آخر الأخبار

لهذا فشلت ألمانيا في الحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن

شارك

فشلت ألمانيا في الحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي، وعزت الصحف الألمانية بمختلف توجهاتها السياسية تلك الهزيمة المؤلمة إلى ازدواجية المعايير والانتقائية في تطبيق القانون الدولي.

وفي العادة لا تغادر صحف محافظة مثل فرانكفورتر ألغماينه ودي فيلت منطلقاتهما التقليدية في السياسة الخارجية القائمة على دعم التحالفات الغربية والأولويات الأمنية، فيما تميل صحف أخرى محسوبة على اليسار واليسار الليبرالي مثل دير شبيغل وزود دويتشه إلى مقاربات أكثر نقدا لسياسات حكومة برلين.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "انتقام سياسي" وانشقاق.. 4 جمهوريين يعارضون سلطة ترمب في حرب إيران
* list 2 of 2 من الكونغرس إلى تل أبيب.. لبنان "الإسفين" الذي يهز عروش التحالفات end of list

ولأنه من النادر أن تتفق الصحف الألمانية بمختلف توجهاتها السياسية على موقف موحد حيال قضية خارجية مهمة، فإن ظهور تقاطعات أو إجماع بين وسائل إعلام تحسب على اتجاهات فكرية مختلفة يؤشر في الغالب إلى أهمية القضية المطروحة أو إلى وجود تحول في المزاج السياسي.

وبالفعل طرحت أمس إحدى هذه القضايا المهمة في نيويورك لا في برلين، بعد أن ظلت الصحف اليسارية منذ أيام تحذر من مغبة فشل الدبلوماسية الألمانية في الحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن في هذه الأوقات المضطربة، بل وتتنبأ بهذا الفشل.

مصدر الصورة وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يتحدث للصحافة عقب انتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (الفرنسية)

وعندما وقعت الواقعة وأعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة فوز النمسا والبرتغال بالمنصب الذي يبدأ في 1 يناير/كانون الثاني المقبل على حساب ألمانيا، اتفقت جميع الصحف الألمانية على اختلاف توجهاتها على تحميل حكومة المستشار فريدريش ميرتس جانبا كبيرا من المسؤولية.

واعتبرت الصحف أن ازدواجية المعايير والتعامل الانتقائي مع القانون الدولي هما السبب المباشر في فشل ألمانيا لأول مرة في الحصول على المقعد، وبالتالي إضعاف فرصها داخل المنظمات الدولية وتقليص الدعم الدولي الذي كانت تحظى به تقليديا.

إعلان

وقد استحوذت عناوين مثل "تكلفة الغرور والتنكر للمبادئ" من دير شبيغل، و"العالم يسحب الثقة من ألمانيا" من زود دويتشه تسايتونغ و"الغرور الألماني" من دي تسايت و"انتكاسة في نيويورك" من دي فيلت، على افتتاحيات الصحف والمجلات الألمانية اليوم وعكست امتعاضا واضحا من فشل وزير الخارجية المحافظ يوهان فاديفول في الفوز بالمقعد.

ورأت الصحف أن هذا الأمر يعد ضربة لهيبة ألمانيا في المحافل الدولية وإضعافا لمطالبها بإصلاح مؤسسات الأمم المتحدة، وسيفقد الدولة الأكبر في الاتحاد الأوروبي من ناحية الاقتصاد وعدد السكان، نفوذا دبلوماسيا مهما في الأمم المتحدة.

مصدر الصورة مرشدون بحملون صناديق الاقتراع خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين (الفرنسية)

انتقاد خجول للاستيطان الإسرائيلي

وفي مقال رأي لمسؤول السياسة الخارجية في مجلة دير شبيغل كريستوف شولت، تقول المجلة إن السياسة الخارجية الألمانية حققت على مدى عقود، نجاحا واضحا بفضل نهج يقوم على تقديم ألمانيا للعالم كقوة سلام تدافع عن القانون الدولي الإنساني وتخصص أموالا كبيرة للمساعدات التنموية.

وقد انعكس هذا النهج على المكانة التي حظيت بها برلين داخل الأمم المتحدة، حيث كانت تفوز بانتظام بمقعد غير دائم في مجلس الأمن كلما ترشحت لهذا المنصب، لكن هذه المرحلة انتهت -كما تقول المجلة- بسبب وجود فجوة كبيرة بين الصورة التي ترى فيها ألمانيا نفسها وبين نظرة العالم إليها، وهذه الفجوة ظهرت بوضوح عندما فشلت حكومة برلين في الحصول في الجولة الأولى من التصويت على مقعد في مجلس الأمن.

ويضيف المقال أن الحكومة الألمانية ما زالت تتجنب حسم موقفها القانوني من ملف فنزويلا، كما لم يصدر المستشار ميرتس تقييما قانونيا للهجمات الأمريكية والإسرائيلية في حرب إيران، معتبرا أن الوقت غير مناسب لانتقاد الحلفاء.

وفيما يتعلق بإسرائيل، تكتفي برلين بإدانة الاستيطان وعنف المستوطنين لفظيا، لكنها تعارض اتخاذ إجراءات أو عقوبات أوروبية ضد الحكومة الإسرائيلية، وفي قضية غزة، لم تتبن موقفا واضحا بشأن الاتهامات الموجهة لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب رغم تراجعها عن التدخل لصالح إسرائيل في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية.

مصدر الصورة الصحافة الألمانية تحمل سياسة المستشار ميرتس مسؤولية الفشل (أسوشيتد برس)

ويخلص المقال إلى أن برلين أخطأت عندما اعتقدت أن مساهماتها المالية الكبيرة في الأمم المتحدة تكفي لضمان فوزها بالمقعد، كما أن محاولتها منافسة شركاء أوروبيين على المقعد لم تكن خطوة منسجمة مع طبيعة التعاون مع الدول الأوروبية الأخرى.

توزيع الهدايا لا يكفي وحده

ورغم كل ما بذلته ألمانيا -كما تقول صحيفة "تاتس" ذات التوجه اليساري- من توزيع الهدايا الرمزية والحملات الدعائية والحراك الدبلوماسي المكثف لوزير الخارجية فاديفول، فإن ذلك لم يكن كافيا من أجل الحصول على المقعد.

وحملت الصحيفة رئيس الحكومة المستشار فريدريش ميرتس المسؤولية الرئيسية لهذا الإخفاق قائلة إن "ميرتس أعلن بثقة عن دور قيادي جديد لألمانيا في العالم، لهذا كان هذا الإخفاق بمثابة ضربة مؤلمة له، إذ انتقدت دول عربية وأفريقية قبل التصويت ما اعتبرته ازدواجية في المعايير الألمانية تجاه الشرق الأوسط وجرائم الحرب والانتهاكات في قطاع غزة".

إعلان

وختم المقال بالتأكيد على أن الدرس الأهم من هذه الخسارة يتمثل في ضرورة تعزيز مصداقية السياسة الخارجية الألمانية واستعادة الثقة الدولية بها، لأن التردد والابتعاد عن اتخاذ مواقف واضحة لم يعودا خيارا مطروحا إذا أرادت ألمانيا استعادة دعم المجتمع الدولي في المستقبل.

مواقف المستشار خلال العام الماضي ساهمت في إضعاف صورة ألمانيا كمدافع ثابت عن القانون الدولي

الغرور الألماني

أما الصحيفة الأسبوعية النخبوية "دي تسايت" فقد عنونت امتعاضها من الفشل الألماني بمقال بعنوان "الغرور الألماني"، وقالت مراسلتها في نيويورك ريكه هافريتس إن "الكارثة في السياسة الخارجية الألمانية وقعت عندما أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة نتائج الجولة الأولى من التصويت، فتعالت الاحتفالات في صفوف وفدي البرتغال والنمسا، في حين اكتفى وزير الخارجية الألماني بالتصفيق بهدوء، علما أن صدمته كانت واضحة".

واستبعدت الصحيفة أن يكون تأخر ألمانيا في تقديم طلب العضوية هو سبب فشلها، وقالت إن "الأمر يتعلق بموقف ألمانيا من القانون الدولي ومن الصراع في الشرق الأوسط"، مشيرة إلى أن مواقف المستشار خلال العام الماضي ساهمت في إضعاف صورة ألمانيا كمدافع ثابت عن القانون الدولي، وذلك بسبب تبرير بعض العمليات العسكرية التي نفذها حلفاء برلين بدلا من تقييمها بوضوح وفق المعايير القانونية الدولية.

وخلصت الكاتبة إلى أن حملة الترشح الألمانية كشفت مشكلة أعمق في النظرة الألمانية إلى الأمم المتحدة، وهي الاعتقاد بأن لها حقاً شبه تلقائي في الحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن كل 8 سنوات.

ورأت الكاتبة في هذا التصور نوعا من الغرور السياسي الذي لا يلقى قبولا لدى كثير من الدول، خصوصا عندما لا تكون المواقف الألمانية حاسمة ومتسقة في القضايا الدولية الأساسية.

مصدر الصورة ممثلو النمسا يتفاعلون بعد فوزهم بمقعد عضو غير دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (الفرنسية)

لا مجال لتبرير الهزيمة

من جانبها رأت صحيفة "زود دويتشه" أن "الأمر الجيد في الهزيمة الألمانية هو أنها كانت واضحة ومؤلمة إلى درجة تجعل أي محاولة لتجميلها أمرا غير ممكن، وبالفعل أخفقت ألمانيا في دخول مجلس الأمن الدولي بصورة فاضحة، مما يجعل هذا الفشل حدثا يعكس مشاكل أوسع في السياسة الخارجية الألمانية".

ويرى المقال أن فوز البرتغال والنمسا بوصفهما دولتين أصغر حجما من ألمانيا "يؤشر إلى أسباب سياسية لهذه الهزيمة، إذ تبين أن افتراض تأييد الدول الصغيرة لألمانيا بشكل تلقائي كان خطأ كبيرا وسيكون الأمر أكثر خطورة إذا اتضح أن كثيرا من الدول لم تعد تنظر إلى ألمانيا باعتبارها مدافعا موثوقا عن النظام الدولي".

ويتوقع المقال أن تكشف التحقيقات والتحليلات اللاحقة أن موقف ألمانيا من الصراع في الشرق الأوسط كان أحد العوامل المؤثرة في التصويت.

وخلصت الصحيفة إلى أن الرسالة الأساسية للتصويت كانت واضحة وهي أن ألمانيا لم تعد تستطيع الاعتماد على رصيدها التاريخي وحده، بل عليها أن تعمل باستمرار على الحفاظ على مصداقيتها وثقة المجتمع الدولي فيها، كما أن الفشل في الحصول على المقعد شكل رسالة مؤلمة لكنها ضرورية، لأن الدروس التي لا تؤلم لا تحدث تغييرا حقيقيا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا