235 لاعبا في 20 عاما.. سر هوس البريميرليغ بمواهب الدوري الفرنسي
لم تعد فرنسا بالنسبة إلى أندية البريميرليغ مجرد سوق غنية بالمواهب، بل تحولت إلى ما يشبه المصنع المثالي لاحتياجات الكرة الإنجليزية: لاعب شاب، مكون فنيا، جاهز بدنيا وتكتيكيا، يملك خبرة مبكرة مع الفريق الأول، ويمكن التعاقد معه بكلفة تقل غالبا عن نظيره في بقية الدوريات الأوروبية الكبرى.
هذه المعادلة تفسر سباق الأندية الإنجليزية المتزايد على المواهب القادمة من الدوري الفرنسي، مع نجاح أسماء مثل رايان شيركي في مانشستر سيتي، وجيريمي جاكيه في ليفربول، ومامادو سانغاري في برينتفورد.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 نجوم السيتي في المزاد.. كيف تهدد العقوبة سوق انتقالات أوروبا؟
* list 2 of 2 رسائل مؤثرة في وداع ميسي end of list
حيث انتقل 21 لاعبا من الدوري الفرنسي إلى البريميرليغ خلال عام 2026، محطما الرقم القياسي السابق البالغ 17 لاعبا في 2025، وفقا لبحث أجرته صحيفة "ليكيب" الفرنسية.
وتكشف أرقام ليكيب أن الأمر يتجاوز موجة انتقالات عابرة، إذ اشترت أندية البريميرليغ 235 لاعبا من الدوري الفرنسي خلال 20 عاما، ودفعت مقابلهم قرابة 5 مليارات يورو.
وخلف هذه الأرقام منظومة تجمع بين جودة التكوين والجاهزية البدنية والخبرة الاحترافية المبكرة والأسعار الجذابة، في وقت تدفع فيه الأزمة المالية الأندية الفرنسية إلى الاعتماد بصورة متزايدة على تطوير المواهب وبيعها.
صناعة المواهب
تبدأ جاذبية السوق الفرنسية من منظومة تكوين اللاعبين، حيث يحصل الناشئون على تعليم فني مكثف منذ سن مبكرة.
وفي أكاديميات الأندية ومراكز التكوين، وفي مقدمتها مركز كليرفونتين الشهير، تعتمد عملية التطوير على التكرار المستمر للتدريبات الفنية وصقل المهارات الفردية.
مصدر الصورة
وقال كشاف يعمل لصالح أحد أندية شمال إنجلترا إن اللاعبين في فرنسا يكررون التدريبات التقنية يوميا بين سن 13 و16 عاما، معتبرا أن الجمع بين المهارة والقوة البدنية يجعلهم أكثر استعدادا لمتطلبات البريميرليغ.
ولا يقتصر التكوين على الجانب الفني، إذ تعد فرق فرنسية عديدة خططها وفقا لطريقة لعب المنافس، مما يفرض على اللاعبين تعلم أدوار مختلفة والتكيف مع متطلبات المباريات.
ويرى كشاف في أحد أندية البريميرليغ أن هذه البيئة تمنح القادمين من فرنسا وعيا تكتيكيا يسهل انتقالهم إلى الكرة الإنجليزية.
ولا تعكس صورة الدوري الفرنسي بوصفه مسابقة يغلب عليها التحفظ التكتيكي الواقع كاملا، إذ بلغ متوسط الأهداف خلال المواسم الخمسة الماضية 2.82 هدف في المباراة، وهو ثالث أعلى معدل بين الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى، خلف الدوري الألماني (3.18) والبريميرليغ (2.93)، ويأتي متقدما على الدوري الإيطالي (2.61) والإسباني (2.59).
جاهزية بدنية
إلى جانب التكوين الفني والتكتيكي، تساعد طبيعة المنافسة في فرنسا على إعداد اللاعبين بدنيا قبل انتقالهم إلى إنجلترا.
فوفقا لبيانات "أوبتا" عن موسم 2025-2026، تجاوز متوسط التدخلات في الدوري الفرنسي 18 تدخلا لكل فريق خلال 90 دقيقة، مقابل ما بين 15 و16 في الدوري الإنجليزي والألماني والإسباني والإيطالي.
مصدر الصورة
كما أظهرت بيانات "جينيوس سبورتس" أن فرق الدوري الفرنسي قطعت في الموسم الماضي 77.32 كيلومترا في المتوسط خلال المباراة، مقابل 70.55 كيلومترا في البريميرليغ.
وقال جيمس يونغ، مدير الشراكات الرياضية في الشركة، إن الأعباء البدنية في الدوري الفرنسي تتجاوز نظيرتها الإنجليزية في بعض المؤشرات، مما يساعد اللاعبين الشباب على الوصول إلى البريميرليغ أكثر استعدادا لمتطلباته.
الأزمة تفتح الباب للشباب
إذا كانت منظومة التكوين تفسر نوعية اللاعبين الذين تنتجهم فرنسا، فإن الأزمة الاقتصادية تساعد في تفسير حصولهم على خبرة احترافية مبكرة.
فقد عانت الأندية خلال السنوات الأخيرة أزمة طويلة في حقوق البث، تفاقمت بعد تعثر "ميديابرو"، الناقل الرئيسي للدوري آنذاك، وعدم قدرته على الوفاء بالتزاماته المالية عام 2020، قبل فسخ الاتفاق واستعادة رابطة الدوري للحقوق.
وبعد سلسلة من الاتفاقات التي لم توفر العائدات المأمولة، أطلقت رابطة الدوري الفرنسي منصتها الخاصة "ليغ 1 بلس"، التي تبث جميع مباريات المسابقة في موسم 2026-2027.
ومع استمرار الضغوط المالية، تشير تقديرات شركة "إل إف بي ميديا"، الذراع التجارية لرابطة الدوري الفرنسي، التي نقلتها الصحافة الفرنسية إلى أن صافي عائدات البث المخصصة لأندية الدوري في موسم 2026-2027 سيبلغ نحو 184.1 مليون يورو.
ودفع تراجع الإيرادات الأندية إلى زيادة اعتمادها على بيع اللاعبين، وهو ما عزز الحاجة إلى تطوير مواهب شابة قابلة للتسويق ومنحها فرصة المشاركة مع الفريق الأول مبكرا.
مصدر الصورة
وهكذا يحصل لاعبون في سن 17 و18 و19 عاما على خبرة منتظمة في كرة القدم الاحترافية، في وقت قد يكتفي فيه لاعب بالعمر نفسه في البريميرليغ بدقائق محدودة.
ويرى جيمس يونغ مدير الشراكات الرياضية في شركة (جينيوس سبورتس)، أن اللعب مع الفريق الأول في سن مبكرة من أهم عوامل تطور اللاعب، وهو ما يجعل القادم من فرنسا يدخل سوق الانتقالات صغير السن وقابلا للتطور، لكنه يملك في الوقت نفسه خبرة ونضجا أكبر من كثير من أقرانه.
قلوب الدفاع في الصدارة
يظهر أثر هذا المزيج من التكوين والخبرة المبكرة بوضوح في مركز قلب الدفاع، الأكثر طلبا بين أندية البريميرليغ المتجهة إلى السوق الفرنسية.
فوفقا لبيانات أوردتها "ذا أثلتيك"، انتقل 11 قلب دفاع من الدوري الفرنسي إلى البريميرليغ خلال العامين الأخيرين، بمتوسط عمر يقارب 22 عاما.
وتضم القائمة جيريمي جاكيه من رين إلى ليفربول، وعبد القادر خوسانوف من لانس إلى مانشستر سيتي، وليني يورو من ليل إلى مانشستر يونايتد.
مصدر الصورة
ويجمع هؤلاء بين الجاهزية البدنية والقدرة على التعامل مع الكرة تحت الضغط رغم صغر سنهم، وهي مواصفات تزيد جاذبيتهم لدى الأندية الإنجليزية.
أسعار أكثر جاذبية
الجاهزية وصغر السن لا يمثلان وحدهما سر الإقبال الإنجليزي، إذ تتمتع السوق الفرنسية بميزة أخرى تتعلق بالكلفة.
وبحسب بحث ليكيب، بلغ متوسط تكلفة اللاعب المنتقل من الدوري الفرنسي إلى البريميرليغ منذ عام 2006 نحو 19.7 مليون يورو، مقابل 29.5 مليونا للقادم من الدوري الألماني، و27 مليونا من الدوري الإسباني، و25.3 مليونا من الدوري الإيطالي.
مصدر الصورة
وتزيد مستويات الأجور الأقل في معظم الأندية الفرنسية من جاذبية السوق، إذ تستطيع الفرق الإنجليزية تقديم زيادة كبيرة للاعب من دون أن يصل راتبه بالضرورة إلى مستويات أجور عدد من لاعبيها الأساسيين.
ومن الأمثلة الحديثة المالي مامادو سانغاري، الذي انتقل من لانس إلى برينتفورد مقابل نحو 48 مليون يورو، في أغلى صفقة شراء بتاريخ النادي الإنجليزي وأكبر عملية بيع في تاريخ لانس.
وفي المقابل، دفع مانشستر سيتي 36.5 مليون يورو قيمة أولية للتعاقد مع رايان شيركي من ليون، وقد ترتفع قيمة الصفقة إلى 42.5 مليون يورو مع المكافآت.
رايان شيركي لاعب مانشستر سيتي 2026 (رويترز)سباق يبدأ مبكرا
ومع اجتماع التكوين والخبرة المبكرة والجاهزية البدنية والكلفة القليلة، أصبح نجاح القادمين من فرنسا يغذي موجة جديدة من المنافسة بين الأندية الإنجليزية.
ووصف أحد كشافي البريميرليغ هذا التنافس بأنه أشبه بـ"سباق تسلح"، كاشفا أن ناديه يسعى إلى متابعة أي لاعب يبلغ 16 عاما ويبدأ الظهور بمستوى لافت في فرنسا.
منتخب فرنسا تحت 19 عاما 2024 (غيتي)ولا تنتظر الأندية حتى يثبت اللاعب نفسه لعدة مواسم، بل قد تتحرك لضمه بعد أشهر من ظهوره الأول، خشية ارتفاع قيمته أو انتقاله إلى منافس آخر.
كما تغيرت طموحات اللاعبين أنفسهم، إذ يقول أحد الكشافين إن كثيرا من الناشئين في فرنسا بعمر 14 أو 15 عاما أصبحوا ينظرون إلى البريميرليغ باعتباره هدفهم المستقبلي.
ولهذا لم يعد السؤال بالنسبة إلى أندية البريميرليغ عما إذا كانت فرنسا ستنتج الموهبة المقبلة، بل أي ناد سيصل إليها أولا.