعرف الامتياز لكنها تجهل الواقع. وهكذا تصبح بطولته شكلًا من أشكال الانكشاف لا النصر، وانعكاسًا لطبقة تبحث عن ذاتها في مرآة لا تعطيها سوى ظلها.
تتشكل سينما البورجوازية الأمريكية كلوحات متحركة تصوّر التوتر بين الامتياز والهشاشة، بين الترف والقلق الاجتماعي. وتستمد هذه السينما قوتها من قدرتها على تحويل اللحظة البسيطة إلى رمزية عميقة تعبّر عن القيم والصراعات الطبقية. ويقف المشهد السينمائي هنا كوثيقة بصرية للطبقة البورجوازية، يعكس طموحها، خوفها، واندفاعها نحو الحفاظ على مكانتها في المجتمع.
تبدأ الصورة في فيلم “الجمال الأمريكي” (1999) للمخرج سام مينديز حيث يقف ليستر بيرنهام أمام نافذة منزلية، يراقب جمال الطبيعة من الداخل، معزولًا عن العالم الخارجي. ويكشف هذا المشهد عن شعور البطل بالغربة في قلب طبقة تبدو مثالية من الخارج. ويقول ليستر: “كنت أعيش حياتي كما لو كنت في صورة، صورة لا أحبها”، ما يجعل المشهد رمزًا لحياة بورجوازية تغلفها القشور على حساب الجوهر.
وتستمر القوة البصرية في فيلم “غاتسبي العظيم” (2013) للمخرج باز لورمان حيث تظهر الحفلات المذهلة في قصر غاتسبي، والموسيقى الصاخبة تملأ الغرف، بينما يغرق البطل في شعوره بالوحدة. ويعكس المشهد التناقض بين الرغبة في الانتماء وعزلة الروح، ويقول غاتسبي: “أصدق أننا نريد دائمًا ما لا يمكن أن نحصل عليه”، في صياغة لمفارقة البورجوازية الأميركية بين الطموح والفراغ.
وتتجلى هشاشة الطبقة في فيلم Revolutionary Road (2008) لسام مينديز من خلال مشهد النقاش الحاد بين فرانك وآبريل. ويقف الزوجان أمام قسوة الحياة الزوجية المثالية شكليًا، حيث تصبح الكلمات سكاكين. وتقول آبرل: “نحن محاصرون في قصتنا الخاصة”، لتجعل المشهد أيقونيًا للتوتر بين الواقع والأحلام المسلوبة للبورجوازي الأميركي.
وتبرز الصراع الطبقي في فيلم The Social Network (2010) للمخرج ديفيد فينشر، حيث يظهر مارك زوكربيرغ في قاعة المحكمة، محاطًا بمحامين يسردون تهم الخيانة والصراع على السلطة. ويعكس المشهد مركزية القوة والامتياز في سياق حديث، ويقول مارك: “الحياة ليست عادلة، لكنك تصنع فرصك”، ما يوضح رؤية البطل البورجوازي للواقع وفق منطق النجاح الفردي.
تكشف السينما الكلاسيكية في فيلم “العراب” (1972) للمخرج فرانسيس فورد كوبولا من خلال مشهد حفل العرس، حيث يمتزج البذخ والاحتفال. ويقف مايكل كورليوني في زاوية، يراقب كل شيء بصمت، ويقول: “أعلم أن هذه العائلة هي عالمي”، ليحوّل المشهد الحياة البورجوازية إلى لعبة قوة تتحكم بها التقاليد والوفاء.
وتعكس الحياة الداخلية للبورجوازية في فيلم “وول ستريت” (1987) للمخرج أوليفر ستون من خلال مشهد مكتب غوردون غيكو، حيث تصطف الشاشات والمال يحكم المشهد. ويقول غيكو: “الجشع جيد”، ليصبح المشهد مدخلًا للرؤية الاقتصادية للبورجوازي الأميركي، حيث يمتزج الطموح بالمخاطر والهيمنة على الآخرين.
وتسلط American Psycho (2000) لماري هارون الضوء على المشهد الذي ينظف فيه باتريك بيتمان شفرته قبل اجتماع الأعمال، ويقف أمام المرآة محاكيًا صورة الكمال، ويقول: “الوجه المثالي يخفي الحقيقة”، لتصبح هذه اللقطة رمزًا للنفاق الاجتماعي والضغط على البطل للحفاظ على صورة متكاملة.
ويكشف فيلم There Will Be Blood / “سيكون هناك دم” (2007) للمخرج بول توماس أندرسون عن مشهد مواجهة دانييل بلينفين مع خصمه في الصحراء، حيث تمتزج القوة بالعنف والامتياز بالوحدة. ويعكس المشهد رؤية البطل البورجوازي للنجاح كسيطرة كاملة على الأرض والموارد، ويقول دانييل: “أنا أملك كل شيء هنا”، ليؤكد الهيمنة الطبقية على المستوى الرمزي والفعلي. ويعكس الفيلم الصراع الوحشي الذي يرافق بدايات صناعة النفط في أميركا مطلع القرن العشرين، حيث صعدت الثروة على حساب حياة البشر وتحطيم المجتمعات الصغيرة في إشارة إلى كيف تلتهم الطبقة البورجوازية كل ما يظهر أمامها.
وتبرز الدراما الداخلية في Blue Jasmine (2013) لوودي آلن من خلال مشهد سقوط جازمين/ ياسمين في شقتها الفاخرة، حيث تتحطم كل صور الترف أمام الواقع الصعب، وتقول جازمين: “لقد فقدت كل شيء، لكنني لا أفقد نفسي”، في بيان يوضح التناقض بين الانتماء الطبقي والهوية الشخصية.
وفي فيلم The Wolf of Wall Street (2013) لمارتن سكورسيزي نرى حفلة الأسهم الصاخبة، حيث تتحرك الشخصيات في بحر من المال والمخاطر والجشع. ويقول جوردان بيلفورت: “لا تتوقف أبدًا عن اللعب، الحياة قصيرة”، ليصبح المشهد رمزًا للطموح البورجوازي الأميركي المفرط الذي يسيطر عليه الاستهلاك والسلطة.
وتتصاعد قوة سينما البورجوازية من خلال عناصر السرد البصري، الموسيقى، الإضاءة، والتفاصيل الرمزية التي تعكس أسلوب الحياة البورجوازي، وتبرز الحساسية الاجتماعية للبطل، وتكشف عن التناقض بين الامتياز والمسؤولية، بين المظاهر والجوهر، وتحوّل كل مشهد إلى خطاب نقدي ومجتمعي يروي القيم والخيانات والتطلعات في قلب الثقافة الأميركية.
وفي نهاية المطاف تظل سينما البورجوازية مرآة دامعة ولامعة في آن، تكشف زهو الطبقات وكسورها، وتعرّي وجهاً إنسانياً يختبئ خلف ستائر الرفاهية، وتعيد إلينا أسئلة العالم بنبرة أكثر توهجاً. فيما يهمس جوريس في فيلم “قواعد اللعبة” لـجان رينوار قائلاً: “نحن جميعاً نكذب على بعضنا البعض”. فتتردد العبارة كخاتمة قدرية تلخّص عالماً يحاول التزيّن وهو عاجز عن إخفاء جوهره. وتغدو هذه السينما خزفاً هشاً يلمع تحت الضوء ويتهشّم عند اللمس، ومع ذلك نعود إليها شاكرين لأنها تذكّرنا بما يبقى ومن نكون حين تسقط الأقنعة جميعها…
المصدر:
هسبريس