في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
"زعم ترمب أن حربه على إيران هدفها إحلال السلام لكنه اختار لها اسما يوحي بالانتقام والرغبة في الفتك والتدمير"
في 1 مارس/آذار، وبعد مرور 36 ساعة على بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، خاطب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب شعبه، معلنا اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، ومزهوا بما عده انتصارا لواشنطن. وقد دفعته الحماسة ليراهن على أن حربه المستعرة واغتيال المرشد سيقودان حتما إلى انتفاضة شعبية في طهران، يتهاوى معها النظام الذي نشأ بعد ثورة عام 1979، ممهدا الطريق لتأسيس نظام جديد وفق معايير واشنطن. وبالنبرة المتعالية ذاتها، تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، داعيا الشعب الإيراني للخروج إلى الشوارع بأعداد كبيرة للسيطرة على البلاد.
روَّج ترمب لحملته العسكرية قبل أسابيع من الحرب على أنها حملة "أخلاقية" هدفها "تحرير الشعب الإيراني" وإنقاذه، بل وصوَّر الهجمات التي أشعلت منطقة الشرق الأوسط بأكملها بشكل براق، زاعما أنها "حرب من أجل إحلال السلام". ولكن في تناقض واضح، اختار ترمب للحرب اسما يوحي بالانتقام والرغبة في الفتك والتدمير، وهو "الغضب الملحمي"، واصفا إياها بأنها من أعنف الهجمات التي شهدها العالم وأكثرها ضراوة، وذلك في الخطاب الذي ألقاه من منتجعه الترفيهي الخاص مارالاغو في ولاية فلوريدا.
منذ اليوم الأول للحرب، حملت تصريحات الرئيس الأمريكي نبرة انتصار واضحة، ففي تجمع للجمهوريين داخل نادي ترمب الخاص للجولف بولاية فلوريدا يوم 9 مارس/آذار، وصف ترمب الحرب على إيران بأنها "نزهة قصيرة" لأجل التخلص من بعض الأشخاص. وفي تصريح لشبكة "سي بي إس نيوز" ادعى أن الولايات المتحدة حققت بالفعل العديد من الانتصارات، مطمئنا الأمريكيين بأن الحرب شارفت على الانتهاء.
لكن ما اعتبره دونالد ترمب مجرد نزهة خاطفة، سرعان ما تبين أنه فشل ذريع لاستراتيجية الحسم السريع. وقد وصفه الكاتب البريطاني سايمون تيسدال بأنه استكمال لسلسلة حروب الولايات المتحدة الخاسرة في العراق وأفغانستان. فرغم تفوقها العسكري، لم تستطع الإدارة الأمريكية تقدير القدرة الفعلية لإيران على الرد والصمود، أو استشراف العواقب التي ستؤول إليها الحرب، بما في ذلك إغلاق مضيق هرمز والضرر البالغ الذي لحق بالاقتصاد العالمي.
"ما اعتبره دونالد ترمب مجرد نزهة خاطفة، سرعان ما تبين أنه فشل ذريع لاستراتيجية الحسم السريع"
وفي هذا المشهد الضبابي، يقف ترمب اليوم متعثرا وعاجزا عن إيقاف الحرب التي أشعلها برفقة حليفه نتنياهو. وفي ظل حالة عدم اليقين السياسي والافتقاد إلى خارطة طريق لتحقيق أهداف الحرب، ليس من المستغرب أن تتجلى الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية التقليدية التي تتخذ من العنف المدمر عقيدة لها، وتتجسد ملامحها في استهداف المدارس والمساجد ومحطات الطاقة والمياه، في تطبيق لعقيدة الضاحية، التي تتخذ من تدمير البنية التحتية المدنية وقتل أكبر قدر ممكن من المدنيين تكتيكا عسكريا لقلب موازين الحرب.
لقد اعتبر بعض المحللين هذه الإستراتيجية بمثابة "خطة بديلة"، لا يملك ترمب أو نتنياهو سواها، إن أجمعوا على استمرار الحرب وفشل الرهان الأولي المتمثل في الإطاحة بالنظام عبر ضربة جوية سريعة وخاطفة.
في الحروب والنزاعات الدولية المعاصرة، هناك اعتقاد راسخ مفاده أن استهداف مراكز صنع القرار يؤدي إلى إرباك الخصم وشل منظومة إدارة الصراع بشكل تعجز معه القيادة عن السيطرة في أرض المعركة، وهو نهج عملياتي يعرف بإستراتيجية "قطع الرأس"، ويهدف إلى تحييد القدرة العسكرية للخصوم عبر توجيه هجمات دقيقة لاغتيال القادة الكبار، وفي بعض الأحيان قد يتهاوى النظام بأكمله نتيجة استهداف رأس السلطة.
كان هذا هو الرهان الأمريكي الذي خسره ترمب؛ إذ كان من المفترض أن يؤدي استهداف خامنئي، واغتيال مجموعة من القيادات العسكرية والأمنية، إلى تصدع النظام السياسي في طهران، سواء من خلال انقسامات داخلية، أو نتيجة اندلاع اضطرابات واحتجاجات شعبية في الشوارع.
بيد أن الحرب لم تسر وفقا للخطة الأمريكية. فقد تمكن النظام الإيراني من امتصاص الصدمات، واستعاد توازنه في غضون ساعات، واستطاع الحرس الثوري تنظيم ردود عسكرية شملت هجمات بالصواريخ والمسيرات على إسرائيل، وكذلك استخدام جغرافيا مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجي، والذي تمر عبره ربع تجارة النفط المنقولة بحرا في العالم، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميا وتسبب في أزمات اقتصادية في العديد من الدول.
"تجاهل كل من ترمب ونتنياهو البنية المؤسسية للسلطة في طهران وتعاملوا معها بوصفها نسخة ثانية سهلة المنال من فنزويلا"
لقد تجاوزت أهداف الحرب الراهنة فكرة "تدمير المشروع النووي الإيراني" منذ يونيو/حزيران الماضي، بعدما وجهت أمريكا ضربة قاصمة للمنشآت النووية في فوردو ونطنز وأصفهان، ليتحول الصراع الدائر إلى معركة ضد النظام الإيراني نفسه من أجل إسقاطه. ولا عجب إذن أن صمود النظام وعزوف الإيرانيين عن الاستماع لنصائح واشنطن وتل أبيب بالخروج إلى الشارع والاحتجاج تحت القصف، قد مثل صدمة للرئيس الأمريكي وحليفه نتنياهو، تهاوت معها أحلامهما بإسقاط النظام الإيراني من الجو.
يصف بول روجرز، الأستاذ الفخري لدراسات السلام في جامعة برادفورد البريطانية، حساسية الوضع الإقليمي المتأزم بأنه "فخ إستراتيجي" نصبه نتنياهو ووقعت فيه أمريكا، وذلك لأن أي نتيجة بخلاف تحقيق هذا النصر المتوج بتهاوي النظام في طهران، سيضر بمكانة الولايات المتحدة العالمية، ويدفعها إلى مستنقع حرب بلا نهاية واضحة تلوح في الأفق.
لقد تجاهل كل من ترمب ونتنياهو البنية المؤسسية للسلطة في طهران، ودون انشغال حقيقي بدراسة طبيعته المعقدة، تعاملوا مع طهران بوصفها نسخة ثانية سهلة المنال من فنزويلا، وظنوا أن المشروع السياسي بأكمله حول شخصية الزعيم. ومن هنا جاء الرهان على استهداف قمة الهرم السياسي، وعلى أنه سيحقق تأثيرات سياسية تتجاوز نطاق العملية العسكرية نفسها، وهو خطأ فادح في التقدير كما أثبتت الحرب التي دخلت الأسبوع السادس حتى الآن.
فرغم أن إستراتيجية قطع الرأس تعد ناجعة لاستهداف التنظيمات والنظم التي تتمركز حول قيادة فردية، فإن نتائجها غير مضمونة عند استخدامها ضد الأنظمة المؤسسية المتشعبة، والتي عادة ما تنجح في امتصاص الصدمات وإعادة بناء قيادتها بسرعة نسبية. لقد أسس النظام الإيراني عقيدته الدفاعية على شبكة واسعة من المؤسسات والهياكل القيادية، التي تتوزع داخلها مراكز القوة واتخاذ القرار على وحدات صغيرة متعددة، بدلا من التمحور حول مركز قوة واحد أعلى هرم السلطة، وهي بنية معقدة قادرة على تجاوز الصدمات تعرف باسم "الدفاع الفسيفسائي".
"تأسس النظام السياسي الإيراني ليكون ذا بنية مزدوجة مركبة تتقاطع فيها المؤسسات الدستورية الحديثة مع مؤسسات دينية ثورية امتلكت نفوذا سياسيا واسعا"
بعد ثورة عام 1979 في طهران، تأسس النظام السياسي ليكون ذا بنية مزدوجة مركبة تتقاطع فيها المؤسسات الدستورية الحديثة مع مؤسسات دينية ثورية امتلكت نفوذا سياسيا واسعا، وهو ما أدى إلى نشأة نظام معقد للحكم. وفي هذا السياق يبرز دور الحرس الثوري الإيراني، الذي يلعب دورا مركزيا داخل هذه المنظومة، ويتفرع من بين صفوفه 32 قيادة إقليمية، يمتلك كل منها مخزونا مستقلا من الأسلحة والصواريخ والمسيرات.
وبرغم أن المرشد الإيراني يحتل مكانة بارزة في قلب هذه البنية المؤسسية بوصفه المرجعية العليا للنظام، فإن السلطة الفعلية موزعة عبر مجموعة من المؤسسات مثل مجلس صيانة الدستور، ومجلس الخبراء، ومجمع تشخيص مصلحة النظام، بالإضافة إلى الحكومة المنتخبة والبرلمان، ولهذا لا يمكن اختزال النظام في سلطة فردية معزولة، ما يجعل من إستراتيجية "قطع الرأس" محدودة الفاعلية في مواجهة النظام المؤسسي المعقد في طهران.
في عام 2008، وفي مقابلة مع صحيفة "يديعوت أحرونوت"، قال اللواء الإسرائيلي غادي أيزنكوت، قائد المنطقة العسكرية الشمالية وقتها ورئيس الأركان لاحقا، "إن ما حدث في الضاحية الجنوبية في بيروت، خلال حرب لبنان الثانية عام 2006، هو ما سيحدث في أي قرية يطلق منها النار على إسرائيل، وسنفعل ضدها قوة غير متناظرة ونتسبب في أضرار ودمار بالغين".
بهذه الكلمات يمكن اختصار مفهوم "عقيدة الضاحية"، النهج العسكري الذي تبنته إسرائيل في حروبها منذ عام 2006 حتى وقتنا الحالي. وتشير التقارير والتحليلات العسكرية إلى أنه أوشك أن يصبح معبرا عن سياسة إسرائيل الأمنية برمتها، وليس مجرد تكتيك عسكري مؤقت.
سميت هذه العقيدة باسم حي الضاحية الجنوبية في بيروت، بعد أن طبقت لأول مرة في حرب تموز التي شنتها إسرائيل على لبنان عام 2006، حيث دكت الغارات الجوية الإسرائيلية على مدار 33 يوما حي الضاحية بأكمله، فدمرت المدارس والمنازل والمستشفيات، واستهدفت البنى التحتية المدنية من المطارات ومحطات المياه والكهرباء وشبكات الصرف الصحي، ما أودى بحياة 1000 لبنانيٍ، وتسبب في نزوح 900 ألف آخرين.
"يكمن جوهرعقيدة الضاحية في تجريد المدن والأحياء من صفتها المدنية، لتعامل وكأنها أهداف عسكرية في ساحة حرب مفتوحة"
وكما هو موضح، يكمن جوهر "عقيدة الضاحية" في تجريد المدن والأحياء من صفتها المدنية، لتعامل وكأنها أهداف عسكرية في ساحة حرب مفتوحة، دون تفريق بين المدنيين والعسكريين، وذلك عبر أمرين أساسيين؛ استخدام القوة النارية المفرطة لإلحاق الدمار والهلاك الشديدين بالبنية التحتية وعقاب المدنيين، لاعتقاد دولة الاحتلال بأن هذين العنصرين يوفران معا بيئة حاضنة لقوات المقاومة، ولهذا يجري اعتبارهما وفق المنظور الصهيوني أهدافا عسكرية مشروعة، وهو أمر محظور وفقا للقانون الدولي، ويصنف من جرائم الحرب.
تذكرنا هذه الإستراتيجية بأحد المبادئ الإسرائيلية الأصيلة منذ نشأتها، وهو مبدأ "الجدار الحديدي" الذي أسس له الزعيم الصهيوني زئيف جابوتنسكي في مقالين شكلا حجر الأساس لفهم واستيعاب النظرية الأمنية في إسرائيل، إذ كان جابوتنسكي يؤمن بأن القوة العسكرية الضاربة وحدها تستطيع فرض جدار حديدي يستحيل على السكان العرب اختراقه. وعلى هذا الأساس بنى مؤسسو إسرائيل الأول، مثل رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون، نظرية أمنية مفادها "أن الحسم العسكري في كل جولة قتالية ضروري"، بدعوى أن الردع المتراكم يتحول بالنهاية إلى جدار حديدي يفرض الاستسلام كنتيجة حتمية على خصوم إسرائيل.
تناول المفكر الأردني الراحل أحمد سعيد نوفل، رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة اليرموك، عقيدة الضاحية في كتابه "معركة غزة: تحول إستراتيجي في المعركة مع إسرائيل"، باعتبارها خير معبر عن جوهر الدولة الإسرائيلية. وبإمكاننا أن نرى كيف تجلت عقيدة الضاحية بوضوح في حرب الإبادة الجماعية، التي شنتها إسرائيل لمدة أكثر من عامين على قطاع غزة المجوع والمحاصر بداية من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بهدف إحداث صدمة جماعية طويلة الأمد، حتى لو تطلب الأمر محو أحياء سكنية بالكامل.
"يدفع نتنياهو حليفه الأمريكي ترمب إلى تبني خطته التدميرية بعد فشل خطة الحسم السريع عبر قطع الرأس"
في الأيام الأخيرة، يتكرر هذا السيناريو مع مشاهد القصف الإسرائيلي العنيف على الجنوب اللبناني، والذي تسبب في نزوح مئات الآلاف من اللبنانيين للمرة الثانية في غضون عامين هربا من الغارات الجوية المتلاحقة. وقد وجهت تل أبيب التحذيرات بإخلاء معظم القرى اللبنانية الواقعة شمال نهر الليطاني، وهو ما رأى فيه خبراء عسكريون دليلا على أن إسرائيل تعيد تطبيق إستراتيجيتها المدمرة في الجنوب اللبناني بهدف توجيه ضربات موجعة للحاضنة الشعبية لحزب الله، ضمن إطار التصعيد الإقليمي الأوسع في المنطقة، بالتزامن مع الحرب على إيران.
لا تقتصر هذه التكهنات على الجبهة اللبنانية وحدها، بل تشير إلى أن نتنياهو قد يدفع حليفه الأمريكي ترمب إلى تبني إستراتيجيته التدميرية كأحد الخيارات العسكرية المتاحة لتعظيم الضغط على طهران، بهدف زعزعة استقرار المجتمع الإيراني وحثه لدفع النظام الحاكم نحو الاستسلام، وهو سيناريو قال باحتمالية حدوثه بول روجرز في مقال منشور في صحيفة الغارديان البريطانية يوم 11 مارس/آذار الماضي، وقدمه بوصفه خطة بديلة بعد الفشل العسكري الذريع لإستراتيجية الحسم السريع. وسرعان ما صادقت عليه أفعال أمريكا وإسرائيل باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية، بل والتهديد بمحو الحضارة الإيرانية بالكامل كما صرح ترامب مؤخرا.
في اليوم الأول من الحرب الجارية، استهدفت القنابل الأمريكية مدرسة ميناب، في هجوم راح ضحيته أكثر من 160 طالبة صغيرة. وفي فجر الجمعة 13 مارس/آذار، عرضت وكالة تسنيم الإيرانية مشاهد لهجوم أمريكي إسرائيلي استهدف مخزنا لحليب الأطفال وآخر مخصص لأدوية الحالات الحرجة والمستعصية في محافظة همدان، غربي إيران، وهو هجوم أسفر عن حرائق ضخمة تفحم على إثرها المخزنان بالكامل. وتدفعنا هذه الهجمات، ومثيلاتها الكثير خلال الأيام الأخيرة، للتساؤل عما إذا كانت عقيدة الضاحية قد بدأ تطبيقها بالفعل بعد فشل قطع الرأس من الجو في تحقيق أهدافه.
تعد إيران من أكبر ثلاث دول في الشرق الأوسط، إذ تزيد مساحتها على 1.6 مليون كيلومترٍ مربعٍ، ويبلغ عدد سكانها أكثر من 90 مليون نسمةٍ، وتسيطر على ممرات مائية حيوية مثل مضيق هرمز، وجميعها ميزات إستراتيجية وجغرافية وديموغرافية تجعل من شبه المستحيل السيطرة عليها من الجو دون عمليات إنزال بري تشارك بها القوات الأمريكية والإسرائيلية. ولكن نظرا للظروف الجيوسياسية المعقدة والجغرافيا الإيرانية الوعرة، فإن خيار الاجتياح البري الشامل ظل ينظر إليه من قبل الخبراء العسكريين على أنه غير ممكن.
برغم ذلك، كشفت تقارير صحفية أمريكية أن الرئيس دونالد ترمب بحث الخيارات العسكرية المتاحة للقيام بعمليات استخباراتية، تتسلل خلالها القوات الخاصة عبر ثغرات محددة، لتنفيذ مهام عسكرية دقيقة، ويحتمل أن يكون الغرض من ذلك الرغبة في السيطرة على مخزون اليورانيوم عالي التخصيب. إلا أن البيئة الإيرانية في الوقت الحالي قد لا تسمح بمغامرات ميدانية من هذا النوع، ويشير روجرز إلى أن الكشف عن مواقع اليورانيوم المخصب ربما يحتاج إلى تمشيط عسكري لكشف المخابئ المدفونة في عمق الجبال. وكل هذه العوامل مجتمعة تعيق إدارة ترمب عن تحقيق أي تقدم في ساحة المعركة يمكن تقديمه للداخل الأمريكي في صورة نصر عسكري سريع.
في مقاله، يرى بول روجرز، أن المرحلة التالية من الحرب ستشمل الانتقال إلى خطة بديلة تعمل على إضافة عنصرين أساسيين إلى الحرب، أولهما محاولة تأجيج الانقسامات الداخلية، عبر تسليح الأقليات العرقية الإيرانية (اعترف ترامب مؤخرا أنه حاول تسليح المتظاهرين الإيرانيين)، وثانيهما تبني عقيدة الضاحية، لا سيما في ظل إدارة الرئيس ترمب ووزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، التي اتسمت سياساتها بالعدوانية، ويبدو من تصريحاتهما في أحيان كثيرة أنهما مستعدان للجوء إلى تدمير أوسع في إيران للوصول إلى هدف استسلام النظام الإيراني.
"عقيدة الضاحية قد تأتي بنتائج عكسية في طهران. استخدمت تلك العقيدة في ساحات قتال أصغر مثل غزة والضاحية الجنوبية، ويصعب تطبيقها على دولة كبيرة جغرافيا بحجم إيران"
يشير روجرز إلى أن أمريكا وإسرائيل تطبقان بالفعل هذا النهج في طهران، وهو ما يستدل عليه من تزايد استهداف البنية التحتية المدنية، كما حدث مع جسر كرج، متوقعا تزايد هذا النمط في المرحلة المقبلة (يبدو ذلك مرجحا بشدة بعد انتهاء مهلة ترمب). ويشير روجرز إلى أن تطبيق عقيدة الضاحية قد يتجلى في صور متعددة، أبرزها استهداف البنية الاقتصادية المتمثلة في الموانئ ومحطات الطاقة ومنشآت النفط، أو ضرب المنشآت الأمنية والإدارية، أو المراكز الخدمية مثل محطات المياه والكهرباء.
بيد أن اللجوء لعقيدة الضاحية في إيران قد يأتي بنتائج عكس التوقعات، فقد اعتمدت تلك العقيدة في ساحات قتال أصغر مثل غزة والضاحية الجنوبية، وقد يصعب تطبيقها على دولة كبيرة جغرافيا بحجم إيران، ما يمثل تحديا عسكريا لواشنطن وتل أبيب، ويهدد أمن وسلام واستقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها. وإذا فشلت هذه الخطة في تحقيق الحسم أيضا كما هو متوقع، فإنها تنذر بحرب استنزاف إقليمية طويلة، تستمر لشهور أو ربما سنوات، وتطال هجماتها منشآت النفط والخطوط الملاحية بالمنطقة، مخلفة آثارا اقتصادية مدمرة على العالم بأسره.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة