قال مصدر في الحكومة اللبنانية لـ”الحرة” إن “المرحلة المقبلة ستشهد إجراءات وقرارات تطال مؤسسات مرتبطة بالجانب المالي لحزب الله”، في مؤشر إلى أن المحادثات مع إسرائيل، برعاية أميركية، تتجه إلى ملفات تتجاوز وقف إطلاق النار على الحدود.
وقال المسؤول، الذي طلب عدم ذكر اسمه لمناقشة محادثات حساسة، إن “استمرار التصعيد الميداني (بين حزب الله وإسرائيل) يفرض تحديات إضافية أمام مسار التفاوض، خصوصا مع اتساع نطاق الاستهدافات في بعض المناطق اللبنانية”.
ورغم تمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل 45 يوما إضافية، لم يتحول الاتفاق إلى تهدئة كاملة. فما زالت إسرائيل وحزب الله يتبادلان إطلاق النار، فيما لا يزال آلاف النازحين غير قادرين على العودة إلى بلدات وقرى حدودية دمرتها الحرب أو باتت داخل مناطق تعتبرها إسرائيل ضرورية لأمنها.
وجاء التمديد بعد جولة محادثات في واشنطن هدفت إلى منع انهيار الاتفاق وإبقاء القنوات مفتوحة بين الطرفين. لكن القضايا الأكثر صعوبة لم تُحسم بعد، وفي مقدمتها مستقبل القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، وما إذا كانت الدولة اللبنانية قادرة، أو مستعدة، لفرض قيود فعلية على سلاح حزب الله في الجنوب.
وقال الوفد اللبناني، في بيان بعد محادثات يومي 14 و15 أبريل في واشنطن ، إن اللقاءات الثلاثية مع الولايات المتحدة وإسرائيل حققت “تقدما دبلوماسيا ملموسا” للبنان، واعتبر أن تمديد وقف إطلاق النار وفتح مسار أمني برعاية أميركية يمنحان بيروت فرصة لاحتواء التصعيد وتعزيز دور مؤسسات الدولة.
ومن المقرر أن تُستأنف المحادثات مطلع يونيو، على أن تسبقها اجتماعات أمنية منفصلة بين ضباط لبنانيين وإسرائيليين في البنتاغون في 29 مايو.
حدّد الرئيس اللبناني جوزاف عون إطار التفاوض مع إسرائيل بخمسة عناوين: انسحاب القوات الإسرائيلية، تثبيت وقف إطلاق النار، انتشار الجيش اللبناني على الحدود، عودة النازحين، والحصول على مساعدات اقتصادية أو مالية للبنان.
لكن المصدر الحكومي اللبناني نفسه قال لـ”الحرة” إن الورقة الأهم التي تحملها بيروت إلى المحادثات هي طرح “السلام مقابل مطالب لبنان”، في محاولة لتحويل التفاوض من نقاش أمني ضيق إلى مسار سياسي أوسع.
وقال المصدر إن لبنان يستند إلى القانون الدولي وحقه السيادي في أرضه، بينما تدخل إسرائيل المفاوضات من موقع قوة، مستفيدة من تفوقها العسكري ومن دعم دولي يمنحها هامشا أوسع للتحرك.
وفي هذا السياق، لم يكن تمديد الهدنة مفاجئا، بحسب نضال السبع، الباحث في الشأن السياسي، الذي قال لـ”الحرة” إن واشنطن، بصفتها الراعي الرئيسي للمفاوضات، لم تكن لتدفع نحو استكمال المسار السياسي في وقت ينهار فيه وقف إطلاق النار.
وقال السبع إن أجواء اليوم الأول من الاجتماعات بدت متوترة، وسط حديث عن تعقّد المفاوضات، قبل أن تظهر لاحقاً مؤشرات إلى تقدم محدود، تمثل في إطلاق مسارين متوازيين: أحدهما أمني والآخر سياسي.
ويرى المحلل السياسي خالد الحاج أن مؤشرات تمديد الهدنة كانت قائمة حتى قبل بدء الاجتماعات، بسبب رغبة الولايات المتحدة في احتواء التصعيد ومنع المواجهة من التوسع.
وقال الحاج لـ”الحرة” إن تفاصيل المفاوضات لا تزال غامضة، في ظل غياب محاضر رسمية واعتماد معظم الروايات على التسريبات. لكنه أضاف أن مطالب الطرفين باتت واضحة إلى حد كبير.
خلف التهدئة الهشة، تبقى مسألة سلاح حزب الله العقدة الأصعب في أي مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل. فقد قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن المحادثات مع لبنان تتناول “كيفية العمل سياسيا وأمنيا للتعامل مع حزب الله”، معتبرا أن هذا الهدف “لم يتحقق بعد”.
في المقابل، جدد حزب الله رفضه للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، معتبرا أنها تؤدي إلى “تعزيز وزيادة المكتسبات الإسرائيلية على حساب لبنان وأهله”.
ويقول المصدر الحكومي اللبناني إن “أي معالجة نهائية لملف السلاح ترتبط بعوامل داخلية وإقليمية متشابكة”، مشيرا إلى أن موقع الدولة اللبنانية سيبقى ضعيفا ما دام القرار النهائي في هذا الملف مرتبطا بحسابات إيران.
وترى إسرائيل، بحسب الباحث السياسي نضال السبع، أن أي انسحاب من الأراضي اللبنانية يجب أن يرتبط بتقدم ملموس في ملف سلاح حزب الله. ويقول السبع إن تعثر الدولة اللبنانية في هذا المسار يمنح إسرائيل، من وجهة نظرها، مبررا للإبقاء على وجود عسكري داخل ما تصفه بالمنطقة الأمنية.
ويضيف السبع أن من بين الأفكار المطروحة إنشاء لواء خاص تابع للجيش اللبناني، يضم عناصر لا يُنظر إليهم على أنهم قريبون من حزب الله، على أن يتولى هذا اللواء مهمات أمنية جنوب الليطاني وشماله.
أما المحلل السياسي خالد الحاج فيرى أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في مضمون أي تفاهم أمني جديد، بل في آلية تنفيذه. ويقول إن التجربة الأخيرة أظهرت صعوبة ضمان عدم وجود بنى عسكرية أو مخازن أسلحة في الجنوب اللبناني.
ويضيف الحاج أن السؤال المطروح الآن هو ما الذي ستفعله الدولة اللبنانية بشكل مختلف هذه المرة، وما الضمانات التي يمكن أن تقدمها لإقناع إسرائيل بالانسحاب من المناطق التي دخلتها.
وأشار إلى وجود حديث عن خرائط إسرائيلية عُرضت خلال المفاوضات، وتتضمن مواقع تقول إسرائيل إنها تابعة لحزب الله داخل لبنان. وبحسب الحاج، فإن الدولة اللبنانية ستكون مطالبة بخطوات عملية، سواء لإثبات قدرتها على استعادة سيادتها أو لاختبار قدرتها على مواجهة الحزب في ملف السلاح.
رغم تمديد الهدنة، لم تهدأ الجبهة اللبنانية. فالعمليات العسكرية لا تزال مستمرة، فيما تقول إسرائيل إنها ستواصل التحرك ما دامت ترى أن التهديد على حدودها الشمالية لم ينته.
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش الإسرائيلي يواصل عملياته بهدف “حماية مستوطنات الشمال وإعادة الأمن إلى سكانها”، مؤكدا أن إسرائيل ستستمر في التحرك ضد أي تهديد حتى تحقيق أهدافها الأمنية.
ويرى نضال السبع أن واشنطن تحاول فصل المسار اللبناني عن التوترات الأوسع في المنطقة، لكن أي مواجهة واسعة مع إيران ستنعكس، على الأرجح، مباشرة على الجبهة اللبنانية. أما خالد الحاج فيحذر من أن فشل المفاوضات، أو تعثر تنفيذ أي تفاهمات أمنية، قد يدفع إلى تصعيد أوسع داخل لبنان.
وبذلك يبقى لبنان عالقا بين هدنة لم تتحول بعد إلى استقرار، ومفاوضات تصطدم بالأسئلة نفسها: من يضمن أمن الحدود، من يملك قرار السلاح، ومتى تنسحب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي احتلتها؟
المصدر:
الحرة