حين يسكت دوي القذائف، ترتفع أصوات سجال آخر لا يقل ضراوة عن المعركة ذاتها؛ سجال الحقوق والمسؤوليات وفواتير التعويضات المتراكمة خلف كل قذيفة وكل صاروخ باليستي وكل طائرة مسيرة.
وفي أعقاب الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، وجدت دول الخليج نفسها في واحدة من أعنف المواجهات العسكرية التي شهدتها المنطقة منذ عقود، وإن لم تكن طرفا في إشعال فتيلها، حيث وقعت بنيتها التحتية تحت وطأة أكثر من 5 آلاف ضربة صاروخية وبالطائرات المسيّرة خلال الأسابيع الأولى، وتكبّدت خسائر تتراوح بين 170 و200 مليار دولار في منشآتها الحيوية والنفطية.
وهنا، يبرز سؤال جوهري: هل تملك دول الخليج حق المطالبة بتعويضات عن كل هذا الدمار؟
والإجابة القانونية واضحة، والنصوص الدولية تؤيدها، لكن المسافة بين الحق المكتوب وتطبيقه الفعلي تمتد عبر متاهة من التعقيدات السياسية وموازين القوى، حسب تحليلات خبراء القانون والعلاقات الدولية في تصريحاتهم للجزيرة نت.
وهناك تحرك خليجي منسق ظهر في أروقة مجلس الأمن وفي رسائل دبلوماسية رسمية، سعى إلى تحويل عبء الكلفة من الدول المتضررة إلى الطرف المعتدي، وأشار الخبراء إلى أن هذه الخطوات تستلهم سوابق دولية راسخة أثبتت أن التعويضات ليست ترفا قانونيا، بل تمثل أيضا أداة ردع إستراتيجية.
غير أن الواقع يكشف عن أن إيران لم تُهزم، وأن القانون الدولي يفتقر إلى آليات تنفيذ مركزية تلزم الطرف المعتدي بالامتثال، وذلك ضمن سياق حرب لم تبرد فوهات مدافعها إلا على وقع هدنة هشّة قد يثور لهيبها في أي لحظة، وفي وقت تجري فيه مفاوضات شاقة في كواليس الدبلوماسية الدولية تشبه السير في حقل ألغام نتيجة تصريحات متضاربة وتوترات تصعد إلى الواجهة مع كل حادثة جديدة بين احتجاز السفن واشتباكات بمضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط مجددا.
ووجدت دول الخليج نفسها في أتون هذه الحرب رغما عنها، وحسب بيانات وتقارير فقد شنّت إيران أكثر من 5200 هجوم صاروخي وبالطائرات المسيّرة على دول الخليج خلال الشهر الأول وحده، كما أظهرت الأرقام أن نحو 80% من مجمل الضربات الإيرانية وُجهت نحو هذه الدول، مقابل 20% فقط باتجاه إسرائيل.
وعلى صعيد الخسائر، استُهدفت مصافي النفط ومنشآتها والموانئ في قطر والسعودية والكويت والإمارات وعمان والبحرين مما أسفر عن تعطيل نحو 20% من طاقتها التصديرية.
وفي سياق هذه الأضرار الضخمة، يُقدّر الأكاديمي والكاتب العماني محمد بن عوض المشيخي حجم الخسائر المتعلقة بالبنى الأساسية والمرافق النفطية في دول الخليج بما يتجاوز 170 مليار دولار، في حين ترتفع بعض التقديرات إلى ما يزيد على 200 مليار دولار أمريكي، "وهي خسائر تأتي في ظل حرب لم تصل إلى هدنة واضحة ولم نتأكد أنها توقفت تماما".
وقد أسفرت هذه الهجمات عن اضطراب غير مسبوق في حركة الملاحة الجوية، إذ ألغيت أكثر من 5400 رحلة في 7 مطارات خليجية خلال أول يومين فقط من الحرب، في حين تجاوز عدد الرحلات الملغاة في المنطقة 50 ألف رحلة حتى نهاية مارس/آذار 2026.
وعلى الصعيد الاقتصادي الأشمل، يصف المشيخي -في تصريحاته للجزيرة نت- الوضع بأنه "غير مسبوق في دول الخليج، مع ركود اقتصادي وتراجع في النمو إلى مستوى قريب من الصفر"، مشيرا إلى أن هذه الدول تحتاج إلى 10 سنوات قادمة على الأقل لاستعادة وضعها الاقتصادي وإعادة النفط والغاز والمرافق إلى حالتها السابقة.
القانون الدولي في جوهره قواعد أُسست على مبدأ عدالة بسيط: كل فعل غير مشروع دوليا يُرتّب مسؤولية على مرتكبه، ويُلزمه بجبر الضرر. وهذا المبدأ تجسد في مشروع مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليا الذي أقرّته لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة، ليصبح مرجعا شبه ملزم في الممارسة الدولية المعاصرة.
وبموجب هذا الإطار القانوني، يرى أستاذ القانون الدولي بالجامعة العربية الأمريكية رائد أبو بدوية أن استهداف المنشآت المدنية والاقتصادية الخليجية -كالمطارات والمنشآت النفطية- خارج إطار الضرورة العسكرية المشروعة يشكل انتهاكا صريحا يفتح الباب للمطالبة بالتعويض، مستدلا بأن " القانون الدولي العام يقوم على مبدأ أساسي مفاده أن كل فعل غير مشروع دوليا يرتب مسؤولية على الدولة التي ارتكبته، ويُلزمها بجبر الضرر".
غير أن الإقرار بالحق شيء، وإمكانية تفعيله شيء آخر مختلف تماما، فالقانون الدولي يفتقر إلى سلطة تنفيذ مركزية قادرة على فرض الأحكام بشكل مباشر، وهنا تبدأ الإشكالية الحقيقية التي يُقرّ بها الدكتور المشيخي حين يرى أنه "من الناحية القانونية يحق لدول الخليج المطالبة بتعويضات"، لكنه يُلفت إلى أن "القانون الدولي لا يلزم أي طرف، والدليل على ذلك أن الحرب نفسها قامت بخلاف القانون".
وتتشابك في هذا السياق جملة من التحديات؛ فمنذ اندلاع الحرب وجدت دول الخليج نفسها في موقف حرج: فقد استُهدفت دون أن تكون طرفا في قرار الحرب، وتضرّرت دون أن تُعطى ضمانات حماية كافية، حسب ما أشار إليه الأكاديمي العماني.
لا تُقرأ قضية التعويضات الخليجية في فراغ قانوني مجرد، بل في سياق نظام دولي تتحكم فيه موازين القوى بقدر لا يقل عما تتحكم فيه النصوص، ولذلك تتعدد المسارات الممكنة، وتتباين في جدواها وفق درجات من التعقيد السياسي.
ويستعرض أستاذ القانون الدولي 4 مسارات رئيسية:
وفي هذا السياق، يُضفي المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية الدكتور خالد الجابر بُعدا عمليا على هذا الحديث القانوني، إذ يرصد تحركات ميدانية فعلية جرت خلال الأسابيع الأخيرة، قائلا إن "قطر والسعودية والبحرين والإمارات والكويت شهدت تحركا منسقا وواسع النطاق على مستوى المنظمات والمؤسسات الدولية، خاصة داخل مجلس الأمن، وبالاستناد إلى آليات قانونية مثل لجنة الأمم المتحدة للتعويضات، بهدف تحويل الكلفة من عبء تتحمله الدول المتضررة إلى مسؤولية قانونية تقع على الطرف المعتدي".
وحسب تصريحات الجابر للجزيرة نت، فقد تصدّرت قطر هذا المسار، إذ رفعت "رسالة رسمية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي"، واضعة إيران أمام معادلة جديدة لا لبس فيها: "العدوان له ثمن، والثمن سيُدفع".
التاريخ ليس مجرد ذاكرة، بل هو حجة دامغة في عالم القانون الدولي. وحين تستند دول الخليج إلى سوابق تعويضية راسخة، فإنها تُؤطّر مطالبها ضمن تقليد معترف به في المنظومة الدولية المعاصرة، لا باعتبارها مطالب استثنائية أو انتقامية.
ويستحضر المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط هذه السوابق التاريخية، مُستهلا بالنموذج الأكثر قربا من المنطقة: "بعد غزو العراق للكويت عام 1990، حيث أنشأت الأمم المتحدة لجنة التعويضات التي ألزمت العراق بدفع مليارات الدولارات للضحايا". وهو نموذج يُثبت -حسب قراءته- أن التعويض ليس مسألة قانونية مجردة، بل هو في جوهره نتاج توازنات القوى داخل النظام الدولي، حين تتوافر الإرادة السياسية.
غير أن أبو بدوية ينبه إلى نقطة جوهرية تتعلق بالاختلاف الجوهري بين نموذج الكويت والوضع الحالي لدول الخليج، إذ إن "إيران لم تهزم، ولا تزال تملك الإمكانات التي تجعل فرض التعويضات عليها أمرا مُعقّدا".
ويعود الجابر ويضرب مثالا أبعد في الزمان وأعمق في الدلالة، فقد "دفعت ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية ثمن عدوانها عبر اتفاقيات طويلة الأمد كاتفاق لوكسمبورغ مع إسرائيل ودول أوروبا، حيث تحوّلت التعويضات إلى جزء من إعادة اندماجها الدولي". وهنا يتجلى بُعد إستراتيجي أعمق: التعويضات ليست عقوبة مالية فحسب، بل هي بوابة إلزامية نحو إعادة الاعتراف الدولي بالجاني.
ثمة بُعد يتجاوز المطالبة المالية الآنية إلى ما هو أبعد وأعمق أثرا في بنية العلاقات الإقليمية؛ فالتعويض ليس مجرد استرداد لما ضاع، بل هو رسالة للمستقبل مفادها أن العدوان سيكون دائما ذا ثمن لا يُحتمل.
ويُفصح الجابر عن هذه الرؤية حين يقول إن "القيمة الجوهرية لهذا المسار لا تكمن فقط في استعادة الخسائر المادية، بل في تأسيس منظومة ردع مستقبلية جديدة". ويُضيف أنه "عندما يدرك أي طرف أن العدوان سيُترجم إلى فاتورة باهظة تُطارد مسؤوليه اقتصاديا وقانونيا، تصبح الحرب قرارا مكلفا لا مغامرة سياسية قابلة للاحتواء لاحقا"، وعنده "تتحول التعويضات إلى أداة إستراتيجية تكتب مسبقا كلفة الحرب ضمن حسابات الردع".
وقد كشفت المطالبة القطرية -وفق تحليل الجابر للجزيرة نت- عن بُعد رمزي لا يقل عن قيمته العملية؛ فهي "ليست مجرد موقف سياسي، إنها إعلان عن نهاية مرحلة كان الإفلات من المسؤولية يُعتبر فيها قاعدة التعامل الإقليمي". ومن ثمّ، فإن "المسار الذي تطلقه قطر يعتمد على المنهج القانوني الدقيق في تقييم الأضرار وملاحقة المسؤوليات حتى آخر دولار، ليس بأسلوب الدعوات الرمزية، بل عبر أدوات دولية ذات قوة إلزامية".
يصطدم ملف التعويضات الخليجي بحائط صلب مزدوج: فمن جهة، تأتي تعقيدات تحديد المسؤولية في صراع متعدد الأطراف؛ ومن جهة أخرى، تغيب آلية دولية قادرة على إلزام القوى الكبرى بقرارات لا ترغب في تنفيذها.
فعلى صعيد المسؤولية، يُشير أستاذ القانون الدولي في الجامعة العربية الأمريكية إلى أن "القاعدة القانونية واضحة من حيث المبدأ: الدولة المسؤولة عن الفعل الضار هي التي تلتزم بجبر الضرر"، لكن "الواقع العملي قد يكون أكثر تعقيدا، خاصة في الحروب متعددة الأطراف، حيث تتداخل الأدوار بين الفاعل المباشر والداعم غير المباشر". وفي هذه الحالة ثمة تداخل واضح بين إيران بوصفها الطرف الذي شنّ الهجمات مباشرة، والولايات المتحدة وإسرائيل اللتين أشعلتا فتيل الحرب.
وعلى هذا الأساس، يطرح الأكاديمي العماني إشكالية جوهرية مفادها أنه "إذا كانت دول الخليج قد تضررت من إيران، وإيران هي التي استهدفت دول الخليج، فإن المسبب الرئيسي هو أمريكا وإسرائيل من بعدها". وهو يُقرّ بأن إيران "استهدفت المنشآت المدنية مثل المطارات وآبار النفط والمرافق العامة، وهذا بطبيعة الحال مخالف للقانون ويعد جرائم حرب"، لكنه يحذر من تبسيط المسؤولية دون استيعاب السياق الأشمل للصراع.
أما على صعيد آليات التنفيذ، فيحذر المشيخي أيضا من أن القانون الدولي غير كافٍ لأنه معطل، والدول التي لا تحترمه هي أول من تتجاوزه. ويرى أن "إيران لم تُهزم، وبالتالي المنتصر عادة لا يُطبَّق عليه القانون ولا ينفّذ القانون في هذا المجال". وهذا الواقع يُؤطّر المشهد بدقة: "الحق موجود، لكن القدرة على انتزاعه تظل رهينة بتحولات ميدانية وسياسية لم تكتمل بعد".
ويخلص أبو دية إلى أن "أمر الجهة التي تتحمل عبء التعويض يبقى محل تعقيد في الحروب متعددة الأطراف، حيث قد تتوزع المسؤولية أو يعاد تعريفها في إطار تسوية سياسية شاملة".
وبعبارة أخرى، قد يكون التعويض الأكثر واقعية ليس ذلك المنتزع بحكم قضائي مباشر، بل ذلك المدرج ضمن صفقة أشمل تعيد رسم خريطة العلاقات الإقليمية برمتها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة