آخر الأخبار

إلى أين يمكن أن يصل التوسع الإسرائيلي في لبنان؟ | الحرة

شارك

عقب رفض حزب الله اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، والذي تم التوصل إليه هذا الأسبوع في واشنطن، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كان التوسع العسكري الإسرائيلي سيستمر وما الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، ولا سيما بعد تجاوز العمليات مناطق جنوب نهر الليطاني إلى شماله ووصول إنذارات الإخلاء إلى مناطق جنوب نهر الزهراني.

وتكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة لأن الجزء الأكبر من الجهود السياسية والدبلوماسية خلال الأشهر الماضية انصبّ على مصير المنطقة الواقعة جنوب الليطاني باعتبارها محور أي ترتيبات أمنية محتملة. غير أن مسار العمليات العسكرية على الأرض يوحي بأن الأهداف المطروحة تتجاوز حدود هذه المنطقة.

فقبل التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، كانت القوات الإسرائيلية تتحرّك عبر أربعة محاور رئيسة، يشرحها الخبير الإستراتيجي العميد المتقاعد سعيد القزح لموقع “الحرة”:

المحور الأول ينطلق من قلعة الشقيف باتجاه أرنون وكفرتبنيت تلة علي الطاهر، بالتوازي مع التقدم من زوطر الشرقية وزوطر الغربية، بما يسمح بتطويق النبطية وفتح الطريق نحو إقليم التفاح وتلال جزين، التي تعتبرها إسرائيل مركزاً للبنية اللوجستية والعسكرية للحزب.

أما المحور الثاني فيتجه من محيط النبطية نحو حبوش والمصيلح وصولاً إلى نهر الزهراني، في محاولة لإبعاد خطر الصواريخ والمسيّرات عن المستوطنات الإسرائيلية.

ويتعلق المحور الثالث بمدينة صور، فالقصف المكثف الذي يطال المنصوري والمناطق الساحلية المقابلة للبياضة يمهد لتقدم عبر محورين: الأول من الناقورة على طول الساحل باتجاه صور، والثاني من منطقة الغندورية نزولاً نحو نهر القاسمية، بما قد يؤدي إلى تطويق المدينة.

أما المحور الرابع فيبدأ من دبين باتجاه بلاط ووادي برغز، حيث يمكن أن يتفرع نحو إقليم التفاح أو شرقاً باتجاه البقاع الغربي وبلدات سحمر ويحمر ومشغرة وزلايا، وهي مناطق تقول إسرائيل إنها تضم مواقع لإطلاق الصواريخ ومنشآت مرتبطة بالمسيّرات.

ولا يستبعد القزح فتح محور إضافي من مرتفعات جبل الشيخ باتجاه عين عطا وعين قنيا وصولاً إلى البقاع الغربي، معتبراً أن هذه التحركات تتقاطع عند هدف يتمثل في قطع خطوط الإمداد التابعة لحزب الله.

بين الإنذارات والغموض

أثارت إنذارات الإخلاء التي وصلت إلى سكان صور والنبطية، وهما أكبر مركزين سكانيين وإداريين في الجنوب اللبناني، مخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية إلى مناطق جديدة، في ظل غموض يحيط بحدود التقدم الإسرائيلي والوجهة التي قد تتجه إليها عملياته.

ويرى الصحافي رامي نعيم أن الإنذارات التي طالت المدينتين “تعكس سعياً لاستهداف ما تبقى من البنية العسكرية واللوجستية التابعة لحزب الله، بما في ذلك شبكات الأنفاق التي تربط بين عدد من المناطق الجنوبية”.

ويضيف لـ”الحرة” إن القوات الإسرائيلية “باتت على مقربة من نهر الزهراني، ما يجعلها أقرب إلى مدينة صيدا من أي وقت مضى منذ اندلاع الحرب، من دون أن يستبعد احتمال اتساع نطاق العمليات مستقبلاً وصولاً حتى إلى العاصمة”.

وبينما تُقرأ هذه العمليات من قبل البعض بوصفها وسيلة ضغط لدفع حزب الله إلى القبول بالترتيبات المطروحة، يرى آخرون أنها تعكس سعياً لتحقيق أهداف تتجاوز حدود التفاوض.

الجنوب يتحدث بلغة مختلفة

في موازاة التحولات العسكرية، بدأت الحرب تنتج تحولات سياسية واجتماعية داخل البيئة الجنوبية. ففي صور والنبطية، برزت خلال الأيام الأخيرة دعوات تطالب بإعلان المدينتين منطقتين مفتوحتين وخاليتين من السلاح وتسليمهما للجيش اللبناني.

وتقول الكاتبة الصحافية بادية فحص، إحدى الموقعات على نداء النبطية، إن “هاجس الشيعة اليوم يتمثل في ما خلّفته الحرب خلال السنوات الأخيرة من تهديد للنسيج الاجتماعي والتراث والجغرافيا، إضافة إلى مخاوف التهجير والتغيير الديمغرافي بعد تحويل مناطق واسعة جنوب النهر إلى مناطق مدمرة يصعب العيش فيها، ما يجعل عودة نحو مليون نازح أمراً بالغ الصعوبة”.

وتؤكد في حديث لموقع “الحرة” أن النداءين يدعوان الدولة إلى التحرك دبلوماسياً وقانونياً لحماية ما تبقى من الجنوب ووقف الحرب، مشيرة إلى أن “تحييد المدينتين يمنع استهدافهما، لكن ذلك يبقى غير قابل للتنفيذ ما لم يسحب حزب الله مقاتليه منهما ويوافق على تسليمهما للجيش اللبناني”.

رهان الفرصة الأخيرة

لا تخفي إسرائيل طبيعة رؤيتها للمرحلة المقبلة. فقد أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن إعلان المبادئ مع لبنان يعكس “الواقع الذي خلقناه فيه”، معتبراً أن الاتفاق يمثل إنجازاً سياسياً وأمنياً غير مسبوق.

وأشار إلى أن المنطقة الواقعة جنوب الليطاني ستكون منزوعة السلاح، وأن الجيش الإسرائيلي سيبقى في المنطقة الأمنية حتى “الخط الأصفر”، بما يشمل محيط قلعة الشقيف، مع منع عودة السكان إلى بعض المناطق.

كما أكد أن إسرائيل ستحتفظ بحرية العمل العسكري داخل لبنان، بما في ذلك استهداف بيروت رداً على أيّ هجمات مستقبلية.

وتعكس هذه التصريحات فجوة واسعة بين المقاربتين اللبنانية والإسرائيلية. فبينما تتحدث بيروت عن وقف للحرب وانسحاب إسرائيلي كامل وعودة السكان إلى قراهم، تتحدث إسرائيل عن ترتيبات أمنية طويلة الأمد تستند إلى الوقائع التي فرضتها قواتها على الأرض.

ورغم ذلك يتمسك المسؤولون اللبنانيون بمسار التفاوض باعتباره الخيار الوحيد القادر على وقف الحرب. وكان رئيس الجمهورية جوزاف عون وصف البيان الصادر عن الجولة الرابعة من المفاوضات بأنه الفرصة الأخيرة للوصول إلى وقف شامل ونهائي لإطلاق النار.

كما وجّه عون انتقادات شديدة إلى أمين عام حزب الله نعيم قاسم بشأن رفض الحزب لاتفاق وقف إطلاق النار.

ومن جهته، شدد رئيس الحكومة نواف سلام على أن التفاوض يمثل الطريق الأسرع والأقل كلفة على لبنان واللبنانيين، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستشمل انتشار الجيش اللبناني في مناطق محددة كخطوة أولى على طريق استعادة الدولة دورها الكامل.

وأكد سلام أن خلو جنوب الليطاني من السلاح والمسلحين ليس مطلباً جديداً، بل التزام تعهد به لبنان منذ إقرار القرار 1701 عام 2006، معتبراً أن حصرية السلاح بيد الدولة تشكل جزءاً من الالتزامات التي تأخر تنفيذها لسنوات، محذراً من أن تضييع الفرصة الحالية قد تكون له تداعيات خطيرة على مستقبل لبنان والجنوب.

إلى أين؟

يربط القزح أيّ توقف للتقدم الإسرائيلي بعاملين متلازمين: ضغط أميركي من جهة، ووقف حزب الله إطلاق الصواريخ والمسيّرات باتجاه شمال إسرائيل من جهة أخرى.

أما نعيم، فيرى أن مستقبل الحرب تحدده ثلاثة ملفات رئيسة: مسار المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، والحسابات السياسية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومستقبل سلاح حزب الله.

وبحسب نعيم، فإن إسرائيل “لن تتخلى عن المناطق التي وصلت إليها قبل التوصل إلى ترتيبات واضحة تتعلق بملف سلاح الحزب، مشيراً إلى أن النقاش المطروح حالياً لا يدور حول مبدأ تسليم السلاح بحد ذاته، بل حول الآلية التي يمكن أن تتم بها هذه العملية من دون أن يظهر حزب الله بموقع المهزوم”.

في المحصلة، فتح رفض حزب الله لاتفاق وقف إطلاق النار الباب أمام مرحلة جديدة من الضبابية، بحيث لم تعد الهواجس مرتبطة فقط بإمكانية استمرار الحرب، بل أيضاً باتت تشمل شكل الجنوب بعد انتهائها.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا