الأفاعي والعقارب بين خيام غزة.. خطر يتسلل إلى أماكن نوم النازحين
يواجه نازحون في قطاع غزة ظاهرة الزواحف والعقارب و القوارض داخل خيامهم ، وسط تحذيرات من منظمة الصحة العالمية من مخاطر التسمم بلدغات الأفاعي بين السكان النازحين، في وقت يعيش فيه معظم سكان القطاع في ظروف شديدة الصعوبة.
وبحسب تقييم لمجموعة المأوى في فلسطين، التي يقودها المجلس النرويجي للاجئين وتشارك في تنسيقها المنظمة الدولية للهجرة، يحتاج نحو 1.98 مليون شخص، أي 94% من سكان غزة، إلى مساعدات متعلقة بالمأوى والمواد الأساسية. كما تواجه 84% من الأسر قيودًا شديدة في ظروف المعيشة، وفق بيانات نشرها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في أغسطس/آب 2026.
“الإشي اللي بنشوفه بنقتله، بس اللي ما بنشوفه ربنا اللي بيسلّم”، يقول أبو العجين، الذي بات يرى الفئران والحشرات والعقارب، وحتى الأفاعي أحيانًا، جزءًا يوميًا من حياته داخل الخيمة. “كل شوية هون فار وهون حية وهين عقرب. صرنا شبه متعايشين معهم”.
وفق تقرير الوضع الإنساني الصادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ، أوتشا، في 3 يوليو/تموز 2026، أُبلغ عن انتشار واسع للقوارض والطفيليات الخارجية في 83% من مواقع النزوح التي جرى تقييمها، إلى جانب مياه الصرف الصحي في الشوارع و تراكم النفايات والمياه الراكدة.
وأشار التقرير نفسه إلى أن تغطية خدمات إدارة المواقع لم تكن تتجاوز 34% من إجمالي مواقع النزوح، ما يترك نسبة كبيرة من الأسر من دون متابعة منتظمة على مستوى الموقع.
وكان تقييم سابق نشرته أوتشا في 17 أبريل/نيسان قد أظهر وجود القوارض أو الآفات بصورة متكررة في 1,326 موقعًا من أصل 1,644 موقعًا خضع للتقييم، أي في 81% منها، وكانت تلك المواقع تؤوي نحو 1.45 مليون شخص.
وفي الفترة نفسها، قالت الجهات الشريكة في مجموعة الصحة إن أكثر من 70 ألف حالة مرتبطة بالقوارض والطفيليات الخارجية أُبلغ عنها منذ بداية عام 2026.
هذه الأرقام لا تقيس أعداد الأفاعي أو العقارب تحديدًا، لكنها تكشف حجم المشكلات البيئية المحيطة بأماكن إقامة النازحين، وتتزامن مع عوامل تقول منظمة الصحة العالمية إنها تزيد احتمالات مواجهة الأفاعي حول الملاجئ المؤقتة.
فقد أصدرت المنظمة إرشادات خاصة بالتسمم ب لدغات الأفاعي بين النازحين في قطاع غزة، قالت فيها إن طبيعة الملاجئ المؤقتة والتنقل المتكرر والاكتظاظ، واضطرار السكان إلى الإقامة أو التجمع خارج الأماكن المغلقة، تزيد احتمالات الاحتكاك بالأفاعي في محيط أماكن السكن.
حسن السميري، النازح من جحر الديك إلى شرق دير البلح، يقول إن وجود الأفاعي والعقارب قرب خيمته أصبح متكررًا.
“أنا كل أسبوع بشوف حية تقريبًا، والعقارب والعناكب كثير. كل يوم بقتل منهم”.
ويتحدث حسن عن أشكال وألوان مختلفة يراها بنفسه، لكنه لا يعرف الأنواع التي يواجهها ولا مدى خطورتها، وهو ما يجعل تقدير حجم المشكلة أكثر صعوبة بالنسبة إلى السكان أنفسهم.
وبالنسبة إلى صابر، لا تتوقف المشكلة عند الخوف من اللدغات أو اللسعات. يقول إن أسرته حاولت استخدام المبيدات والبخاخات المتاحة، لكن تأثيرها بقي محدودًا.
"جبنا أدوية وبخاخات ورشينا، بس ما حسينا إنها عملت فرق كبير. بترفع الفرشة أو البطانية أو الحصيرة بتلاقيهم تحتها. ربك اللي بيسلم".
حتى ترك الطعام مكشوفًا لفترة قصيرة أصبح مصدر قلق بحسب صابر: "بتقول أكيد مرّ عليه فار أو حشرة أو أي إشي. خلص حياتنا صعبة جدًا".
تحذر منظمة الصحة العالمية من أن سموم بعض الأفاعي يمكن أن تسبب شللًا يؤثر قدرة الشخص على التنفس، واضطرابات خطيرة في النزف، وتلفًا في الكلى أو الأنسجة، فيما قد تظهر آثار التسمم بصورة أسرع لدى الأطفال بسبب صغر كتلة أجسامهم.
وتوصي المنظمة بعدم محاولة الإمساك بالأفعى بعد اللدغة، لما يحمله ذلك من خطر التعرض للدغة أخرى، وتشدد على ضرورة الوصول إلى الرعاية الطبية بأسرع وقت ممكن.
وتقول الهيئة الأممية إن الأمصال المضادة للسموم هي العلاج الأكثر فاعلية لمنع أو عكس معظم آثار التسمم بلدغات الأفاعي، وهي مدرجة على قائمتها للأدوية الأساسية. وفي إرشاداتها الخاصة بغزة، دعت المنظمة إلى إدراج هذه الأمصال ضمن المساعدات الدولية وحزم الرعاية الصحية الأولية الموجهة إلى القطاع.
في وحدة طبية شرق دير البلح، يقول ماهر أبو عمرة إن فريقه يستقبل حالات لا يمكن تحديد سببها بصورة دقيقة بالإمكانيات المتاحة.
ويذكر ماهر حالة طفل وصل إلى الوحدة مصابًا بجرح وتجمع صديدي وخروج سوائل من موضع الإصابة، فيقول: "صعب نحدد هل هي قرصة ثعبان ولا عقرب ولا نوع حشرة ما مرّ علينا قبل هيك. الإمكانيات الموجودة عنا ما بتساعدنا نشخص الحالة".
وبحسب أبو عمرة فإن الحالة حين تتجاوز قدرة الوحدة الطبية، يعمل الفريق على تحويلها إلى مرافق تابعة لوزارة الصحة يمكنها التعامل معها.
وفي حالات أخرى، يصل أهل المصاب وهم يعرفون ما الذي تسبب في الإصابة.
“مر علينا أكثر من حالة بيكون أهل الطفل جايبين معهم الأفعى أو العقرب اللي قرصه. بقولوا لقيناها في الخيمة وقارسته”.
ومع ذلك، تنصح منظمة الصحة العالمية بعدم محاولة الإمساك بالأفعى أو الاقتراب منها، لتجنب حدوث إصابات إضافية.
ولا تقتصر الحالات التي تستقبلها الوحدة على اللدغات واللسعات. يقول أبو عمرة إن أطفالًا يصلون ليلًا بعدما تدخل حشرات إلى آذانهم أثناء النوم.
"بيجي الأب بالليل يقول لك ابني يشعر بحركة في أذنه. لما نفحص بنلاقي حشرة دخلت جوة الأذن. مرت علينا حالات كثيرة زي هيك".
وتصل هذه الحالات إلى نظام صحي يعمل أصلًا بقدرة محدودة . فبحسب مجموعة الصحة التابعة للأمم المتحدة، لم يكن يعمل في غزة بحلول منتصف يوليو/تموز 2026 سوى 44% من نقاط تقديم الخدمات الصحية التي كانت مدرجة قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023. كما شكلت الإصابات بالطفيليات الخارجية 18.9% من الأمراض السارية المبلغ عنها خلال الفترة بين 19 و25 يوليو/تموز، بحسب بيانات مجموعة الصحة.
خلال عام 2026، وسعت الجهات الإنسانية عمليات مكافحة الآفات في قطاع غزة، وشملت الرش ومكافحة القوارض وتنظيف المواقع وحملات التوعية.
وبحسب تقرير لأوتشا صدر في 31 يوليو/تموز، بدأ الشركاء توزيع تسعة أطنان من مبيدات القوارض أدخلتها دولة الإمارات إلى القطاع، إلى جانب كميات كانت متوفرة سابقًا.
وفي 20 أغسطس/آب، قالت الأمم المتحدة إن أنشطة مكافحة الآفات التي ينفذها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وشركاؤه منذ مايو/أيار قد توسّعت لتشمل أكثر من 3,000 موقع في أنحاء غزة، بينها مواقع نزوح وأسواق ومستشفيات.
وتقول الأمم المتحدة إن الاستجابة تحتاج إلى دخول منتظم لمواد مكافحة الآفات، إلى جانب معدات وقطع غيار وتحسين إدارة النفايات ومياه الصرف الصحي وإزالة الركام.
فالبيئة المحيطة بكثير من مواقع النزوح ما زالت توفر بيئة ملائمة لوجود القوارض والحشرات. وفي مسح أُجري مطلع يوليو/تموز، أفادت 43% من الأسر التي شملها التقييم بوجود مياه صرف صحي أو حمأة على مسافة لا تتجاوز عشرة أمتار من أماكن إقامتها، فيما قالت 26% إن أكوامًا من النفايات الصلبة موجودة بالقرب منها.
وتغطي مساحات واسعة من القطاع أيضًا كميات ضخمة من الركام . وبحسب تقرير أوتشا الصادر في 23 يوليو/تموز، جرى حتى ذلك الوقت رفع نحو 630 ألف طن من الأنقاض من الطرق ومرافق الخدمات الأساسية، من أصل أكثر من 60 مليون طن من الركام الذي خلفته الحرب، وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
مع اقتراب الليل، ينظر صابر أبو العجين إلى الزوايا، ويرفع الفراش، وينفض البطانيات قبل أن يعيدها إلى مكانها. لا توجد أبواب يمكن إغلاقها بإحكام، ولا أرضية تفصل أسرته عن التراب.
بعد سنوات من النزوح، يختصر ما يعيشه بجملة واحدة: "صرنا خلص متعودين. الحية والعقرب والفار والحشرة، كلهم حوالينا. من كتر ما شفنا، صرت تقول شو بدنا نعمل؟".
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة