أعلنت الحكومة رسميا عن إطلاق استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي، واضعة أهدافا طموحة تهدف إلى إحداث نقلة نوعية في الاقتصاد الوطني بحلول عام 2030. وكشفت الوزيرة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أمل الفلاح السغروشني، أن هذه الاستراتيجية تسعى إلى خلق 50 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني تناهز 100 مليار درهم، مما يضع المملكة على عتبة تحول كبير يهدف إلى ترسيخ مكانتها كقطب إقليمي رائد في مجال الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.
ولتحقيق هذه الأهداف، كشفت الوزيرة عن خطة عمل متكاملة ترتكز على تأهيل 200 ألف موهبة، وتطوير بنية تحتية متطورة تشمل إطلاق شبكة وطنية لمعاهد البحث تحت اسم “الجزري”، وتطوير مركز ضخم للبيانات في مدينة الداخلة. وتعززت هذه الرؤية بتوقيع شراكة استراتيجية مع شركة “ميسترال” الفرنسية، أكبر شركة أوروبية ناشئة في الذكاء الاصطناعي، والتي ستؤسس فرعا لها بالمغرب للمساعدة في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي ناطقة بالعربية والأمازيغية، مما يضفي زخما دوليا قويا على الطموح المغربي.
لكن وسط هذا الزخم الرسمي والتفاؤل المشروع، تبرز معادلة صعبة تثير تساؤلا جوهريا حول مستقبل سوق الشغل في البلاد. كيف يمكن التوفيق بين وعد خلق 50 ألف وظيفة، والطبيعة المعروفة للذكاء الاصطناعي كأداة فائقة لأتمتة المهام وتقليص الاعتماد على العنصر البشري؟ وهل تأهيل 200 ألف موهبة سيكون كافيا بالفعل لتحويل القوى العاملة من مجرد مستهلكة للتقنية إلى منتجة لها بما يضمن هذه الوظائف فعليا؟.
وتعليقا على الموضوع، حذر الخبير في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي رشيد أشنين من أن الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي قد تتحول إلى أداة لـ “أتمتة البطالة” بدلا من خلق وظائف حقيقية، إذا ظل المغرب في موقع المستهلك للتكنولوجيا دون أن يصبح منتجا لها.
وأوضح أشنين في تصريح خص به جريدة “العمق” أن إعلان استهداف خلق 50 ألف وظيفة وتأهيل 200 ألف موهبة بحلول 2030 يضع المغرب أمام معادلة دقيقة، لأن هذه التكنولوجيا تعرف عالميا بقدرتها العالية على تقليص الاعتماد على العنصر البشري.
وشدد الخبير على أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق الوظائف بشكل تلقائي، بل يرفع الإنتاجية أولا، ولا يخلق فرص عمل إلا في الاقتصادات التي تملك موقعا متقدما داخل سلسلة القيمة الرقمية. وأضاف أنه في حال اكتفى المغرب باستهلاك الحلول الجاهزة، فإن النتيجة لن تكون نموا في التشغيل بل “كفاءة دون شغل”، حيث سيؤدي ذلك حتما إلى تقليص الوظائف بوتيرة أسرع من خلقها، خاصة في قطاعي الإدارة العمومية والخدمات.
واعتبر أشنين أن الحديث عن تأهيل 200 ألف موهبة قد يكون مضللا، مؤكدا أن المشكلة ليست في العدد بحد ذاته بل في تركيبة المهارات. وفصّل الخبير رؤيته بالقول إنه إذا كانت تركيبة المائتي ألف موهبة تتكون من 70% من المستخدمين و20% من التقنيين المتوسطين و10% فقط من صُناع الحلول الحقيقيين، فإن القيمة الاقتصادية للاستراتيجية ستبقى محدودة، والوظائف التي ستخلقها ستكون هشة بالضرورة.
وكشف أشنين أن ما يحتاجه المغرب فعليا هو “هرم مهارات” واضح، يتكون من 20 إلى 30 ألفا من صُناع الأنظمة كمهندسي الذكاء الاصطناعي ومعماريي البيانات في قمته، و40 ألفا من وسطاء القيمة المتخصصين في مجالات مثل التكنولوجيا القانونية والحكومية والصحية، بينما يشكل المستخدمون المؤهلون القادرون على إعادة تشكيل وظائفهم الحالية قاعدة هذا الهرم، مشددا على أن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى هرم متكامل وليس مجرد قاعدة عريضة من المستخدمين.
وأشار الخبير إلى وجود خطر حقيقي وصفه بـ “الأتمتة الصامتة”، ويتمثل في الإدخال التدريجي للأنظمة الذكية داخل الإدارات وتقليص الحاجة للموظفين دون وجود برامج إعادة تأهيل حقيقية أو بدائل مهنية واضحة، مما يحول الذكاء الاصطناعي من أداة تحديث إلى عامل ضغط اجتماعي.
وقال رشيد أشنين إن الوظائف المستدامة لا تخلق فقط في صلب الخوارزميات، بل في محيطها الذي يشمل حوكمة الذكاء الاصطناعي وتدقيق الخوارزميات والتكييف القانوني والمؤسساتي، وهي وظائف لا يمكن استيرادها بالكامل وتتطلب قرارا سياسيا يجعل الإدارة العمومية أكبر زبون للحلول الذكية المحلية.
وخلص الخبير إلى أن المعادلة الحقيقية لخلق التشغيل المستدام لا تكمن في جمع الاستثمار مع الذكاء الاصطناعي، بل في ربط السيادة الرقمية بعمق التكوين والطلب المؤسسي. واختتم تصريحه بالتأكيد على أن رهان الذكاء الاصطناعي في المغرب هو رهان اجتماعي وسيادي، وأن السياسات الذكية هي التي تخلق الشغل، وليس التكنولوجيا بحد ذاتها.
المصدر:
العمق