أثار تصريح نزار بركة، وزير التجهيز والماء، بأن المغرب “خرج من وضعية الجفاف التي امتدت لسبع سنوات” بفضل التساقطات المطرية والثلجية الأخيرة، نقاشاً واسعاً حول مدى دقة هذا التوصيف، وحدود التفاؤل الممكن في ظل أزمة مائية هيكلية مازالت ترخي بظلالها على البلاد.
وأوضح الوزير، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، أن الفترة الممتدة ما بين فاتح شتنبر و12 يناير عرفت تسجيل 108 ملم من التساقطات المطرية، بفائض قدره 95 في المائة مقارنة مع السنة الماضية، و17,6 في المائة مقارنة مع المعدل الطبيعي، معتبراً أن هذه المعطيات تؤشر على الخروج من مرحلة الجفاف.
غير أن عدداً من الخبراء في المناخ والموارد المائية يدعون إلى التعامل مع هذه الأرقام بـ”حذر علمي”، مؤكدين أن شهرين أو ثلاثة من الأمطار، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن تمحو آثار سبع سنوات عجاف.
ويتفق خبراء تواصلت معهم هسبريس على أن التفاؤل مطلوب، لكن دون إسقاطات متسرعة، فالتساقطات الحالية، رغم أهميتها، تبقى غير كافية لمعالجة اختلالات تراكمت على مدى سنوات، خاصة في المناطق التي تعاني غياب السدود أو ضعف استغلال المياه السطحية، مثل الجنوب الشرقي.
ويجمع المتخصصون على أن الخروج الحقيقي من الجفاف لا يمكن قياسه بموسم واحد، بل يتطلب على الأقل سنتين أو ثلاث سنوات متتالية من التساقطات المنتظمة، إلى جانب إصلاحات عميقة في سياسات تخزين المياه، وإعادة استعمال المياه العادمة، وتسريع مشاريع التحلية، وتحسين الحكامة المائية.
في هذا السياق قالت إلهام بلفليحي، الباحثة في التغيرات المناخية والمخاطر البيئية والكوارث الطبيعية، إن التساقطات الأخيرة كانت “مهمة وإيجابية”، وانعكست على مستويات عدة، من بينها المخزون المائي بالسدود، والمحاصيل الزراعية، وحتى على الحالة النفسية العامة للمغاربة بعد سنوات من القلق المرتبط بندرة المياه.
لكن بلفليحي أكدت ضمن تصريح لهسبريس أن هذا التحسن الظرفي لا يعني الخروج من الجفاف، موضحة أن “التساقطات التي عرفها المغرب خلال شهر أو شهرين لا يمكن أن تشكل مؤشراً على تعافٍ بنيوي”، وأضافت: “يمكن القول إننا تجاوزنا مؤقتاً مرحلة حرجة من الإجهاد المائي، لكن لا يمكن الجزم بأننا خرجنا من الجفاف، لأن ذلك يتطلب توالي سنوات من التساقطات المنتظمة وانتعاشاً حقيقياً للمياه الجوفية والسدود”.
وحذرت الباحثة من الوقوع في “وهم الطمأنينة”، معتبرة أن “أخطر ما يمكن أن يحدث هو الاعتقاد بأن الأزمة انتهت، ما قد يؤدي إلى التراخي في السياسات العمومية المرتبطة بتدبير الموارد المائية”، وزادت: “الدولة مطالبة بالاستمرار في بناء السدود، وتسريع مشاريع تحلية مياه البحر، وتكثيف حملات توعية المواطنين بترشيد الاستهلاك، لأن أي موجة حرارة مبكرة أو ارتفاع حاد في درجات الحرارة قد يعيدا الوضع إلى نقطة الصفر”.
من جانبه يرى أيوب كرير، خبير في المناخ والتنمية المستدامة ورئيس جمعية “أوكسجين للبيئة والصحة”، أن الأمطار الأخيرة “أنقذت المغرب جزئياً من سيناريو كارثي”، لكنها لا تعني بأي حال العودة إلى الوضع الذي كان سائداً قبل سبع سنوات.
وأشار كرير، ضمن تصريح لهسبريس، إلى أن المغرب يوجد حالياً ضمن خانة الدول التي تعاني خصاصاً مائياً حاداً، حيث انخفضت حصة الفرد من المياه إلى أقل من 500 متر مكعب سنوياً، وهو ما يصنف دوليا كإجهاد مائي خطير، وأضاف: “صحيح أن التساقطات عززت حقينة السدود وأنقذت الموسم الفلاحي جزئياً، لكنها رفعت نسبة الملء الوطني إلى حوالي 43 في المائة فقط، وهي نسبة لا تسمح بالقول إننا تجاوزنا التهديد”.
كما نبه الخبير ذاته إلى أن “طبيعة الأمطار المسجلة، التي جاءت في فترات وجيزة وبكميات كبيرة، تطرح بدورها إشكالات مرتبطة بالفيضانات، وتدهور التربة، وتأثر البنيات التحتية، فضلاً عن محدودية قدرة السدود المليئة بالأوحال على تخزين كميات إضافية من المياه”.
المصدر:
هسبريس