كشفت مذكرة حديثة صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، استنادا إلى نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، عن استمرار التفاوتات الديمغرافية الجهوية بالمغرب، خاصة في ما يتعلق بتركيبة السكان حسب السن، مع بروز فروقات لافتة في توزيع الأشخاص المسنين حسب الجهات، والنوع الاجتماعي، والوضعية العائلية، وأنماط العيش داخل الأسر.
وأوضحت المندوبية أن تحليل بنية السكان المسنين يبرز وجود ثلاث فئات رئيسية من الجهات، وفق الوزن الديمغرافي للأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق. وتضم الفئة الأولى الجهات التي تسجل نسباً مرتفعة من المسنين، وفي مقدمتها جهة الشرق وجهة بني ملال-خنيفرة. في المقابل، تضم الفئة الثانية الجهات ذات النسب المنخفضة، وعلى رأسها جهة العيون-الساقية الحمراء وجهة الداخلة-وادي الذهب. أما الفئة الثالثة، وهي الأوسع، فتشمل غالبية الجهات التي تقترب فيها نسبة المسنين من المعدل الوطني، من بينها فاس-مكناس، سوس-ماسة، كلميم-واد نون، الرباط-سلا-القنيطرة، درعة-تافيلالت، الدار البيضاء-سطات، مراكش-آسفي، وطنجة-تطوان-الحسيمة.
وأكدت المندوبية أن هذه الخريطة الجهوية للشيخوخة الديمغرافية ظلت مستقرة نسبيا بين سنتي 2014 و2024، رغم تغير ترتيب بعض الجهات داخل كل فئة، وهو ما يعكس استمرارية الفوارق المجالية في التحول الديمغرافي.
وأظهرت المعطيات أن الوزن الديمغرافي للمسنين عرف ارتفاعا ملحوظا في جميع الجهات خلال العقدين الأخيرين. فبين سنتي 2004 و2024، ارتفعت نسبة الأشخاص المسنين على الصعيد الوطني من 8 في المائة إلى 13,8 في المائة. وسجلت جهة الشرق أعلى نسبة سنة 2024 بـ16,1 في المائة، تليها جهة بني ملال-خنيفرة بـ15,2 في المائة، ثم فاس-مكناس بـ14,5 في المائة. في المقابل، ظلت النسب ضعيفة نسبيا في الجهات الجنوبية، حيث لم تتجاوز 8,6 في المائة بجهة العيون-الساقية الحمراء و4,8 في المائة بجهة الداخلة-وادي الذهب.
وعلى مستوى البنية العمرية، كشفت المذكرة أن فئة المسنين بالمغرب يغلب عليها ما يسمى بـ«الشيوخ الشباب»، أي الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 60 و64 سنة، بنسبة 34 في المائة، يليهم الأشخاص بين 65 و69 سنة بنسبة 24,9 في المائة. فيما تمثل الفئة العمرية 70-74 سنة حوالي 18,7 في المائة، و75-79 سنة 9,6 في المائة، بينما تشكل فئة 80 سنة فما فوق نسبة 12,9 في المائة من مجموع المسنين. وأرجعت المندوبية هذا الارتفاع النسبي لفئة المسنين المتقدمين في السن إلى احتمال المبالغة في التصريح بالعمر بالنسبة للأجيال المولودة قبل تعميم نظام الحالة المدنية، أو إلى ارتفاع الخصوبة خلال تلك الفترات.
وعلى مستوى النوع الاجتماعي، أكدت المندوبية استمرار ظاهرة “تأنيث الشيخوخة” بالمغرب، حيث تسجل النساء حضورا عدديا أكبر ضمن فئة المسنين، نتيجة تفوقهن في متوسط العمر المتوقع. وأظهرت معطيات إحصاء 2024 أن نسبة الذكور لا تتجاوز 95,1 رجلا لكل 100 امرأة مسنة. ويزداد هذا الخلل مع التقدم في السن، إذ تصبح النساء أغلبية ابتداءً من سن 65 سنة، لينخفض مؤشر الذكورة إلى 78 رجلا فقط لكل 100 امرأة ضمن فئة 80 سنة فما فوق.
غير أن هذا التفوق العددي للنساء لا ينعكس دائماً في ظروف عيش أفضل، إذ أبرزت المذكرة أن عددا كبيرا من النساء المسنات يعشن أوضاعا اجتماعية واقتصادية هشة، خاصة بسبب الترمل، والعيش بمفردهن، وضعف الموارد المالية، نتيجة مسارات مهنية غير مكتملة أو مشاركة محدودة في سوق الشغل.
وسجلت المعطيات تفاوتات جهوية واضحة في توزيع المسنين حسب الجنس. ففي جهة الشرق، بلغ مؤشر الذكورة 90,1 في المائة، ما يعكس هيمنة عددية للنساء، في حين سجلت جهة الداخلة-وادي الذهب أعلى مؤشر ذكورة بـ146,2 في المائة، ما يشير إلى حضور أكبر للرجال، وهو ما عزته المندوبية إلى خصوصيات الهجرة بهذه المناطق.
وبخصوص الوضعية الزوجية، كشفت نتائج الإحصاء أن 95,7 في المائة من الأشخاص المسنين تزوجوا مرة واحدة على الأقل خلال حياتهم. ويبلغ معدل الزواج الحالي 70,8 في المائة، مع تفاوت كبير بين الجنسين، حيث لا تزال 90,5 في المائة من الرجال المسنين متزوجين، مقابل 52,1 في المائة فقط من النساء. في المقابل، يهم الترمل 21,3 في المائة من المسنين، وتبلغ نسبته 37,6 في المائة لدى النساء مقابل 4,1 في المائة فقط لدى الرجال، وهو ما يعكس هشاشة أكبر في المسارات الحياتية للنساء المتقدمات في السن.
وأشارت المذكرة إلى أن نسبة النساء المسنات العازبات أو المطلقات عرفت ارتفاعا ملحوظا خلال العقد الأخير، منتقلة من 5,4 في المائة سنة 2014 إلى 10,2 في المائة سنة 2024، وهو ما يعكس تحولات اجتماعية متسارعة تؤثر على الاستقرار الأسري والاقتصادي لهذه الفئة.
وعلى مستوى العيش الأسري، أظهرت المعطيات أن الغالبية الساحقة من المسنين بالمغرب يعيشون داخل محيط عائلي. فحوالي 84 في المائة منهم يقيمون في أسر يقودها أشخاص من نفس الفئة العمرية، إما كرؤساء أسر أو أزواج أو آباء لرؤساء الأسر. كما أن حوالي 9 في المائة من المسنين يعيشون بمفردهم، مع تسجيل عزلة أكبر لدى النساء بنسبة 12,5 في المائة مقابل 5,2 في المائة لدى الرجال، وهي ظاهرة أكثر وضوحاً في الوسط الحضري.
وفي ما يتعلق بحجم ونوع الأسر، أبرزت المندوبية أن قرابة نصف المسنين يعيشون داخل أسر مكونة من أربعة أفراد أو أكثر، خاصة في الوسط القروي، حيث تظل الروابط العائلية والتضامن بين الأجيال أكثر قوة. كما تشكل الأسر المركبة، التي تضم عدة أجيال، النمط السائد لعيش المسنين بنسبة 41,7 في المائة، خصوصاً في المناطق القروية.
وخلصت المندوبية السامية للتخطيط إلى أن هذه المعطيات تكشف عن دور محوري للأسرة في رعاية الأشخاص المسنين بالمغرب، لكنها في الوقت ذاته تسلط الضوء على تحديات متزايدة، من أبرزها تنامي العزلة في الوسط الحضري، والهشاشة الاجتماعية والاقتصادية التي تعانيها النساء المسنات، ما يستدعي تعزيز السياسات العمومية الموجهة لهذه الفئة، وتقوية آليات الدعم الاجتماعي، في انسجام مع التحولات الديمغرافية والبنيوية التي يعرفها المجتمع المغربي.
المصدر:
العمق