زوجة وأما وكاتبة وناقدة وباحثة أعيش منذ سنوات في لندن، هذه المدينة الرائعة والمفتوحة والمتعددة التي منحتني فُرصاً وحياةً وتجربةً وامتداداً إنسانياً واسعاً ورائعا، أعيش في مدينة تحمل في فضاءاتها العالم كله، لكنني أعرف في أعماقي أن حبها لا يضاهي حب مدينة الرباط، عاصمة الأنوار والجمال والثقافة، الرباط التي لا تسكن الذاكرة فقط وإنما الجسد والروح أيضا.
لا أتكلم اليوم عن نفسي بعد ليلة ملحمية مع المنتخب المغربي لكرة القدم في مواجهة المنتخب النيجيري، مواجهةٌ أبطالها أشرف حكيمي وإبراهيم دياز والعيناوي وورائهم وليد الركراكي وفوزي لقجع وكل طاقم النخبة الرائعة، أتحدث أساسا عن معنى أوسع للانتماء، عن الانتماء لوطنٍ حين لا تكون الجغرافيا المميزة والمُوحِّدة فقط هي ما يجعله استثنائي، بل أتحدث عن وطن يوفر انتماءً لذاكرة حيَّة تعلو على الزمن وتسري في الدم.
أقولها بيقين كأم جرّبت الغُربة وتعيشها: لم أحتج يوماً تعليم أطفالي حُب المغرب ولم أجلس أمامهم يوما خصيصا لأشرح معنى الوطن والوطنية، ولم ألقّنهم يوما بالتخصيص والالحاح النشيد الوطني الذي أصبح محفوظا من غير المغاربة، فالمغرب لم يكن فكرة تُدرَّس بقدر ما كان دائما إحساساً تبيلا ومشاعر ضاربة في تاريخ حضاري مجيد تُورَّث. حب المغرب كان يسري دائما في دمهم وفي حليب الرضاعة، في رائحة “الخليع” صباحاً، وفي دفء الحريرة وحلاوة الشبّاكية مساءً. لم يكن حب المغرب درساً، بقدر ما كان، وهو، نمو داخليٌّ تكوَّن بهدوء وكبُر وازداد مجداً في الداخل، تماما كما تنمو الاشجار من جذورها لا من أغصانها وأوراقها.
أتوقف أحياناً لتأمل مفارقة الزمن والهوية، فلا أُفاجأ حين يخبرني ابني البريطاني من جيل “زد” أنه يريد أن يعطي أفضل ما لديه لإنجلترا، لكنه يريد أن يعطي أكثر للمغرب وللرباط بالتحديد. لا تصدمني هذه الازدواجية لأنني لا أراها تناقضاً، بقدر ما أعتبرها امتداداً طبيعياً لتجربة المغاربة مع الهجرة التي خبروها منذ قرون وحولوها لطاقة ايجابية. غير أن الذاكرة عادت بي، رغم ذلك وأنا أتابع المقابلة الملحمية للمنتخب المغربي مع المنتخب النيجيري، عادت بي الذاكرة فجأة إلى عام 2004، إلى تلك اللحظة التي لم تكن مثل غيرها، إلى الصدمة الأولى التي علّمتنا معنى الفقد الجماعي للانتصار. تذكرت سنة 2004 كلحظة احباط وألم، ليس كحدث رياضي فقط بل كلحظة حزن وطني عميق في هزيمة تونس غير المستحقة. أتذكر كيف كنا نحتفل بتلك الإنجازات الصغيرة متمثلة في مجرد المرور من الاقصائيات، وكيف كنا نشعر بتلك القشعريرة الجماعية، بذلك الفرح الوطني الذي يشبه نشوة الاكتشاف. ثم جاء احباط تونس فجأة، جاء ذلك الإحساس الطاغي بأن شيئاً ما ليس على ما يرام، دون أن نعرف تحديداً ما الذي سلبنا الفرحة، حيث شاهدنا عبر شاشات التلفاز حجي والزايري والشماخ وكل الفريق يقاتلون ويصرخون ويسجلون … ثم يخسرون اللقب، وخسرنا معهم. أتذكر ذلك الصباح الصامت وأنا تلميذة في ثانوية مولاي إسماعيل بمكناس حيث لم نبكِ، كتلاميذ وكأساتذة وإداريين، ولم نصرخ ولم نفعل شيئاً تقريباً، كنا فقط… مصدومين.
وأنا أتذكر … أستعيد اليوم قول جون بيرغر الباحث في الثقافة البصرية، حين كتب في مقاله “صور الألم” عام 1972 أن صور المعاناة قد تكون صادمة لكنها قد تشُل المتلقي بدلاً من أن تدفعه إلى الفعل. ومع ذلك، لا أريد أن أصدق أننا احبطنا تماماً. لكنني أعترف بأننا لم نفقد الإيمان بكرة القدم وبالفريق وبفكرة العمل الجماعي الوطني، وبالطبع بأنفسنا كأمة وكشعب. حملنا هذا الفقد سنوات وجاء المخطط الملكي المتكامل في صناعة اللاعب والتكوين والبنيات التحتية والمدرب الوطني والأهداف المرسومة بدقة وباحترافية، وها هي النتيجة لامعة مقنعة ومدوية منذ انجاز كأس العالم بقطر.
مرت سنوات تعلمت فيها كمهاجرة في لندن أن الهوية ليست شيئاً ثابتاً ومتحجرا بل هي مسار خاضع لمنطق التطور والاغناء المستمر. أدركت أن الفريق المغربي لم يكن يوماً مجرد أبناء مهاجرين عانوا شعور “الغربة” في بلدان الاستقبال وحولوها لطاقة ايجابية، وأنه لم يكن مجرد قصة اندماج ناجحة في أوروبا، كان الفريق الوطني وهو اليوم بالتأكيد يحمل مواهب وعقليات ومحبة الوطن في الجينات لدى أبناء أزقة المدينة الضيقة والشوارع ذات الإنارة الصفراء الضعيفة، بعضهم لم يستطيع شراء كرة ومع ذلك فمهاراتهم تجاوزت أثمان الكرات الغالية. اجتمع في هذا الفريق تجربة الهجرة وكرامة الأرض واغتراب الخارج وصلابة الداخل، فصار الفريق مرآة صادقة للتركيبة الرفيعو المذهلة للهوية المغربية الحيّة.
ثم جاء عام 2022 ومن حيث لم نكن نتوقع عاد الإحساس والنخوة ونشوة الانتصار والانجاز التاريخي بشكل مختلف. لم يعد الفرح ساذجاً بل أصبح فرحا ناضجاً. ولم يعد النصر مفاجأة عابرة بل ثمرة عمل طويل مفكر فيه ومخطط له على أعلى المستويات بالمملكة الآمنة. ظهر حكيمي قائداً وظهرت الأسود وظهرت اللبؤات وظهر الأشبال على التوالي في أعلى مستويات المنافسات الدولية. أدركتُ فجأة أن العمل كان يجري في صمت وأن الإصرار وإعادة البناء والمثابرة والصبر، تلك الخصلة المغربية الرفيعة، كانت تفعل فعلها. إنه الصبر المغربي “الاستراتيجي” الذي يشبه الطاجين الوطني الأصيل حين يُترك على نار هادئة بكل صبر، ويشبه انتظار الفلاح المغربي للمطر في القرى الجبلية دون شكوى.
وأنا أتابع من لندن انجاز الحارس بونو ورفاقه ضد فريق نيجيريا العتيد، لم يكن الانتصار مجرد فوز رياضي، بل كان استعادة للمعنى. كان المغرب دائما وأينما وُجد أبناؤه في هذا الكون يلمع بأبنائه وبناته ونسائه ورجاله الحاملين لقيمه الرفيعة، يلمع بالذكاء لا بالضجيج وبالهدوء لا بالاستعراض وباللطف الذي لا يُلغي القوة. وحين نُحبَط، ولا نحقق المراد، ينهض في داخلنا أسد ولبؤة ويزأران من فضاءات جبال الأطلس الشامخة، ليصل صوتهما إلى العالم كله.
أتذكر في هذا السياق قول نيلسون مانديلا إن الرياضة تملك القدرة على تغيير العالم. لكنني أؤمن اليوم بأنها، في الحالة المغربية، لم تغير صورة العالم عنا فقط، بل غيرت صورتنا عن أنفسنا حيث أعادت لنا قوة الثقة بأن الانتماء لا تضعفه الهجرة ولا تضعفه المسافات، هنا أيضا أتذكر محمود درويش عندما يقول: “نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا.، وأنا يا درويش، أحببت الحياة أكثر حين رأيت في فريقي مرآة لأحلامنا الكبرى كبر الوطن.
ليس حب الوطن صراخاً قومياً فارغاً وإنما هو وعي أصيل ونقي بالذات، يحبل بالتقاء الفردي بالجماعي والخاص بالعام. وطننا العزيز كما وصفه إدوارد سعيد سردية مفتوحة، لا تُختزل في حدود بل تُكتب بالتجربة والحنين الصادق المستمر وبالذاكرة الخصبة.
هكذا وأنا أعيش في لندن المدينة الرائعة، أدرك أن بلدي المغرب ليس مجرد اسم عريق في التاريخ، بل أدرك أنه إحساس ومشاعر متحركة، وأنه أم مهاجرة تحكي وطفل يتكلم لهجتين ولاعب يرفع علماً وهو يعلم أن وراءه تاريخاً من حكمة الصمت والصبر الاستراتيجي. أدرك أنه الرباط عاصمة الأنوار والجمال والثقافة التي لا تغادرني مهما ابتعدت.
وفي أخيرا فأنا لا أعود لأسأل: لماذا أحب المغرب؟ بل أسأل: كيف لا أحبه، وهو الذي علمني أن التعثر ليس نهاية في حد ذاته وأن الصدمة قد تكون بدايةً وأن في داخل كل واحد منا أسداً ينتظر اللحظة الملائمة لزئير فعال.
المصدر:
هسبريس