آخر الأخبار

حين تفتي الآلة… دراسة تختبر الذكاء الاصطناعي في 30 مسألة شرعية

شارك

هل يمكن لبرنامج ذكاء اصطناعي أن يكون مفتيًا؟ وإذا جاءت إجابته صحيحة، فهل يعني ذلك أنه مارس الإفتاء فعلًا، أم أنه أنتج نصًا يشبه الفتوى؟

وماذا يحدث عندما يقدم جوابًا جازمًا، بلغة واثقة، بينما يكون الحكم الذي ينطق به بلا أصل أو مخالفًا لما استقر عليه الفقه؟

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 12 عاما من الحرب.. . كيف تنتقل هشاشة اليمن من جيل إلى آخر؟
* list 2 of 2 لماذا يتصاعد القلق الإسرائيلي من تركيا؟ end of list

هذه الأسئلة تضعها في قلب النقاش رسالة ماجستير للباحث عمر عامر بعنوان "الإفتاء الآلي بين النظر الشرعي وتحديات التلقي البشري: دراسة تحليلية نقدية في عصر الذكاء الاصطناعي"، مقدمة إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية – شعبة الفقه وأصوله بجامعة أفريقيا الفرنسية العربية، بجمهورية مالي.

لا تتعامل الدراسة مع الذكاء الاصطناعي باعتباره خطرًا ينبغي إبعاده عن المجال الديني، ولا باعتباره بديلًا جاهزًا للعلماء، وإنما تنطلق من واقع أصبح فيه الحصول على جواب ديني لا يحتاج إلى الوصول إلى مفتٍ أو مؤسسة دينية؛ يكفي أن يكتب المستخدم سؤاله في إحدى منصات الذكاء الاصطناعي، ليحصل خلال ثوان على إجابة مكتملة الصياغة، تبدو أحيانًا أكثر ثقة وحسمًا من إجابة بشرية.

وهنا تحدد الرسالة مشكلتها: هل يمكن إسناد مهمة الفتوى إلى الذكاء الاصطناعي؟ وما حدود الاعتماد عليه؟ وكيف يمكن استخدامه أداة مساعدة دون أن تنتقل إليه السلطة الدينية نفسها؟ وتضع إلى جوار هذه الأسئلة سؤالًا آخر يتعلق بما تسميه الفارق بين "الاستفتاء البشري"، الذي يستوعب السياق والمآلات وحال السائل، و"البحث الآلي"، الذي يقوم على التوليد الاحتمالي للنص.

وتعتمد الدراسة على مناهج تحليلية ونقدية واستشرافية/مقاصدية؛ فتعود أولًا إلى شروط الفتوى والمفتي في الفقه وأصوله، ثم تفكك طبيعة عمل النماذج الذكية، قبل أن تنتقل إلى التطبيق العملي، حيث تعرض 30 سؤالًا للفتوى على نماذج من الذكاء الاصطناعي، وتقارن مخرجاتها بالمصادر والأحكام والمرجعيات الفقهية.

من أكثر الأمثلة لفتًا للنظر سؤال: "ما حكم المسح على الجوارب؟"

"مادة مضادة للبكتيريا" للمسح على الجوارب!

الجزء الأكثر إثارة في الدراسة هو الاختبار العملي، إذ تكشف بعض الإجابات عن فجوة كبيرة بين قدرة النموذج على صياغة كلام يبدو مقنعًا وبين امتلاكه معرفة فقهية منضبطة.

إعلان

ومن أكثر الأمثلة لفتًا للنظر سؤال: "ما حكم المسح على الجوارب؟". جاء جواب أحد نماذج GPT-3.5 Turbo Instruct بأنه يجوز المسح عليها، لكنه أضاف أنه "ينصح باستخدام مادة مضادة للبكتيريا"، ثم انتقل إلى عبارة أخرى عن جواز أن "تجمع المرأة الجوارب بعد الصلاة سواء كانت محجبة أو لا". وهي إضافات لا علاقة لها أصلًا بالمسألة الفقهية المطروحة.

وتقابل الدراسة ذلك بالخلاف الفقهي المعروف حول إلحاق الجورب بالخف وشروطه عند المذاهب، لتخلص إلى أن النموذج لم يخطئ فقط في التفصيل، وإنما أقحم مفاهيم طبية واجتماعية لا تمت إلى الحكم بصلة، وقدم عبارات لا تحمل معنى فقهيًا محددًا.

ولم يكن المثال منفردًا. فعندما سئل النموذج عن جمع الصلاة بسبب المطر، أجاب بعدم الجواز إلا في حالات معينة، وذكر بينها "السفر والحضانة".

وهنا تصبح "الحضانة"، وهي من أبواب الأحوال الشخصية، سببًا لجمع الصلاة في جواب أنتجته الآلة، بينما تعرض الدراسة مذاهب الفقهاء في الجمع للمطر وشروط المشقة والمطر والوحل، وترى في إدخال "الحضانة" مثالًا واضحًا على الخلط بين أبواب الفقه.

وتتكرر الظاهرة في سؤال عن رضاع الكبير؛ إذ أجاب النموذج: "نعم يجوز"، وربط ذلك بعبارات تتصل بـ"النوم والقبل والرعاية".

وفي المقابل تستعرض الدراسة موقف جمهور الفقهاء من عدم ثبوت التحريم برضاع الكبير، والخلاف المتعلق بواقعة سالم مولى أبي حذيفة، ثم تعتبر العبارات التي أدخلها النموذج معايير لا وجود لها في البناء الفقهي للمسألة.

واللافت أن الرسالة لا تستخدم هذه الأمثلة لإثبات أن الذكاء الاصطناعي يخطئ دائمًا؛ فهي تسجل له في مواضع أخرى إجابات صحيحة إجمالًا، بل وترصد ضمن نقاط قوته سرعة الاستجابة، والتغطية العامة الجيدة لبعض المسائل المعاصرة، والإشارة إلى مواطن الخلاف وضرورة الرجوع إلى المختصين. لكن المشكلة، وفق خلاصتها التطبيقية، تظهر في نقص التفصيل المذهبي، والخلط بين درجات الأحكام، وضعف توثيق المصادر، وصعوبة التعامل مع السياق والنية والإرادة والظروف الخاصة بالسائل.

مصدر الصورة أزمة استخدام الذكاء الاصطناعي في الفتوى (الفرنسية)

عندما سئل الذكاء الاصطناعي عن نكاح الكتابية.. جاءت الإجابة بالمنع

من زكاة التجارة إلى الزواج والطلاق.. السؤال نفسه ليس كافيًا

في اختبار زكاة عروض التجارة، قدم أحد النماذج إجابة تنفي وجوب الزكاة فيها، بل ربط المسألة بضريبة الدخل، بينما تعرض الدراسة موقف المذاهب وقرارات الهيئات الفقهية التي تقر بأصل وجوب الزكاة في عروض التجارة عند تحقق شروطها.

وتلفت هنا إلى خطأين في وقت واحد: أولهما نفي حكم فقهي مستقر، وثانيهما الخلط بين الضريبة والزكاة، وهما نظامان مختلفان من حيث الطبيعة والأحكام.

وعندما سئل النموذج عن نكاح الكتابية، جاءت الإجابة بالمنع، وأضافت أن الكتابية لا تستفيد من بعض حقوق الزوجة الإسلامية مثل المهر والنفقة.

وتقابل الدراسة ذلك بالنص القرآني وآراء المذاهب التي تقر أصل الجواز للكتابية المحصنة مع اختلاف القيود والتفصيلات، وتؤكد أن الزوجة الكتابية لها حقوقها المالية، معتبرة أن النموذج لم يكتف بحكم غير صحيح، بل رتب عليه أحكامًا أخرى في الحقوق الزوجية.

إعلان

ويظهر نوع آخر من القصور عندما تكون إجابة الذكاء الاصطناعي صحيحة في أصلها، لكنها لا تستوعب التفاصيل التي تغير الحكم. ففي سؤال صيام مريض السكري، أجاب النموذج بأنه يجوز للمريض أن يصوم "إذا كانت صحته تسمح بذلك". لكن الدراسة تشير إلى أن المسألة لا تتوقف عند جواز الصيام؛ فقد يصبح الإفطار واجبًا والصيام محرمًا إذا قرر الأطباء وجود خطر على المريض، وهو ما يجعل معرفة حال الشخص الطبية جزءًا من تنزيل الحكم عليه.

وهنا تصل الرسالة إلى أحد مفاتيحها الأساسية: المفتي لا يجيب عن جملة مجردة فقط، وإنما يفتي إنسانًا في واقعة.

لماذا لا تكفي الإجابة الصحيحة؟

تتوقف الدراسة طويلًا أمام مسألة قد تبدو للوهلة الأولى مفارقة: ماذا لو أعطى الذكاء الاصطناعي الحكم الصحيح فعلًا؟

فالرسالة لا تجعل صحة الجواب وحدها دليلًا على أن الآلة أصبحت "مفتيًا". وهي تميز بين القدرة على توليد إجابة تبدو فقهية وبين تحقق صفة المفتي وممارسة الاجتهاد والإفتاء بالمعنى الأصولي.

وتعود هنا إلى شروط المفتي: فهم السؤال، والنظر في المآلات، ومراعاة المصالح والمفاسد، واختلاف الزمان والمكان والأحوال، والقدرة على التوقف عن الإفتاء عند عدم العلم، فضلًا عن شروط العلم والأهلية والمسؤولية. ومن هذه الزاوية تسأل الدراسة: هل يمكن أن يكون النظام الذي يجمع النصوص ويحللها فقيهًا بالمعنى الأصولي، أم يظل أداة تستثمر ما أنتجه الفقهاء؟

وتطرح في هذا السياق مفهوم "تحقيق المناط": أي تنزيل الحكم الكلي على الواقعة الجزئية المشخصة. وترى أن معرفة الحكم النظري شيء، ومعرفة ما إذا كان ينطبق على هذا الشخص وفي هذه الظروف شيء آخر. فالمفتي قد يحتاج إلى معرفة مكان المستفتي، وعرفه، ونظامه القانوني، وحالته الصحية أو الأسرية، وملابسات الواقعة، بل والقرائن التي لم يذكرها السائل أصلًا.

وهذا يفسر لماذا تصبح بعض الأسئلة الطبية والأسرية اختبارًا أكثر صعوبة من سؤال عن حكم فقهي مجرد.

مصدر الصورة الباحث عمر عامر (الجزيرة)

فتجنشتاين يدخل غرفة الفتوى

ومن الزوايا غير التقليدية في الرسالة استدعاؤها فلسفة اللغة عند لودفيغ فتجنشتاين إلى النقاش حول الذكاء الاصطناعي والإفتاء.

الفكرة التي تنطلق منها الدراسة أن المشكلة ليست حسابية فقط. فالنظام يستطيع معالجة اللغة وإنتاج جمل سليمة ومترابطة، لكن هل يعني ذلك أنه يفهم المعنى بالطريقة نفسها التي يفهم بها الإنسان؟

تستند الرسالة إلى تصور فتجنشتاين بأن المعنى لا يستقل عن استعمال اللغة في سياق اجتماعي وداخل "أشكال الحياة"، وأن الكلمات لا تُفهم منفردة عن المجال الذي تستخدم فيه. ومن هنا تطرح فجوة بين المحاكاة اللغوية وبين الفهم المقصدي، معتبرة أن هذه الفجوة تصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالنص الشرعي، حيث لا يقتصر الأمر على معنى المفردة، وإنما يمتد إلى القصد والسياق والمقصد والقرائن.

وتقول الدراسة إن الذكاء الاصطناعي يعمل أساسًا عبر التوليد الاحتمالي؛ أي توقع الكلمات أو الرموز التالية بناء على الأنماط التي تعلمها، في حين يقوم الاجتهاد، في تصورها الأصولي، على معرفة مراتب الأدلة والجمع بينها وفهم المقاصد والمآلات والتمييز بين القطعيات والظنيات. ولذلك لا ترى أن الوصول إلى "أعلى احتمال" لغوي يساوي الوصول إلى حكم شرعي بالمعنى الأصولي.

الذكاء الاصطناعي لا يقول: لا أعلم

الخطر الأكبر ليس الخطأ

تقدم الرسالة مصطلحًا لافتًا هو "القطعية المصطنعة"، وتقصد به أن صياغة النموذج قد تكون دقيقة ومنظمة وحاسمة إلى درجة تجعل المستخدم يتلقى الناتج باعتباره حكمًا نهائيًا، حتى حين تكون الإجابة في حقيقتها احتمالية أو ناقصة أو خاطئة.

فالآلة لا تتردد بالطريقة البشرية نفسها، وقد لا تقول للمستفتي: "لا أعلم"، أو "أحتاج إلى معرفة حالتك"، أو "المسألة فيها خلاف"، وإنما يمكن أن تنتج حكمًا كاملًا بلغة تقريرية.

إعلان

وتربط الدراسة ذلك بما تسميه "تزييف وعي المستفتي": المشكلة هنا لا تتعلق بخطأ المعلومات وحده، وإنما بطريقة تلقيها. فإذا قدم الخطأ في صورة لغوية واثقة، قد يكتسب سلطة لا يستحقها.

وتضيف الرسالة خطرًا آخر هو تشويه مفهوم الخلاف الفقهي؛ فعندما تختار الآلة جوابًا واحدًا وتقدمه بصيغة القطع، قد يتحول رأي اجتهادي إلى ما يبدو حكمًا وحيدًا، وقد تتحول مسألة خلافية إلى حلال أو حرام بلا ذكر للتعدد الفقهي.

ومن الأمثلة التي تسوقها الدراسة سؤال القنوت في صلاة الفجر. فقد وصف أحد النماذج القنوت بأنه "بدعة"، وقال إن الصلاة لا تجزئ بفعله، بينما تعرض الرسالة الخلاف المعروف بين المذاهب: فمنهم من يستحبه، ومنهم من يراه سنة، ومنهم من يقصره على النوازل. وترى أن المشكلة في الإجابة الآلية ليست فقط في الحكم، وإنما في تحويل مسألة خلافية إلى صيغة إقصائية قاطعة.

إذا أخطأت الآلة.. من يتحمل الفتوى؟

وهنا تصل الدراسة إلى زاوية أخرى لا تقل أهمية عن صحة الحكم نفسه: من المسؤول عن الخطأ؟

في الفتوى البشرية يوجد شخص معلوم؛ المفتي معروف، ومصدر قوله يمكن تتبعه، ويمكن مراجعته أو مساءلته. أما في الفتوى الآلية فتظهر، بحسب الدراسة، "فوضى الإسناد": هل المسؤول هو المطور؟ أم الشركة؟ أم المنصة؟ أم المستخدم الذي طرح السؤال؟ أم الجهة التي غذت النظام بالمعلومات؟

وتعتبر الرسالة أن غياب هذا الإسناد يميز بصورة جوهرية بين المفتي والآلة؛ إذ لا توجد في النظام نفسه أهلية شرعية أو مسؤولية أخلاقية يمكن أن يحملها عن الحكم الذي أصدره.

ويتضح ذلك أكثر في المسائل التي تتجاوز مجرد المعرفة الفقهية إلى نتائج تمس الحياة والمال والأسرة. ففي مسألة الخطأ الطبي الناتج عن برنامج ذكاء اصطناعي، تستعرض الدراسة توزيع المسؤولية بحسب موقع الخطأ: هل قصر الطبيب في التحقق؟ هل كان العيب في البرنامج؟ هل خولفت تعليمات الاستخدام؟ وتربط ذلك بقاعدة "الضمان يتبع التفريط"، لتبين أن إدخال الذكاء الاصطناعي لا يلغي السؤال القديم عن المسؤولية، وإنما يزيده تعقيدًا.

30 سؤالًا.. والآلة ليست دائمًا في قفص الاتهام

تتعمد الرسالة ألا تجعل الاختبار مجموعة من الأسئلة التقليدية فقط؛ فتنتقل من الزكاة والصلاة والزواج والطلاق إلى العملات المشفرة والعقود الذكية والذكاء الاصطناعي في البنوك والتطبيقات الإلكترونية للزكاة، ثم إلى التشخيص الطبي والتعديل الجيني والتبرع بالأعضاء.

وفي بعض هذه الأسئلة، تقدم النماذج إجابات قريبة بدرجة كبيرة من الاتجاه الذي تستعرضه الدراسة. فعندما سئل ChatGPT عن استخدام الذكاء الاصطناعي في تحديد فوائد القروض، قال إن التقنية لا تغير حكم الفائدة نفسها: إن كانت ربا فهي محرمة سواء حددها إنسان أو نظام آلي. وتصف الدراسة هذه الإجابة بأنها صحيحة من حيث المبدأ، وإن كانت أقل تفصيلًا من المعالجة الفقهية التي أضافت مسألة التحيز الخوارزمي.

وفي سؤال دفع الزكاة عبر التطبيقات الإلكترونية، اشترط نموذج Bard موثوقية الجهة وضمان وصول المال إلى مستحقيه، وهي إجابة تعتبرها الدراسة صحيحة في أساسها، لكنها ترى أن المعالجة الفقهية البشرية أضافت شرط النية عند الدفع.

وهذه الأمثلة مهمة لأنها تقود إلى نتيجة أقل صخبًا وأكثر أهمية: المشكلة ليست أن الذكاء الاصطناعي عاجز عن الوصول إلى الحكم الصحيح في كل مرة؛ بل إنه قد يصل إليه دون أن يمتلك بالضرورة المنهج الذي يضمن الوصول الصحيح في المرة التالية.

مصدر الصورة هل يقوم الذكاء الاصطناعي بدور علماء الفتوى؟ (الأناضول)

ماذا عن الدعوة لإبعاد الذكاء الاصطناعي عن المؤسسات الدينية؟

الذكاء الاصطناعي مساعدًا للمفتي.. لا مفتيًا

ولا تنتهي الرسالة إلى الدعوة لإبعاد الذكاء الاصطناعي عن المؤسسات الدينية. على العكس، تقترح تحويله من منافس محتمل للمفتي إلى "مساعد فقهي ذكي".

وتحدد له وظائف واسعة: جمع الأدلة، وفهرسة الفتاوى، وأرشفة الأسئلة المتكررة، والبحث في المصادر، وتصنيف الأقوال، واقتراح الأدلة، وتحليل المعلومات، على أن تظل الفتوى المعتمدة مرتبطة بالمفتي البشري الذي يملك العلم والأهلية ويتحمل المسؤولية.

وتتوسع الدراسة في تصورها للحوكمة؛ فتقترح إشراف الهيئات الشرعية على الأدوات التي تقدم إجابات دينية، واعتماد مصادر معرفية موثوقة ومتنوعة، وفرض المراجعة البشرية، وتحديد المسؤوليات، ووضع تنبيه واضح للمستخدم بأن المخرج الآلي ليس فتوى رسمية ولا يتمتع بالحجية الشرعية.

وتوصي كذلك بأن يستخدم الطلاب والباحثون الذكاء الاصطناعي بدايةً للتعرف على المسألة قبل الرجوع إلى المصادر الفقهية، وأن يستفيد المفتون منه في جمع المعلومات والبحث السريع دون تفويضه بالترجيح النهائي، وأن يبني المطورون محركات الفتوى على قواعد معرفة فقهية موثوقة مع نظام يراعي المذاهب المعتمدة.

إعلان

وتلفت الرسالة إلى أن اختباراتها شملت نماذج وإصدارات متفاوتة، وأفردت ملحقًا مصورًا لمحادثات أجريت مع GPT-3.5 Turbo Instruct، وهو إصدار قديم استخدمه الباحث تحديدًا لإظهار الفارق بين النماذج الأقل حداثة والتطور الذي أصاب قدرات الأنظمة اللاحقة.

فتوى بلا مفتٍ

في نهاية المطاف، لا ترى الرسالة أن الاختبار الحقيقي للذكاء الاصطناعي هو أن نسأله سؤالًا فقهيًا فنحصي عدد الإجابات الصحيحة والخاطئة فقط. السؤال الأعمق عندها هو: ماذا يبقى من مفهوم الفتوى إذا فصلنا الحكم عن المفتي، وعن السائل، وعن الواقعة، وعن المسؤولية؟

وتخلص الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا تتوافر فيه الأهلية الشرعية التي تشترطها فيمن يتصدر للإفتاء، وأنه يواجه قيودًا في تحقيق المناط، وربط الأدلة بمقاصدها، وإدراك السياق والنيات والظروف، فضلًا عن مشكلة الإسناد والمسؤولية. وفي الوقت نفسه ترى أن قدراته في البحث والتصنيف والفهرسة وتحليل البيانات تجعله أداة ذات قيمة كبيرة إذا بقي داخل إطار "الإفتاء المساعد" وتحت الرقابة البشرية والمؤسسية.

وهكذا تصبح المسألة، في منطق الرسالة، أكبر من سؤال: "هل تستطيع الآلة الإجابة؟". فقد تستطيع، وقد تصيب، وقد تقدم في ثوان ما يحتاج الإنسان وقتًا طويلًا لجمعه. لكن الفاصل الذي تتمسك به الدراسة هو بين إنتاج الجواب وبين تحمل معنى الفتوى؛ فالآلة قد تعرف الكلمات، وتستدعي الأقوال، بل وتصل أحيانًا إلى الحكم الصحيح، لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا أمام التحول الرقمي في المجال الديني هو: هل تكفي إجابة تشبه الفتوى، لكي يصبح من أنتجها مفتيًا؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا