بعد أشهر من الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية جنوبي البلاد، علقت حكومة الرئيس مسعود بزشكيان -مؤقتا- رسوما تبلغ 10% على سفن الشحن الأجنبية التي تنقل النفط والغاز والمنتجات البترولية السائلة من وإلى إيران، مما يرسم علامة استفهام عن أسباب القرار، وعلاقته بعملية "المنبوذ الاقتصادي" التي أطلقتها واشنطن مؤخرا لقطع شرايين الاقتصاد الإيراني؟
القرار الذي صدر الخميس الماضي بأمر من مجيد أنصاري نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية، لم يعلن بشكل مفاجئ، إذ جاء استجابة لطلب من أمانة "لجنة دعم الأعمال" التابعة لغرفة إيران للتجارة و"نظرا لظروف الأسطول البحري الداخلي ولدعم صادرات المنتجات الإيرانية، وإلى حين إقرار قائمة الجهات المشمولة التي يتعين أن تحصل على موافقة المجلس الوزاري".
وعلى ضوء تزايد كلفة التأمين البحري ونفقات الشحن إلى مستويات غير مسبوقة جراء تبادل الجانبين الإيراني والأمريكي استهداف الناقلات بالمياه الخليجية، يقرأ مراقبون بطهران تعليق الرسوم على السفن الأجنبية كونها خطوة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، في حين يبقى السؤال متداولا في الأوساط الداخلية: هل تكفي هذه الخطوة لإعادة الثقة إلى شركات الشحن الدولية؟
من ناحيته، يرى الباحث الجيواقتصادي مهدي عرب صادق أن "تعليق رسوم 10% يجب أن يقرأ في إطار هندسة النفقات التي تلجأ إليها طهران عندما تكون المواجهة العسكرية مفتوحة" مشيرا إلى أن "مضيق هرمز الذي كان يعبره نحو 25% من تجارة النفط البحرية العالمية ونحو 20% من الغاز الطبيعي المسال تحول إلى عنق زجاجة تراجعت فيه حركة العبور إلى 7 ناقلات فقط في بعض الأيام، كما انخفضت الصادرات الإقليمية من النفط الخام إلى النصف تقريبا خلال الفترة الأخيرة".
وفي حديثه للجزيرة نت، يوضح عرب صادق أن "تعليق تحصيل الرسوم ليس مجرد قرار ضريبي، بل هو رسالة اقتصادية واضحة لشركات الشحن مفادها: نخفف كلفة البقاء في السوق رغم المخاطر".
لكن الباحث سرعان ما ينبه إلى محدودية هذا الإجراء، بالقول "10% من أجور النقل، مقابل العقوبات المصرفية وقيود الوصول إلى النظام المالي الدولي، رقم ليس كبيرا وطالما أن عائدات الصادرات الإيرانية لا تعود إلى الداخل عبر القنوات المصرفية، فإن هذا التخفيض يبقى تكتيك بقاء وليس حلا جذريا".
ويتابع المتحدث نفسه محذرا "إغلاق آبار وحقول النفط الإيرانية لفترة طويلة قد يقضي على جزء من طاقة البلاد الإنتاجية بعد انتهاء الحرب وحتى إلى فترات أطول قد تصل إلى الأبد، مما يعني أن الأضرار الاقتصادية ليست مؤقتة، بل قد تتحول إلى جرح بنيوي في قدرة البلاد الإنتاجية".
وفي سياق قراءته للقرار الإيراني، يلفت عرب صادق إلى أن "المستهلك الإيراني لن يرى أثرا مباشرا وملموسا لهذا القرار، لأن أسعار الوقود الداخلي لا تزال محددة حكوميا، ولا علاقة لها بكلفة النقل العالمية".
لكن، إذا كان تعليق تحصيل الرسوم يكشف عن محاولة طهران لإنقاذ شرايين التصدير ومواجهة عملية "المنبوذ الاقتصادي" كما يذهب إليه الباحث الجيواقتصادي عرب صادق، فإن مراقبين بالداخل الإيراني يثيرون تساؤلا ملحا يتعلق بالأثر العملي لهذه الخطوة على الاقتصاد الكلي، وعما إذا كان القرار قادرا على إعادة الحياة إلى قطاع النقل الوطني المتضرر جراء الهجمات الأمريكية بالمياه الخليجية؟
من جانبه، يرى مدير "معهد العلاقات الدولية" مجيد زواري أن "الهدف من وراء تعليق الرسوم يمكن أن يكون إجراء عمليا لتخفيف النفقات اللوجستية لصادرات إيران من الطاقة وحث السفن الأجنبية على القيام بذلك على ضوء تضرر عدد من الناقلات الإيرانية، وكذلك تقليل المخاطر على الناقلات التي تعتبر طهران الوصول إليها في المياه الدولية أمرا ممكنا في ظل الحصار البحري".
وفي حديث للجزيرة نت، يعتبر الباحث الإيراني أن إبقاء هذه الرسوم في ظل التطورات الجارية يثقل كاهل الصادرات الإيرانية لأنها تشكل عقوبات ذاتية ضد المصدّر الإيراني وتقضي على قدرته التنافسية، مضيفا أن "تعليقها يرسل إشارة إلى المتعاونين مع طهران بخفض التكاليف، مما يمنح المصدرين مرونة أكبر في اختيار أسطول النقل وبالتالي تسهيل تصدير الطاقة الإيرانية".
وعلى الرغم من أن القرار يهدف -وفق زواري- إلى تقليص نفقات تصدير الطاقة الإيرانية، إلا أنه قد لا يعود بالنفع السريع على المواطن الإيراني لكن هذا لا يعني أنه بمعزل عن تداعيات الأزمة، موضحا أن استمرار الحصار البحري سيبقي الضغط الأمريكي مستمرا على سعر الصرف في الداخل الإيراني وتراجع قيمة عملتها الوطنية، وبالتالي ارتفاع تكاليف الواردات وتقليص فرص العمل المرتبطة بالتجارة البحرية والإخلال بعودة عوائد البلاد من العملة الصعبة.
لكن الخطوة هذه لا تشير عمليا إلى تحسين شروط التصدير ولا تغير معادلة الأمن البحري في المنطقة التي تشتعل فيها المواجهات، وفق تعبير زواري الذي يؤكد أن كلفة الحرب على الناقلات لا يمكن تجاوزها بقرارات إدارية لاسيما في ظل تبادل القصف بين الخصمين في المياه الخليجية.
من جانبه، يقدم الدبلوماسي السابق فريدون مجلسي قراءة أكثر تشككا حيث يعبر عن اعتقاده بأن "تعليق الرسوم لن يكون كافيا لترغيب السفن في المخاطرة بالقدوم إلى الشواطئ الإيرانية في ظل ظروف الحرب المتواصلة" مضيفا أنه "طالما ظروف الحرب المزمنة متواصلة فإن تداعياتها وكذلك الظروف الناجمة عن انعدام الأمن البحري ستكون أوسع بكثير من نتائج تعليق الرسوم بشكل مؤقت".
وفي حديث للجزيرة نت، يضيف مجلسي أن "الحصار البحري والضغط الاقتصادي مؤلمان بالنسبة لطهران" مؤكدا أن قرار تعليق الرسوم على السفن الأجنبية ليس بعيدا عن اضطراب دخول العملة الصعبة للداخل الإيراني، لكنه يستبعد أن تكون لهذا القرار جدوى في زيادة تدفق العملة الصعبة إلى طهران.
ويوضح الدبلوماسي الإيراني السابق أن "الأولوية في الظروف الراهنة ليست لتعليق الرسوم على السفن الأجنبية، بل لإنهاء حالة الحرب المزمنة التي تجعل أي إجراء اقتصادي بلا جدوى" داعيا إلى تجاوب أكبر مع المبادرات الإقليمية لوضع حد للصراع في المنطقة.
وخلص مجلسي إلى أن استمرار الحرب لا يهدد إيران وحدها، بل يقوض مبدأ حرية الملاحة في الممرات الإقليمية الذي تقوم عليه تجارة الطاقة العالمية، مشددا على أن "إنهاء التوتر لا يمكن أن يتحقق عبر إجراءات اقتصادية جزئية، بل يتطلب مبادرة سياسية إقليمية شاملة تتعامل مع جذور الأزمة" بما يبرز الحاجة الملحة إلى تفعيل قنوات الوساطة الإقليمية لإنقاذ المنطقة من الحرب.
وختاما يبقى السؤال معلقا: هل سيشكل تعليق طهران تحصيل الرسوم على السفن الأجنبية بداية لمراجعة أوسع لإستراتيجية المواجهة الاقتصادية في المياه الخليجية أم أنه مجرد خطوة تكتيكية في سياق معركة استنزاف طويلة الأمد؟ الإجابة قد تعتمد على استعداد أطراف الأزمة لتقديم خطوات قابلة للقياس من أجل خفض التوتر.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة