قالت جمعية “أطاك المغرب” إن الدولة قادرة تقنيا وماليا على إنجاز بنى تحتية عالية الجودة حين يتعلق الأمر بالملاعب والمنشآت المرتبطة بالواجهة الدولية، لكنها تتعذر أو تتلكأ عن تعميم الحد الأدنى من المعايير نفسها على الأحياء التي يسكنها الفقراء والطبقات المهمشة.
واعتبرت الجمعية في مقال منشور على موقعها الرسمي أن المسألة لا ترتبط بتفوق تقني للملعب فحسب، بل هي حصيلة اختيارات طبقية: فحيث توجد كاميرات العالم، تُصرف الأموال بسخاء وتحترم دفاتر التحملات؛ وحيث يعيش الناس بعيدا عن الأضواء، تترك الشوارع لقوانين الارتجال، وتسند الأشغال بأقل تكلفة، ويغيب الصيانة. والنتيجة: ملعب يمتص المطر، ومدينة تختنق به.
وأشارت إلى أنه مع كل موجة أمطار، يتكرر المشهد نفسه في مدن مغربية عديدة: شوارع تتحول إلى برك مائية، أحياء تُعزل عن محيطها، طرق رئيسية تُغلق، ومرافق عمومية تفشل في أداء أبسط وظائفها. كما حدث مؤخراً في طنجة، برشيد، آسفي، تطوان، وجماعات محيطة بمراكش، وهو ما لا يمكن اختزاله في “تقلبات مناخية استثنائية”، بل يُظهر هشاشة بنيوية مزمنة في شبكات الصرف والطرق والتجهيزات الأساسية، وهي هشاشة تتجلى كل سنة دون معالجة جذرية.
وأكدت الجمعية أن هذا العجز لا يرتبط بحجم التساقطات، بل بفشل شبكات التطهير السائل في التعامل حتى مع كميات متواضعة من المياه، ما يعكس اختلالاً هيكلياً في التخطيط الحضري وفي صيانة البنية التحتية. فالمشهد ذاته تكرر في برشيد، المدينة التي تربط الدار البيضاء بالرباط، حيث غرقت أحياء كاملة، وتوقفت الحركة التجارية، وتعطلت مصالح السكان بسبب قنوات صرف غير مؤهلة وانعدام تدخل مؤسسات الدولة المختصة.
وتطرقت الجمعية أيضاً لفيضانات آسفي، لافتة إلى أن الأمطار تحولت إلى مأساة إنسانية حقيقية. مؤكدةً أن هذه الكارثة لم تكن مفاجئة، بل نتيجة مباشرة لبنية تحتية عاجزة عن حماية السكان من مخاطر يمكن التنبؤ بها والاستعداد لها.
وشددت “أطاك” على أن هذه الوقائع المتكررة تعكس تناقضا صارخا في أولويات الإنفاق العمومي، فبينما ترفض الدولة ضمان صرف صحي فعال وطرق صالحة للاستعمال في أحياء واسعة، لا تتوانى عن ضخ أموال طائلة في مشاريع كبرى ذات طابع رمزي واستعراضي، وعلى رأسها الملاعب والبنيات المرتبطة بالفعاليات الرياضية الدولية.
وأوضحت أنه وفقا للأرقام، خُصص في ميزانية 2026 مبلغ 1.1 مليار درهم لتطوير المنشآت الرياضية ومواصلة بناء وتأهيل الملاعب في إطار التحضير لكأس العالم 2030، إضافة إلى 500 مليون درهم لملاعب القرب داخل المؤسسات التعليمية. وقبل ذلك، أُنفقت في ميزانية 2024 وحدها حوالي 1.97 مليار درهم لبناء وتأهيل الملاعب الكبرى، مثل الملعب الكبير للدار البيضاء وتوسيع طاقته الاستيعابية. وهذه الأرقام تعبّر بوضوح عن أولوية سياسية موجهة نحو الاستثمار في بنى رياضية مرتبطة بالسمعة الدولية.
وأضافت أنه في المقابل، ورغم رفع ميزانية الصحة والتعليم في 2026 إلى حوالي 140 مليار درهم، فإن هذا الارتفاع جاء بعد ضغط اجتماعي واسع، ولا تزال نتائجه محدودة على أرض الواقع. فالمستشفيات العمومية تعاني من نقص حاد في الأطباء والمعدات، خصوصاً في المناطق البعيدة، وهو ما أطلق احتجاجات متكررة. ويُضاف إلى حجم الميزانية طبيعة توزيعها ونجاعة صرفها، في مقابل سخاء واضح حين يتعلق الأمر بالمشاريع الرمزية.
وأبرزت أن أكثر من 20 مليار درهم خُصصت لتجهيز الملاعب استعدادا للبطولات الدولية، في حين لم تتجاوز المساعدات الرسمية لإعادة بناء منازل متضررة من زلزال مدمر 4.6 مليار درهم. هذا الفرق لا يعكس فقط خللا ماليا، بل يكشف تصورا لما يُعتبر أولوية استثمارية، لافتة إلى أن المغرب خصص حوالي 52.5% من ميزانيته العامة سنة 2024 لمشاريع البنية التحتية الكبرى: النقل والملاعب والموانئ والتجهيزات المرتبطة بالفعاليات الدولية، ما وضعه في صدارة الدول العربية في هذا المجال. رغم ذلك، لا ينعكس هذا الإنفاق الضخم على جودة الطرق المحلية، ولا على شبكات الصرف الصحي، ولا على الخدمات الصحية والتعليمية اليومية، وهو ما يُثير سؤال الجدوى الاجتماعية لهذا “النموذج التنموي” الاستثماري.
المصدر:
لكم