يرسم تقريران تحليليان من مجلة فورين أفيرز الأمريكية وصحيفة غارديان البريطانية ملامح عالم يتشكل تحت وطأة إرث الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حيث لا يقتصر التأثير على السياسة الدولية، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي والاستقرار الداخلي للدول.
وبينما يتساءل الأول عن شكل النظام العالمي بعد ترمب يحذر الثاني من كلفة سياسات ترمب التي قد تدفع العالم نحو أزمة غير مسبوقة.
ويقدّم تحليل فورين أفيرز للباحث الأمريكي هال براندز، أستاذ الشؤون الدولية بجامعة جونز هوبكنز، رؤية معمّقة لثلاثة سيناريوهات محتملة لعالم ما بعد ترمب، في ظل تآكل النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة لعقود، ودخول العالم مرحلة انتقالية غير مستقرة، في حين تحذر الكاتبة بغارديان بولي توينبي من تداعيات خطيرة لحرب إيران التي جعلت العالم يقف على أعتاب أزمة اقتصادية غير مسبوقة سيدفع ثمنها الجميع، في عالم يزداد اضطرابًا وعدم يقين.
ويمكن تلخيص السيناريوهات الثلاث في النقاط التالية:
في هذا السيناريو، ينقسم العالم إلى معسكرين رئيسيين: تقودهما الولايات المتحدة والصين، بحيث يضم المعسكر الصيني قوى "استبدادية" وشركاء من الجنوب العالمي، بينما تقود واشنطن تحالفا ديمقراطيا، وتتحول العلاقات الدولية إلى منافسة شاملة تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، حيث تصبح "العولمة" أداة صراع بدلا من أداة تعاون، كما كانت في السابق.
ويتوقع الكاتب في هذه الحالة أن تتزايد حدة الأزمات في مناطق التماس الجيوسياسي مثل أوكرانيا وتايوان وبحر جنوب الصين، مع خطر اندلاع مواجهات كبرى، ومع ذلك، يرى التحليل أن هذا السيناريو، رغم توتره، قد يوفر قدرا من الاستقرار النسبي لأنه يحافظ على توازن قوى واضح، ويُبقي على شكل من أشكال النظام الدولي، حتى لو كان منقسما.
هنا لا ينقسم العالم إلى كتلتين، بل إلى عدة مراكز قوة إقليمية، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى الانكفاء على نصف الكرة الغربي، بينما تفرض الصين هيمنتها في شرق آسيا، وتعزز روسيا نفوذها في محيطها، في حين تصعد قوى مثل الهند وتركيا والسعودية وحتى إسرائيل كلاعبين إقليميين.
في هذا العالم، تتراجع القواعد الدولية لصالح منطق القوة، حيث تفرض كل دولة مهيمنة شروطها على جيرانها، وتعيد تشكيل التجارة والاستثمارات بما يخدم مصالحها، كما تختفي التحالفات التقليدية أو تضعف، ويصبح ولاء الدول الصغيرة خاضعًا للضغوط.
وفي مثل ذلك العالم المتفكك، قد تسعى الهند، مثلا، إلى ترسيخ مكانتها في جنوب آسيا والمحيط الهندي، بينما تعمل تركيا على بناء نفوذها في مرحلة ما بعد العثمانية عند ملتقى أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا.
ورغم أن هذا السيناريو قد يبدو أقل صداما بين القوى الكبرى، فإنه يحمل مخاطر كبيرة، إذ إن نشوء مناطق النفوذ غالبًا ما يكون مصحوبا بصراعات دموية، كما أن الدول الصغيرة قد تقاوم الهيمنة بدلا من القبول بها، مما يفتح الباب أمام نزاعات مستمرة.
يُعد هذا السيناريو الأكثر خطورة، حيث لا ينهار النظام الدولي فقط، بل تتحول الولايات المتحدة نفسها إلى قوة غير منضبطة، تستخدم نفوذها بشكل عدائي لتحقيق مصالحها، وفي هذا السياق، تتقاطع سلوكيات القوى الكبرى الثلاث (أمريكا، الصين، روسيا) لتصبح جميعها قوى تسعى لتغيير النظام بالقوة.
النتيجة هي عالم بلا قواعد واضحة، تتزايد فيه الحروب، وتصبح سيادة الدول الضعيفة مهددة، وقد تختفي بعض الدول أو تتفكك، كما يتسارع سباق التسلح، بما في ذلك السعي لامتلاك أسلحة نووية، باعتبارها الضمان الوحيد للأمن.
وتتفاقم الأزمات في الممرات الحيوية مثل المضائق البحرية، حيث تسعى الدول للسيطرة عليها، مما يهدد التجارة العالمية، ويشبه هذا السيناريو فترات تاريخية سابقة من الفوضى التي سبقت نشوء أنظمة دولية مستقرة.
ولا يقدم التحليل صورة أحادية لسياسات ترمب، بل يميز بين ما يسميه "الملائكة" و"الشياطين" في نهجه، فمن جهة، ساهمت سياساته في دفع الحلفاء لزيادة إنفاقهم العسكري وتعزيز التعاون لمواجهة الصين لكن من جهة أخرى، أدت أساليبه القائمة على الضغط والصفقات غير المتكافئة إلى إضعاف الثقة بالحلفاء، بل تهديد تماسك المعسكر الغربي نفسه.
ويؤكد التحليل أن هذه السيناريوهات لم تعد خيالا، بل إن ملامحها بدأت تظهر بالفعل في السياسات الدولية الحالية، وبينما قد يبدو عالم الاستقطاب الثنائي أقل سوءا، فإن البدائل الأخرى -خاصة الفوضى- تحمل مخاطر أكبر بكثير، وفي النهاية، يبقى مستقبل النظام الدولي مرهونا بقرارات الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد ترمب، التي ستحدد ما إذا كان العالم سيتجه نحو توازن جديد أو نحو مزيد من الاضطراب.
براندز: واشنطن باتت في صراع مع النظام الذي أنشأته
على الجانب الآخر، ترسم توينبي صورة أكثر قتامة، تركز على التداعيات الاقتصادية المباشرة لسياسات ترمب، خاصة بعد التصعيد مع إيران. وتنقل عن وكالة الطاقة الدولية تحذيرات من أزمة طاقة وشيكة قد تعادل في تأثيرها أزمات النفط الكبرى في السبعينيات وتداعيات الحرب في أوكرانيا مع بعض.
وتقول: "نقف على حافة كارثة اقتصادية حتمية".
وترى أن هذه الأزمة ستؤدي إلى ارتفاع التضخم والبطالة وتكاليف المعيشة، مما سيدفع الحكومات لاتخاذ إجراءات تقشفية صعبة، وقد يؤدي ذلك إلى تغيير سياسي واسع، إذ غالبًا ما تسقط الحكومات في أعقاب الأزمات الاقتصادية الكبرى، وتوضح أن الحرب ربما تؤدي لكساد غير مسبوق سنكون مجبرين جميعا على دفع تكلفته.
ويتقاطع التحليلان في نقطة جوهرية، وهي: تراجع الثقة العالمية في الولايات المتحدة كقائد للنظام الدولي.
فبينما يشير براندز إلى أن واشنطن باتت "في صراع مع النظام الذي أنشأته"، تؤكد توينبي أن الحلفاء "لن يثقوا مجددًا" في القيادة الأمريكية بعد تجربة ترمب.
هذا التراجع لا يفتح المجال فقط أمام صعود قوى منافسة، بل يهدد أيضا القواعد التي حكمت العلاقات الدولية لعقود، مثل حرية الملاحة واستقرار الأسواق.
وتكشف القراءتان أن "ما بعد ترمب" ليس مجرد مرحلة سياسية عابرة، بل نقطة تحول تاريخية في النظام الدولي، فالعالم قد يتجه نحو استقطاب جديد، أو تعددية مضطربة، أو حتى فوضى شاملة، بينما تتزامن هذه التحولات مع أزمات اقتصادية عميقة.
وبين هذه السيناريوهات، يبقى السؤال المطروح هو عن كيفية تفاعل الولايات المتحدة مع إرث ترمب: هل تعيد بناء النظام، أم تسرع تفككه؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة