في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
دارفور- في توقيت بالغ الدلالة، التقت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهت شميم خان، لاجئين سودانيين في مخيمي "فرشانة" و"قوز بيدا" بجانب مخيمات أخرى في شرق تشاد يومي 6 و7 يوليو/تموز الجاري، واستمعت إلى رواياتهم المباشرة عن الفظائع التي تعرضوا لها في دارفور.
وجاءت زيارة شميم خان في وقت يواصل فيه الجيش والقوة المشتركة تحقيق تقدم ميداني في ولاية غرب دارفور، وسط تحذيرات أممية ودولية من أن ممارسات الدعم السريع في دارفور قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
يأتي ذلك بعد نحو 8 أشهر من آخر مواجهات برية مباشرة في الإقليم، ليكون هذا التقدم الأكبر منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، حيث تمكن الجيش السوداني والقوة المشتركة من استعادة مناطق إستراتيجية كانت تحت سيطرة الدعم السريع منذ أكثر من عامين، وقطع خطوط إمداده عبر الحدود مع تشاد، في سلسلة انتصارات متتالية أعادت رسم خريطة المواجهات في غرب دارفور.
وفي بيان صحفي صادر عن الجنائية الدولية، الثلاثاء 14 يوليو/تموز 2026، أكدت نائبة المدعي العام أن "الوضع في دارفور لا يزال يمثل أولوية رئيسية لمكتبها"، مشيرة إلى أنهم يواصلون التحقيقات في الجرائم الحالية بدارفور، إلى جانب القضايا المعروضة أمام المحكمة بشأن الفظائع التي ارتُكبت في الماضي.
وكانت شميم خان قد حذرت في إحاطتها أمام مجلس الأمن، في 19 يناير/كانون الثاني 2026، من أن "دارفور في هذه اللحظة تتعرض لتعذيب جماعي"، مشيرة إلى أن سقوط الفاشر صاحبه "حملة منظمة وممنهجة من المعاناة البالغة"، مؤكدة أن الأدلة التي جمعها مكتب الادعاء تعكس حجم الجرائم المزعوم ارتكابها بحق المدنيين في دارفور، بما في ذلك أعمال الاضطهاد والانتهاكات الجسيمة، إضافة إلى العنف الجنسي واسع النطاق.
وفي حديث خاص مع الجزيرة نت، قال مدير مخيم فرشانة للاجئين السودانيين في شرق تشاد حاتم محمد حاتم، إن نائبة المدعي العام التقت خلال زيارتها للمخيم بممثلي الضحايا، وقدمت إحاطة مفادها أن المحكمة تحصلت على أدلة تشير إلى ارتكاب جرائم وانتهاكات خطيرة من قبل الدعم السريع في كل من الجنينة والفاشر، وعليه فإنها ستقدم إحاطة لمجلس الأمن الدولي بهذا الشأن.
من جانبه قال المتحدث الرسمي باسم منسقية النازحين واللاجئين في دارفور آدم رجال للجزيرة نت، إن الزيارة كانت مهمة للضحايا الناجين، مشيرا إلى أن تحرك المحكمة الجنائية الدولية لإنصافهم مهم جدا، وأن الاستماع لهم خطوة مهمة لتحقيق العدالة.
في المقابل، يواصل الجيش السوداني والقوة المشتركة تحقيق تقدم ميداني متسارع في غرب دارفور. وأكد الناطق الرسمي باسم القوة المشتركة الرائد متوكل علي وكيل أبوجا، للجزيرة نت، تحرير منطقة خزان أورشي الإستراتيجية التابعة لمحلية أمبرو قرب الحدود مع تشاد في 15 يوليو/تموز 2026.
وجاءت استعادة السيطرة على أورشي في شمال دارفور بعد أيام من تحرير منطقة بئر أم سلبية الواقعة على بعد 30 كيلومترا شمال مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور. وتواصل هذه القوات تقدمها في محور جبل مون باتجاه الجنينة، في خطوة تهدف إلى تضييق الخناق على آخر معاقل الدعم السريع في الإقليم.
وتكتسب هذه الانتصارات أهمية إستراتيجية، إذ تشكل المناطق المحررة بوابات رئيسية لقطع خطوط الإمداد التي كانت تستخدمها قوات الدعم السريع لنقل السلاح والعتاد عبر الحدود التشادية، وتمهد الطريق لمعركة حاسمة قد تشهدها الأيام المقبلة في الجنينة.
وفي مخيمات شرق تشاد، يرسم النازحون الفارون من جحيم الحرب صورة أخرى للمأساة. ففي مخيم أردمي للاجئين، تجلس الأسر تحت ظلال الأشجار تنتظر مساعدات غرف الطوارئ، وفقاً لتقرير غرفة طوارئ معسكر كارياري الصادر في 7 يوليو/تموز 2026، والذي اطلعت عليه الجزيرة نت.
وتشير تقديرات ميدانية إلى أن نحو 70 إلى 80 أسرة تصل يوميا إلى المخيمات، معظمهم من النساء والأطفال، يعيشون في العراء بلا مأوى ولا غذاء ولا دواء، في ظل نقص حاد في المياه مع دخول فصل الخريف وبدء هطول الأمطار، وفقا لإبراهيم الصافي، مسؤول غرفة طوارئ معسكر كارياري.
يقول الصافي للجزيرة نت "المعسكر يعاني من اكتظاظ شديد مع استمرار تدفق النازحين يوميا، والموارد شبه معدومة. نحن بحاجة ماسة إلى تدخل عاجل من المنظمات الإنسانية لتوفير الغذاء والماء والمأوى".
وتقول النازحة سلافة حامد (45 عاما) من مخيم أردمي للجزيرة نت "كنا نعيش حياة آمنة في دارفور، لكن الحرب اقتلعتها من جذورها. أطفالي ينامون على التراب، ونشرب مياها ملوثة، ولا نعرف إن كنا سنرى الغد".
في هذا السياق، يرى الدكتور عبد الناصر سالم، الخبير في قضايا الأمن وإدارة الأزمات ومدير برنامج شرق أفريقيا في مركز فوكس للأبحاث، في حديثه مع الجزيرة نت، أن التزامن بين التقدم الميداني للجيش والاختراق القضائي للجنائية الدولية يمثل ضربة مزدوجة للدعم السريع.
يقول سالم "ما نشهده اليوم في دارفور هو مشهد فريد. فبينما تضيق القوات المسلحة الخناق على الدعم السريع ميدانيا، تضيق المحكمة الجنائية الدولية الخناق عليه قضائيا. هذا التزامن يضع المليشيا بين مطرقة الميدان وسندان العدالة الدولية". ويضيف "الانتصارات الميدانية للجيش في كلبس وجبل مون وأبو قمرة ليست مجرد مكاسب عسكرية، بل هي أيضا رسالة سياسية مفادها أن الدولة عازمة على استعادة هيبتها وسيادتها على كامل أراضيها".
ويرى الخبير أن هذه الزيارة تحمل رسائل متعددة:
ورغم هذا الاختراق، يقر سالم بأن طريق العدالة لا يزال طويلا وشاقا. فالمحكمة تواجه تحديات كبيرة، أبرزها صعوبة الوصول إلى مسرح الجريمة في مناطق النزاع النشط، وغياب التعاون الكامل من بعض الأطراف، واستمرار الحرب التي تعرقل جمع الأدلة وحماية الشهود.
ويشير إلى أن التاريخ القضائي للمحكمة في دارفور يظهر وجود فجوة كبيرة بين جمع الأدلة وإصدار الأحكام، فمنذ إحالة الملف في 2005، صدرت مذكرات توقيف بحق مسؤولين سودانيين كبار، بينهم الرئيس السابق عمر البشير، لكنها لم تُنفذ.
وسعت الجزيرة نت للحصول على تعليق من قوات الدعم السريع حول الاتهامات التي تواجهها في المحكمة الجنائية الدولية، إلا أنها لم تتلق ردا حتى لحظة نشر التقرير. وكانت قوات الدعم السريع قد نفت سابقا، عبر متحدثيها، ارتكاب عمليات قتل واسعة في دارفور.
وبينما يواصل الجيش والقوة المشتركة تضييق الخناق على آخر معاقل الدعم السريع في الجنينة، تواصل الجنائية الدولية تحقيقاتها مستندة إلى شهادات الضحايا في مخيمات تشاد، ما يضع الدعم السريع أمام ضغط غير مسبوق على جبهتين: الميدان والعدالة. فإذا كانت الانتصارات ترسم النصر على الأرض، فإن أدلة الجنائية الدولية ترسم ملاحقة قضائية قد تطارد قادة المليشيا حتى في مخبئهم الأخير.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة