تتخذ الضربات الإسرائيلية منحىً متدرجاً يتجاوز الإطار العسكري التقليدي، متجهةً نحو تفكيك البنية الاقتصادية المرتبطة بحزب الله. فمن استهداف مؤسسات مالية كـ” القرض الحسن “، إلى توسيع دائرة العمليات لتشمل قطاعات خدمية حيوية مثل شركة “ الأمانة ” للمحروقات، يتبلور مسار تصعيدي يركّز على مصادر التمويل وشبكات الإمداد.
في هذا السياق، أفاد مصدر عسكري إسرائيلي لموقع “الحرة”، أن “الجيش الإسرائيلي، وبتوجيه من شعبة الاستخبارات العسكرية، نفّذ الثلاثاء موجة غارات استهدفت بنى تحتية مرتبطة بقطاع الوقود التابع لحزب الله، بعد أيام من استهداف عدد منها”. وبحسب المصدر، تندرج هذه الضربات “ضمن سياسة تصاعدية تهدف إلى استهداف الموارد الاقتصادية للحزب، إلى جانب قدراته العسكرية”.
في موازاة ذلك، أعلن الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أن “هذه المنشآت تُستخدم لتزويد شاحنات تنقل أسلحة وعناصر من حزب الله، وتشكل جزءاً من بنيته الاقتصادية”. وأوضح أن الهدف من هذه الضربات هو “تقويض القدرات اللوجستية والاقتصادية للحزب”.
غير أن معهد “ ألما ” الإسرائيلي يشير إلى أن الشركة تعمل تحت مظلة مؤسسة “أطلس”، التي كانت سابقاً تحت سيطرة “مؤسسة الشهداء” الإيرانية، قبل أن تنتقل إلى ما يُعرف بمحفظة حزب الله الاقتصادية. ويشغل قاسم محمد علي بزي منصب الرئيس التنفيذي، ويشاركه في الإدارة أسامة محمد عليق.
وبحسب المصدر العسكري الإسرائيلي تستخدم محطات الوقود التابعة للشركة “لدعم النشاط العسكري لحزب الله، سواء في الأوقات الاعتيادية أو خلال التصعيد، بما يشمل تزويد عناصره بالوقود واستخدام بعض هذه المواقع كنقاط تجمع لوجستية، ما يمنحها دوراً مزدوجاً يجمع بين النشاط المدني والاستخدام العسكري”.
وتشير بيانات صادرة عن وزارة الخزانة الأميركية إلى فرض عقوبات عام 2020 على شركة “أطلس” وشركاتها التابعة، ومن بينها “الأمانة”، إلى جانب مؤسسها ومديرها قاسم بزي، في إطار اتهامات بدعم أنشطة حزب الله. كما أدرجت “أطلس” ضمن كيانات مرتبطة بالمجلس التنفيذي للحزب، الذي يُتهم باستخدام واجهات تجارية لإخفاء تحويلات مالية ذات طابع عسكري.
و يقدّر الجيش الإسرائيلي أن هذه المحطات تدرّ ملايين الدولارات، تُستخدم في تمويل أنشطة الحزب، في حين يرى المصدر العسكري الإسرائيلي أن استخدام المواطنين لهذه المحطات يتم “دون علمهم” بمسار هذه العائدات.
في المقابل، يرى خبراء أن الصورة المطروحة تعكس واقعاً أكثر تعقيداً. إذ توضح الباحثة في الجرائم المالية والاقتصادية، محاسن مرسل، أن تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة وجهات دولية أخرى يعني أن “أي أنشطة مرتبطة به ستُدرج ضمن إطار الأموال المشبوهة أو غير المشروعة”.
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد صنّفت حزب الله منظمة إرهابية أجنبية في أكتوبر 1997، قبل أن تدرجه لاحقاً كمنظمة إرهابية عالمية ذات أهمية خاصة في أكتوبر 2001.
وتشير مرسل في حديث لموقع “الحرة” إلى أن هذا الواقع “يدفع الحزب إلى تنويع مصادر تمويله عبر شبكات اقتصادية متعددة، تشمل مجالات مثل تجارة الذهب، الشركات الاستثمارية، العقارات، والمؤسسات التجارية”.
وتؤكد مرسل أن تتبّع هذه الشبكات “مهمة معقّدة، تتطلّب تحقيقات دقيقة وجمع معلومات متقاطعة، إلى جانب تحليل مسارات الأموال لرصد الروابط الخفية بين الكيانات المختلفة، وصولاً إلى تحديد مصادر التمويل، لا سيما في ظل امتدادات دولية تشمل أميركا الشمالية والجنوبية، حيث ارتبطت بعض الأنشطة بتجارة سلع مثل الأخشاب والبن والسيارات”.
ومن جهته، يؤكد مصدر في نقابة أصحاب محطات الوقود، طلب عدم الكشف عن هويته لـ”الحرة” أن إنشاء محطات في لبنان يخضع لإجراءات صارمة، تمر عبر وزارتي الطاقة والبيئة وصولاً إلى المحافظ”.
لكن الجيش الإسرائيلي يرى أن “استهداف محطات الوقود يُلحق ضرراً بالغاً بالبنى التحتية التابعة لحزب الله في لبنان، ويقوّض قدرة عناصره على التخطيط لمخططات ارهابية”. ويضيف إن ذلك “يوسع الضربة الموجهة إلى أصول جمعية القرض الحسن في بيروت في إطار استهداف التمركز الاقتصادي لحزب الله في قلب التجمعات المدنية”.
في المحصلة، يعكس استهداف محطات “الأمانة” انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تتداخل الأبعاد العسكرية بالاقتصادية، وتنعكس التداعيات الأمنية بشكل مباشر على تفاصيل الحياة اليومية للبنانيين.
المصدر:
الحرة