أقرّ مجلس النواب اللبناني ، الأربعاء (12 آب/أغسطس 2026)، اقتراح القانون الرامي إلى منح عفو عام وتخفيض بعض العقوبات بشكل استثنائي.
والعفو العام هو الأول من نوعه منذ عام 1991، ويُفترَض أن يستفيد منه تباعاً آلاف من المحكومين والموقوفين والمطلوبين. الدافع المعلن هو اكتظاظ السجون والذي فاقمه بطء المحاكمات وتوقيفات لسنوات بدون اجراءات قضائية. لكن يُرجح أن أسباباً سياسية وطائفية كانت السبب الرئيسي خلف إقراره.
وطالبت قوى سياسية لبنانية على مدى سنوات بإقرار القانون، لكن انقسامات عميقة حالت دون ذلك. ولم تعلن السلطات بعد عدد المستفيدين منه.
وعاد إقرار العفو العام إلى التداول بعد إطاحة الحكم السابق في سوريا أواخر عام 2024، لا سيما في ما يتعلق بمعالجة ملف من يعرفون بـ"الموقوفين الاسلاميين" الذين تم توقيف قسم منهم على خلفية أحداث مرتبطة بالنزاع السوري من دون محاكمات.
وبعد الإطاحة ببشار الأسد ، تغيّر السياق السياسي، وعادت مطالبات عائلاتهم والقوى السنية التي تمثلهم بإعادة النظر في أوضاعهم وبالأحكام الصادرة بحق بعضهم.
الخبير في شؤون الشرق الأوسط وأستاذ العلوم السياسية الدكتور خطار أبو دياب يرى في حديث خص به DW عربية أن "لا دليل أو إثبات على ممارسة الحكومة السورية الجديدة أي تأثير مباشرة بإقرار العفو، سواء عن طريق الضغط أو التمني".
ويستشهد الخبير السياسي، اللبناني الأصل، بنفي نائب رئيس الحكومة، طارق متري، وهو المكلف بملف العلاقة مع سوريا، بحصول أي تدخل سوري. وأردف: "علينا ألا ننسى أن مشروع القانون والنقاشات حوله سبق سقوط بشار الأسد".
ولكن أستاذ العلاقات الدولية الأصل استدرك بالقول: "مما لا شك فيه أن تغير المناخ السياسي في الإقليم أضعف قدرة حزب الله على التأثير على السلطتين التشريعية والقضائية. والوضع الجديد في سوريا سهّل على المطالبين بالعفو عن المؤيدين للمعارضة السورية والاحتجاجات ضد بشار الأسد بالمضي قدماً في مطالباتهم".
وانسحب نواب كتلة "التيار الوطني الحر" النيابية التي يرأسها صهر الرئيس السابق ميشال عون ، جبران باسيل، وكتلة "الوفاء للمقاومة" التابعة لـ "حزب الله"، من الجلسة التشريعية في مجلس النواب، بسبب رفض رئيس الحكومة نواف سلام السماح لوزير الدفاع ميشال منسى بتلاوة كلمة الجيش بشأن قانون العفو العام، خلال الجلسة التشريعية.
وقال نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب، في تصريح من المجلس النيابي بعد إقرار اقتراح القانون: "لا يحق لرئيس الحكومة نواف سلام أن يمنع وزير الدفاع من إلقاء كلمته في المجلس النيابي"، مضيفاً أن "إعادة تكرار منع وزير الدفاع من أن يلقي كلمة في الجلسة التشريعية هو قرار خاطئ وغير دستوري".
وطالبت قوى سياسية بأن يشمل العفو قواعد مناصريها. فقد طلب حزب الله أن يشمل العفو آلاف الموقوفين والمطلوبين الشيعة من منطقتي بعلبك والهرمل (شرق) وغالبيتهم متهمون بجرائم مخدرات وسرقة سيارات.
وطالبت كذلك أحزاب مسيحية بأن يشمل العفو مئات العائلات التي فرّت إلى اسرائيل مع انسحاب قواتها من جنوب لبنان عام 2000، في ظل خشيتها من أعمال انتقامية على خلفية انتساب أفراد منها إلى "جيش لبنان الجنوبي" المتعاون مع الدولة العبرية خلال سنوات الاحتلال.
ويتحدر القسم الأكبر من "الموقوفين الإسلاميين" من مدينة طرابلس ذات الغالبية السنية في شمال البلاد، وهم متهمون بجرائم بينها قتال الجيش اللبناني والاعتداء عليه وتنفيذ تفجيرات.
وأشار النائب عماد الحوت، في تصريح من مجلس النواب، إلى أنّ "79 موقوفاً إسلامياً من أصل 146 سيخرجون من السجون، ولن نقبل بعد اليوم اعتقال أحد أكثر من المدة القانونية للتوقيف الاحتياطي".
وخرج عشرات الرجال على دراجات نارية يتجمعون في طرابلس للاحتفال بالقرار. وكان البعض يلوحون برايات كتبت عليها الشهادتان ويهتفون "الله أكبر" ويطلقون مفرقعات.
وقال شادي أبو عمر وهو شقيق أحد الموقوفين "كنا ننتظر هذا العفو العام منذ زمن طويل، كنا ننتظره لينصفنا، ليرفع الظلم عنا"، مضيفاً "اليوم عرس في لبنان". لكنه أعرب عن إحباطه لأنه لم يكن "عفواً كاملاً... كنا نتمنى أن يكون عفواً كاملاً ليخرج الجميع من السجن".
وفي الثاني من تموز/ يوليو الماضي احتفل بزيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى طرابلس باستقبال شعبي واسع رفعت فيه الأعلام السورية.
يرى المدير التنفيذي لـ "المفكرة القانونية" في لبنان نزار صاغية أن القانون، وإن جاء ثمرة "توافق سياسي موقت" بين مختلف الكتل الكبرى، إلا أنه لا يبني "توافقاً اجتماعياً" حقيقياً في بلاد لطالما عانت من انقسامات سياسية وطائفية.
وبينما تُدار العديد من الملفات الخلافية عبر تسويات بين القوى السياسية، يعكس العفو العام آلية المحاصصة، مضافة إلى ثقافة الإفلات من العقاب السائدة منذ عقود.
ويرى صاغية أن القانون لا يشكّل مدخلاً لتعزيز "اللحمة الاجتماعية"، في ظل غياب مسار للمصالحة أو رؤية عامة تحدد أسباب العفو وأهدافه. ويقول: "كل ما يحصل هو نوع من التنازلات والمساومات... يأتي العفو من دون أي مصالحة حقيقية، ولا أي عمل على تعديل القوانين وإصلاحها، ولا رؤية عامة بشأن الأمور التي ينبغي العفو عنها وتلك التي لا ينبغي العفو عنها". ويوضح أن القانون كما تمّ التوافق عليه، يجسد "تطبيقا لفكرة المحاصصة".
إلا أن بعض النواب الذين واكبوا النقاشات التي أفضت إقرار القانون، يرفضون هذا التوصيف. ومن بيروت أشاد النائب بلال عبدالله بـ"إنجاز تاريخي"، مؤكداً أن طابعه "وطني وإنساني" قبل أن يكون "طائفياً".
بدوره كتب الحوت على منصة إكس "اليوم نفتح باباً جديداً للمصالحة والإنصاف، ونؤكد أن معالجة الجراح الوطنية تكون بالقانون والعدالة والدولة".
وأقرّ لبنان بعد عام من انتهاء الحرب الأهلية (1975-1990) آخر قانون عفو عن الجرائم التي ارتكبت خلالها، من دون أي مساءلة أو مصالحة حقيقية بين الأطراف المتحاربة، أو تحقيق العدالة للضحايا ولذويهم.
المصدر:
DW