آخر الأخبار

المغرب بين رهانات التنمية الترابية وحُمَّى السياسة الانتخابية: لحظة وطنية على إيقاع كأس إفريقيا

شارك

د. جمال العزيز

يعيش المغرب اليوم مرحلة دقيقة تتقاطع فيها رهانات السياسة العمومية مع التحولات الإقتصادية والإجتماعية ،في سياق وطني وإقليمي، يتسم بتسارع الأحداث وتعدد الإنتظارات. وفي قلب هذه اللحظة يبرز تنظيم كأس إفريقيا بالمغرب كحدث جامع لا يقتصر أثره على البعد الرياضي ،بل يمتد ليعكس صورة دولة مستقرة طموحة وقادرة على تدبير الأوراش الكبرى ،في وقت تستعد فيه الساحة السياسية لدخول مرحلة جديدة ،ستتسم بلا شك بعودة قوية لحُمَّى التنافس الإنتخابي ،مباشرة بعد إسدال الستار على العرس الإفريقي.

سياسيا ،يواصل المغرب نهجه القائم على الإستقرار والإصلاح المتدرج في ظل رؤية ملكية واضحة تجعل من التنمية الشاملة والعدالة الإجتماعية أولوية استراتيجية. غير أن هذه المرحلة تطرح تحديات حقيقية ،خاصة في ظل انشغال عدد من الأحزاب السياسية بتعزيز التواجد السياسي والإستعداد المبكر للإستحقاقات المقبلة ،أكثر من الإنكباب الجاد على تقييم السياسات العمومية واقتراح بدائل واقعية تستجيب لانشغالات المواطن اليومية.

اقتصاديا ،ورغم الإكراهات المرتبطة بالظرفية الدولية وارتفاع كلفة المعيشة ،فإن المغرب يواصل تنزيل أوراش بنيوية كبرى في مقدمتها تعميم الحماية الإجتماعية ،ودعم الإستثمار وتثمين القطاعات الواعدة. غير ان التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إطلاق البرامج ،بل في ضمان أثرها الملموس على مستوى التشغيل وتقليص الفوارق وتحسين جودة الحياة.

وفي هذا الإطار يبرُز الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة كتوجه استراتيجي جديد، يروم تحقيق العدالة المجالية عبر الإنتقال من المقاربات القطاعية الضيقة، إلى رؤية شمولية تجعل من التراب وحدة أساسية للتخطيط والتنفيذ. فهذه البرامج تسعى الى تثمين الخصوصيات المحلية وربط التنمية الإقتصادية بالإدماج الإجتماعي وتوجيه الإستثمار العمومي ، وفق منطق الإلتقائية والنجاعة.

وتتحمل المجالس الترابية بمختلف مستوياتها مسؤولية محورية ، في إنجاح هذا الورش ، باعتبارها الفاعل الأقرب إلى المواطن لتشخيص حاجياته الحقيقية . غير أن هذا الدور يظل مشروطا بتعزيز الحكامة المحلية وتطوير آليات التخطيط والتمويل ،وتجاوز منطق التدبير اليومي ، وتفعيل الرؤية والإستشراف. كما يفرض هذا السياق إعادة الإعتبار للعمل الجماعي داخل المجالس ، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بعيدا عن الحسابات الإنتخابية الضيقة.

وتأتي هذه الدينامية في ظرفية خاصة تتزامن مع نهاية السنة التشريعية، وهي محطة تفرض وقفة تقييم هادئة ومسؤولة ليس فقط لحصيلة النصوص والمشاريع، بل لمدى انسجامها مع انتظارات المواطن ،وقدرتها على تقليص الفوارق المجالية والإجتماعية. وهي أيضا لحظة مناسبة لإعادة ترتيب الأولويات ،قبل أن تطغى الحسابات الإنتخابية على النقاش العمومي.

ويزداد هذا التحدي حدة، إذا ما استحضرنا أن حُمَّى الإنتخابات ستشتعل مباشرة بعد نهاية كأس افريقيا ،حيث ستتحول بوصلة عدد من الأحزاب ،من تدبير اللحظة الوطنية واستثمار الزخم الإيجابي الذي يخلقه هذا الحدث القاري إلى منطق التموقع السياسي المبكر وتكثيف الخطاب الإنتخابي. وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام، حول قدرة الفاعل الحزبي على التوفيق بين منطق الإستحقاق الإنتخابي ، ومتطلبات الإستمرارية في تنزيل أوراش التنمية الترابية المندمجة، بعيدا عن الشعبوية وتغليب الحسابات الضيقة.

أما تنظيم كأس إفريقيا، فيمثل فرصة استثنائية لتعزيز الثقة الجماعية وتنشيط الإقتصاد المحلي ، وتكريس صورة المغرب كقوة إقليمية ناعمة. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في لحظة التنظيم فقط، بل فيما بعدها ،حين يصبح مطلوبا تحويل النجاح الرياضي والدبلوماسي إلى مكتسبات تنموية دائمة تخدم المواطن وتعزز الثقة في المؤسسات.

إن المغرب اليوم، في حاجة إلى خطاب سياسي مسؤول ،وحكومة فعالة، ومعارضة بناءة ،ومجالس ترابية قوية ،قادرة على جعل التنمية أولوية فعلية . فالتحديات كبيرة لكن الفرص أكبر والرهان الحقيقي يكمن في استثمار هذه اللحظة الوطنية لبناء مغرب أكثر عدالة و نجاعة و أكثر ثقة في مستقبله.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا