آخر الأخبار

"البذاءة السياسية".. ماذا تخفي لغة ترامب "غير الدبلوماسية"؟

شارك
يرى خبراء في علم السلوك أن لغة ترامب ليست مجرد كلمات، بل هي سلاح جيوسياسي يعيد تعريف قواعد الاشتباك الدولي.صورة من: Alex Brandon/AP Photo/picture alliance

لطالما اعتُبرت الدبلوماسية فناً يقوم على اللغة المحسوبة والكلمات والحصيفة والرصينة التي تترك مجالاً للمناورة والحلول الوسط. ومع ذلك، جاء دونالد ترامب ليقلب هذه الموازين رأساً على عقب، مستخدماً منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة منصته "تروث سوشيال"، كساحة لمعارك لغوية وجيوسياسية حادة.

ورغم اعتقاد الكثيرين أن ما جاء في خطابات ترامب تجاه إيران يرجع إلى غضبه من عدم استسلام النظام على النحو الذي يرغب فيه ترامب، إلا أن هناك من يرى أن ما يحدث ليس مجرد نوبات غضب عابرة، بل هي استراتيجية متكاملة تعتمد على "الردع بالارتباك" وتوظيف اللسانيات المعرفية للسيطرة على السردية السياسية العالمية، بحسب ما يرى جورج لاكوف أستاذ علم الإدراك واللغويات بجامعة كاليفورنيا في بيركلي في مقال نشره على موقعه الشخصي.

ووفقاً لدراسة سابقة لمعهد بروكينغز، تُعد "لغة ترامب" ظاهرة فريدة في المشهد السياسي الحديث، حيث تجاوزت الأطر الدبلوماسية التقليدية، واستخدمت مفردات وصيغاً غير مألوفة في الخطاب الرئاسي . هذا الأسلوب، الذي وصفه البعض بأنه "غير دبلوماسي"، ليس مجرد تعبير عفوي، بل هو أداة استراتيجية مدروسة تهدف إلى تحقيق أهداف سياسية وجيوسياسية معينة، مستندة إلى مبادئ اللسانيات المعرفية وعلم النفس السياسي.

"اللغة المنحطة" كأداة ردع

استخدم ترامب ألفاظاً حادة ومباشرة، مثل وصفه لخصومه بـ "الأوغاد المجانين" و"المضيق اللعين" (تم تخفيف حدة الكلمات) في سياق تهديداته لإيران ومطالبتها بقتح مضيق هرمز.

هذه "البذاءة السياسية"، كما يصفها البعض، تتجاوز كونها مجرد "نوبة غضب" لتتحول إلى أداة فعالة لكسر قواعد الدبلوماسية التقليدية وخلق حالة من "الردع بالارتباك". ويرى البروفيسور لاكوف أن الهدف من ذلك هو جعل الخصم غير قادر على التنبؤ بردود أفعال ترامب، مما يدفعه إلى الحذر الشديد.

ويشير تحليل لمجلة "شبيغل" الألمانية إلى أن هذا الارتباك يعطل آليات التفكير الاستراتيجي التقليدية، ويجبر الأطراف الأخرى على إعادة تقييم حساباتها، وفقاً لتحليل استخدام ترامب لألفاظ مثل " الأوغاد المجانين " و"المضيق اللعين" وكيف تتحول هذه "البذاءة السياسية" إلى أداة لكسر قواعد الدبلوماسية التقليدية وخلق حالة من "الردع بالارتباك"

وبحسب لاكوف، تعتمد هذه الاستراتيجية على فكرة "اللغة البسيطة" أو "لغة مستوى تلاميذ المدارس". فبدلاً من استخدام المصطلحات المعقدة واللغة الدبلوماسية الرصينة، يفضل ترامب استخدام مفردات مباشرة وعاطفية تخاطب الغرائز والمشاعر الأساسية. هذه اللغة البسيطة تسهل عملية التأثير على الرأي العام وتوجيه الانتباه نحو رسائل محددة.

بحسب لاكوف، تعتمد هذه الاستراتيجية على فكرة "اللغة البسيطة" أو "لغة مستوى تلاميذ المدارس".صورة من: Evelyn Hockstein/REUTERS

تعزيز صورة "المحارب" أو "المنقذ"

أظهر تحليل أجرته صحيفة "نيويورك تايمز لخطابات وتغريدات ترامب زيادة ملحوظة في استخدامه للكلمات "السلبية" و"المطلقة" ، مثل "دائماً" و"أبداً". هذا النمط اللغوي يهدف إلى تعزيز صورة "المحارب" أو "المنقذ"، ويخلق انطباعاً بالثبات والحسم، حتى في ظل المواقف المتغيرة. ويشير التحليل إلى أن استخدام هذه الكلمات المطلقة لا يترك مجالاً للشك أو التفسير، مما يعزز من قوة الرسالة ويجعلها أكثر تأثيراً على المتلقي.

وفقاً للبروفيسور لاكوف ، فإن تكرار ترامب كلمات ومفاهيم معينة، حتى لو كانت بسيطة أو سلبية، يعمل على ترسيخ "إطارات" معرفية في أذهان الجمهور. هذه الإطارات تشكل الطريقة التي يفهم بها الناس الواقع، وتؤثر على استجاباتهم العاطفية والسلوكية، أو ما أطلق عليه ترامب في وقت ما "الحقائق البديلة". وبالتالي، فإن "لغة ترامب"، على الرغم من بساطتها الظاهرية، هي أداة قوية لتشكيل الرأي العام وتوجيه السرد السياسي، وفقاً لنظريات جورج لاكوف حول "التكرار والتأطير"

وفقاً للبروفيسور لاكوف ، فإن تكرار ترامب كلمات ومفاهيم معينة، حتى لو كانت بسيطة أو سلبية، يعمل على ترسيخ "إطارات" معرفية في أذهان الجمهور.صورة من: Evan Vucci/REUTERS

وفي السياق نفسه، فإن دراسات إليزابيث ويلينغ - عالمة اللغويات والباحثة الألمانية المتخصصة في كيفية تأثير اللغة على التفكير السياسي - حول "توجيه الرأي العام عبر المفردات" تدعم هذا التحليل، حيث توضح كيف يمكن لاختيار كلمات محددة أن يؤثر بشكل كبير على كيفية إدراك الجمهور للقضايا السياسية. فباستخدام لغة غير دبلوماسية، يتمكن ترامب من تجاوز الحواجز التقليدية للتواصل السياسي، والوصول مباشرة إلى قاعدة جماهيرية واسعة، مما يعزز من قدرته على التأثير والتحكم في السرد.

نهج هجومي وإنذارات مباشرة

يشير سياسيون وخبراء إلى أن النهج الذي اتبعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تعامله مع إيران يمثل تجسيداً واضحاً لسياسة "حافة الهاوية، حيث اعتمد على تصعيد التهديدات والإنذارات المباشرة لدفع الخصم إلى حافة المواجهة، بهدف انتزاع تنازلات قصوى، بحسب تحليل لموقع فورين بوليسي. ويضيف الموقع أن هذا الأسلوب، الذي يتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية، يهدف إلى خلق حالة من عدم اليقين والضغط النفسي الشديد على الخصم.

ووفقاً لورقة بحثية أعدتها مدرسة هارفارد كينيدي حول الدبلوماسية القسرية فإن خطاب ترامب تجاه إيران تميز بتحديد إنذارات نهائية ذات طبيعة تصعيدية، مستخدماً لغة مباشرة وصادمة. ففي إحدى تغريداته عبر منصة "تروث سوشيال"، هدد ترامب بقصف جسور ومحطات طاقة إيرانية إذا لم يتم إعادة فتح مضيق هرمز، قائلاً: "سيكون الثلاثاء يوم محطات الطاقة، ويوم الجسور، معاً، في حزمة واحدة!!! في إيران".

هذا التحديد الدقيق للزمان والمكان، وإن كان افتراضياً، يهدف إلى إيصال رسالة حازمة ومرعبة حول جدية التهديد، وفقاً لتصريحات ترامب المباشرة عبر منصة تروث سوشيال وتحديد مواعيد دقيقة مثل "يوم محطات الطاقة".

تتجسد ذروة هذا التكتيك في التهديد بـ "إبادة حضارة كاملة"، كما ورد في تغريدة أخرى لترامب: "حضارة بأكملها ستموت الليلة، ولن تعود أبداً"، في سياق تحذيره لإيران.

هذا النوع من التهديد، الذي يتجاوز حدود الصراع التقليدي ويقترب من فكرة الفناء الشامل، يُستخدم كوسيلة ضغط قصوى لفرض "تغيير النظام" أو إجبار إيران على قبول اتفاق مفاجئ بشروط أمريكية. والهدف ليس بالضرورة التنفيذ الفعلي للتهديد، بل استغلال الخوف من العواقب الكارثية لدفع الطرف الآخر إلى الاستسلام أو التراجع، بحسب ما ذكر التحليل الذي أجرته صحيفة "نيويورك تايمز".

لغة خطاب غير مسبوقة؟

بالنظر إلى التاريخ الدبلوماسي، نادراً ما استخدم رؤساء أمريكيون سابقون هذا المستوى من اللغة والتي يستخدمها ترامب، فالدبلوماسية التقليدية تعتمد على قنوات الاتصال السرية، والمفاوضات الهادئة، واللغة المحسوبة التي تترك مجالاً للمناورة. على النقيض، كسر ترامب هذه القواعد، مفضلاً العلنية والصراحة الصادمة، مما أثار تساؤلات حول جدية تهديداته.

والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: هل كان ترامب جاداً في تهديداته بالتدمير الشامل، أم أن هذا كان مجرد "تكتيك تفاوضي" عدواني؟

يقول تحليل لموقع صحيفة "تسايت" الألمانية إن مرونة ترامب المفاجئة، مثل تمديد المهلة أو حديثه عن "فرصة جيدة" للتوصل إلى اتفاق مع إيران بعد فترة وجيزة من التهديدات، تكشف عن طبيعة مزدوجة لنهجه.

فمن جهة، يستخدم التصعيد اللفظي لخلق ضغط هائل، ومن جهة أخرى، يترك الباب مفتوحاً أمام الحلول الدبلوماسية، مما يشير إلى أن التهديدات قد تكون جزءاً من استراتيجية تفاوضية تهدف إلى إضعاف موقف الخصم قبل الدخول في أي محادثات. هذا التناقض الظاهري يعكس استراتيجية "الردع بالارباك" التي تهدف إلى إبقاء الخصم في حالة من عدم اليقين حول نوايا ترامب الحقيقية.

ويرى خبراء في علم السلوك أن لغة ترامب ليست مجرد كلمات، بل هي سلاح جيوسياسي يعيد تعريف قواعد الاشتباك الدولي. ومن خلال دمج "البذاءة السياسية" مع "الإنذارات النهائية"، ينجح ترامب في خلق بيئة استراتيجية مضطربة تخدم أهدافه التفاوضية. ومع استمرار هذا النهج، يظل العالم يترقب ما إذا كانت هذه "الدبلوماسية الحادة" ستؤدي إلى اتفاق تاريخي أم ستدفع منطقة الشرق الأوسط فعلياً نحو حافة هاوية لا عودة منها.

تحرير: عبده جميل المخلافي

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا