في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تخوض روسيا حربا مباشرة مع أوكرانيا، لكن على الجانب الغربي من القارة الأوروبية تتصاعد المخاوف من تكتيكات الحرب الهجينة غير المرئية وأهدافها الحيوية، وفي مقدمتها البنية التحتية لقطاع الطاقة الحيوي.
ويقول المعهد الأوروبي للدراسات الأمنية، في تقرير حديث له، إن روسيا تشن بالفعل حربا هجينة موازية مستهدفة كابلات الكهرباء وخطوط أنابيب الغاز في بحر البلطيق، كاشفة عن نقاط ضعف عميقة في قلب نظام الطاقة الأوروبي.
ويذكر أيضا الأمين العام المساعد لحلف الناتو، جان شارل إيلرمان كينغومب، في التقرير أن "غزو روسيا لأوكرانيا يُظهر بوضوح أن البنية التحتية للطاقة الأوروبية هدف ذو أولوية بالنسبة لروسيا".
ويستحضر مؤتمر برلين حول أمن الطاقة الذي نُظم يوم الثلاثاء بمشاركة دول الاتحاد الأوروبي وأعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) وأوكرانيا، هذه التحفظات من جديد، مع تحول "البنية التحتية الحيوية للطاقة إلى خط مواجهة أول في الصراع الجيوسياسي"، كما أشار إلى ذلك وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول.
فكسب الحرب لم يعد يتوقف عند القدرة على توجيه المدافع نحو العدو، بقدر ما بات يتوقف على القدرة على تأمين المنشآت الحيوية ومنها الطاقة أولا، لذلك يعتقد فاديفول أن ألمانيا والغرب اليوم في حاجة إلى فهم جديد لأمن الطاقة "باعتباره قضية أمنية شاملة تتعلق بقدرة المجتمع والاقتصاد على الصمود بوجه نمط جديد من الحرب الموجهة".
يمكن فهم مدى شراسة هذه الحرب وتداعياتها الخطيرة على مسار الصراع والاقتصاد وحياة المدنيين، من خلال ما ظهر في نزاع روسيا وأوكرانيا من مؤشرات للحروب الهجينة والموجهة:
على الجانب الآخر، ومنذ بدء حملتها في أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، قلصت روسيا أو أوقفت نشر العديد من البيانات الحساسة، بما في ذلك إنتاج النفط. لكن الأضرار على الأرض لا يمكن إنكارها مع تصعيد أوكرانيا هجماتها على البنية التحتية للطاقة في روسيا باستخدام الطائرات المسيرة، وهي مواجهة برعت فيها بشكل لافت.
كانت لروسيا وأوكرانيا أهداف متباينة في الحرب، بين التركيز الروسي على شل البنية الكهربائية الأوكرانية وإشاعة الإحباط في صفوف المدنيين خاصة خلال فصل الشتاء، مقابل التركيز الأوكراني على استنزاف النفط الروسي لتحجيم مصادر تمويله للحرب، وفي كلتا الحالتين كانت هناك دروس مستفادة للأوروبيين في "الحرب الموجهة".
وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي لحقت بمنشآت الطاقة في أوكرانيا فإن سياسات الدفاع التي اعتمدتها كييف بجانب نظام اللامركزية في إنتاج الطاقة، قد مكّنت من احتواء الهجمات الروسية.
وقد وصف وزير الخارجية الألماني قدرة أوكرانيا على إدارة الأزمات في مواجهة الهجمات الروسية المستمرة على بنيتها التحتية بأنها "نموذج يحتذى به"، حيث أظهرت، وفق تقديره، قدرة مذهلة على التكيف والابتكار في مجال الطاقة، رغم الضغوط الضخمة.
كما لم يغفل فاديفول أهمية تعزيز القدرة على المجابهة عبر "اللامركزية"، قائلا إن "الأنظمة شديدة المركزية قد تبدو فعّالة في أوقات السلم، لكنها قد تصبح شديدة الهشاشة في أوقات الأزمات".
وبالعودة إلى تقرير للوكالة الدولية للطاقة يمكن فهم مدى فعالية نظام اللامركزية الذي توخته أوكرانيا لتفادي الانهيار في إنتاج الطاقة وتعزيز صمودها في وجه الهجمات، فضلا عن أنه يرسي لمسار انتقالي طويل الأجل.
ففي حين تمثل وحدات التوليد الكبرى أهدافا سهلة للصواريخ وهجمات الطائرات المسيرة، توجهت الحكومة الأوكرانية مبكرا نحو نشر أنظمة توليد لامركزية، مثل توربينات الغاز المعيارية الصغيرة التي تتراوح قدرتها بين 5 و40 ميغاواط، وإلى تسريع نشر أنظمة الطاقة الشمسية على الأسطح مع تخزينها في المباني الإدارية والمستشفيات والمدارس والمنازل والشركات.
ومع بداية عام 2024، كان هناك ما يقرب من 1500 ميغاواط من أنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية قد جرى تركيبها بالفعل، مع استمرار النشر بوتيرة منتظمة في الفترات اللاحقة، وفق وكالة الطاقة الدولية.
لكن بجانب الدروس المستفادة، هناك ما يبرر تلك المخاوف التي أطلقها وزير الخارجية الألماني من أجل تعزيز أمن البنية التحتية للطاقة في ألمانيا وأوروبا عموما، فالهجوم الذي تعرض له خط "نورد ستريم" في 2022، وهو الأكبر منذ عقود مثّل نقطة تحول في مخاوف الاتحاد الأوروبي من هجمات روسية هجينة مماثلة في المستقبل.
وقد أثار الهجوم أسئلة ملحة حول مدى قدرة الاتحاد على تأمين بنيته التحتية شديدة الترابط والتأثر، خاصة بعد رصد هجمات متواترة بعد هجوم "نورد ستريم"، ما عزز المخاوف بما فيه الكفاية من مخاطر محدقة:
في تقدير الاتحاد الأوروبي لم تكن هذه الحوادث معزولة، بل تعكس إستراتيجية ممنهجة تتبعها روسيا لتقويض أمن الطاقة في أوروبا، وهو ما أشار إليه تقرير صدر عن "المعهد الأوروبي للدراسات الأمنية"، حيث دعا بشكل واضح إلى تأمين مراكز الطاقة والبنية الحيوية لضمان الجاهزية للحرب.
منذ 2022 وبعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، زادت أوروبا من الدوريات البحرية لحماية الكابلات والمنشآت البحرية، وعززت التعاون مع حلف شمال الأطلسي، كما رفعت الإنفاق على الأمن السيبراني.
ومع ذلك تستند المخاوف الأوروبية اليوم وبشكل أساسي، وفق الخبراء، إلى ترابط بنية الطاقة لديها، ولا سيما تلك المنتشرة في البحر، ذلك أن أي استهداف أو تعطيل محدود لها، يؤدي بالنتيجة إلى تأثير كبير على الاقتصاد الأوروبي وارتفاع حاد في الأسعار.
وبشكل عام تتوزع المخاوف الأوروبية من حصول هجمات على أكثر من هدف أبرزها:
ومع كل تلك المخاوف، أوضح الوزير الألماني يوهان فاديفول، أن منشآت الطاقة تحتاج إلى حماية أفضل فعالية ضد أعمال التخريب، وهجمات الطائرات المسيرة والإرهاب، من بين أمور أخرى لا غنى عنها، مثل القدرة على الاستجابة السريعة في إصلاح المنشآت وتوفير مخزونات المواد اللازمة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة