مع دوي أول قذيفة على الأراضي الإيرانية تحول " مجلس السلام" من "أهم هيئة دولية" وبطموح أميركي ينافس هيئات الأمم المتحدة من أجل إعادة إعمار غزة إلى مشروع ثانوي على هامش الأولويات الدولية، وذلك بعد أن استحوذت الحرب على إيران على جل الاهتمام الأميركي والإقليمي.
فالخطة التي أُطلقت بزخم كبير مطلع العام الجاري، وتعهدت فيها 24 دولة بأكثر من 16 مليار دولار لتحويل قطاع غزة إلى "منطقة خالية من السلاح" وإعادة إعماره، تواجه اليوم مصيرا مجهولا في ظل انشغال المبعوثين الأميركيين بملفات إقليمية أخرى، وتراجع التعهدات المالية، وعجز الدول المشاركة عن الضغط على إسرائيل التي تواصل ابتزازها السياسي والأمني للفلسطينيين.
ويرى خبراء وباحثون أن الحرب على إيران "قوضت فكرة مجلس السلام من داخله"، مشيرين إلى مفارقة صارخة: "الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يزعم أنه سيشرف على السلام، ويقول إنه سيحقق النجاح فيما فشلت فيه الأمم المتحدة، هو نفسه الذي يشن حربا دون تفويض أممي أو أرضية قانونية".
ووصفوا -في تصريحات متفرقة للجزيرة نت- ما يحدث بأن الخطة اتخذت الآن مسارا ثانويا أو هامشيا، ولم تعد في دائرة التركيز والأولويات الإسرائيلية والأمريكية أو حتى البيئات الدولية، في حين أصبح واقع غزة اليوم مأساويا للغاية، ويبعد أي أمل في المستقبل القريب.
وفي الوقت نفسه، كشف موقع "بوليتيكو" عن أن المبادرة التي كانت قد اكتسبت زخما أوليا بمتابعة مباشرة من المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر تتراجع حاليا مع انشغالهما بملفات إقليمية أخرى، خاصة المواجهة مع طهران التي بدأت في 28 فبراير/شباط الماضي.
والمفارقة الأكبر أنه بينما تنفق الولايات المتحدة نحو مليار دولار يوميا على حربها في إيران، يعيش نحو مليوني فلسطيني في غزة واقعا مأساويا يزداد سوءا كل يوم، في ظل انسحاب الاهتمام الدولي وتعطيل المعابر وانقطاع المساعدات.
وكان "مجلس السلام" قد دُشّن في 22 يناير/كانون الثاني 2026 بدافوس السويسرية كتتويج لخطة ترامب المفصلة التي أصدرها البيت الأبيض في 29 سبتمبر/أيلول 2025، والتي دعت إلى وقف فوري لإطلاق النار في قطاع غزة، متبوعة ببرنامج شامل لإعادة الإعمار وإعادة تنظيم الوضع السياسي والأمني في القطاع.
وحين أعلن الرئيس الأمريكي تدشين مجلس السلام، قال إنه "سيثبت أنه أهم هيئة دولية في التاريخ"، معربا عن فخره لتوليه رئاسة هذه الهيئة. بل إن طموح المجلس امتد إلى أكثر من قطاع غزة وفقا لميثاقه التأسيسي، حيث يسعى إلى منافسة الأمم المتحدة ذاتها، حسب ما قاله المتحدثون للجزيرة نت.
ويوضح الكاتب والباحث السياسي المقيم في واشنطن أسامة أبو ارشيد أن "ترمب تحدث عن الأمم المتحدة على أنها فشلت في حفظ السلام الدولي، والميثاق يؤكد عمليا هذا الفشل، مشيرا إلى أن مجلس السلام سيعبئ هذا الفراغ ويصلح نقاط الضعف لدى الأمم المتحدة".
وأضاف أبو ارشيد أن ذلك أثار في وقته انتقادات دولية واسعة، حتى من قبل دول أوروبية حليفة للولايات المتحدة، التي رأت في هذا المشروع محاولة لتجاوز المؤسسات الدولية القائمة.
لكن بوادر التراجع ظهرت بوضوح مع اندلاع الحرب على إيران، حيث أعادت إسرائيل إغلاق معبر رفح مما أدى إلى تراجع حاد في دخول المساعدات إلى القطاع. ورغم أن ترامب لا يزال يعول على مبعوثيه ويتكوف وكوشنر، مؤكدا أنهما "يقودان جهودا مهمة"، فإن زيارتهما المقررة لإسرائيل أُرجئت، في إشارة واضحة إلى تراجع الزخم السياسي للمبادرة.
وكان من ثمار الحرب على إيران تضرر الالتزامات المالية والسياسية الدولية، ويشير أبو ارشيد إلى أن "الولايات المتحدة تصرف مليار دولار يوميا على حربها في إيران"، في حين أن "التعهد الغامض من الولايات المتحدة بـ10 مليارات لم يقره الكونغرس".
وكذلك تصطدم التعهدات الخليجية بمعاناة كبيرة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية ومن تعطل أو صعوبات في نقل النفط والغاز عبر مضيق هرمز، كما قال الباحث السياسي.
ويضيف أن هذا "وضع ضغوطا كبيرة على هذه الدول اقتصاديا، مما يجعل من الصعب التنبؤ بما إذا كانت ستقدم شيئا في المرحلة القادمة". كما أن "الدول الأخرى تعاني من ارتفاع تكلفة أسعار الطاقة بسبب الحرب في إيران، مما يثير تساؤلات حول مستقبل هذا المشروع أو تجميده".
وعلى الصعيد السياسي، بدأت دول إعادة تقييم التزاماتها تجاه المشروع نفسه. ويوضح أبو ارشيد أن "دولة مثل إندونيسيا، التي تعهدت بالمشاركة في القوات الدولية المتجهة إلى غزة بدأت إعادة النظر في هذا الدور لأن فكرة مجلس السلام وقوة الاستقرار بدأت تفقد قيمتها في ظل الحرب على إيران".
ويصف مدير المؤسسة الوطنية الفلسطينية للإعلام إبراهيم المدهون واقع غزة اليوم بأنه "مأساوي للغاية، لا يحتمل ولا ينبئ بأي أمل في المستقبل القريب". ويضيف أن نحو مليوني فلسطيني يعيشون في ترقب دائم وقلق عميق، مع استمرار العدوان الإسرائيلي، وانشغال المنطقة والوسطاء بالحرب الدائرة حاليا بالمنطقة.
ويشدد المدهون على أن " الاحتلال الإسرائيلي يستغل هذه الحرب لزيادة الضغط على المدنيين، بينما الانشغال الدولي والإعلامي يتركهم مهملين في قلب الأزمة، ويصبح كل يوم يمر زيادة في معاناتهم، ويجعل أبسط الاحتياجات الأساسية من غذاء ووقود ودواء رفاهية بعيدة المنال".
أما المدير العام لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات الدكتور محسن صالح فيؤكد أن الطرف الإسرائيلي هو في الأساس طرف معطل يقوم بعملية ابتزاز سياسي وأمني واقتصادي". ويضيف "إسرائيل ما تزال تسيطر على المعابر وتمنع دخول المساعدات وكل ما يتعلق بالإعمار، ونسبة ما يدخل من الشاحنات بالكاد تصل للثلث.
ويلفت صالح إلى أن "الذي يحدث الآن هو أنه عندما صار موضوع غزة في الظل، زاد الأمر سوءا وزادت حالة الابتزاز الإسرائيلي للطرف الفلسطيني". ويتوقع أن "يبقى هناك إدخال بحد أدنى من المساعدات، لكن بالتأكيد دون تلبية الاحتياجات الحقيقية لقطاع غزة. وستظل عملية الابتزاز مستمرة للأسف، مع وجود الغطاء الأمريكي".
وتكمن المشكلة الجوهرية، وفق المحللين الذين تحدثوا للجزيرة نت في بنية الخطة الأمريكية ذاتها وتوزيع الصلاحيات فيها.
ويوضح المدير العام لمركز الزيتونة أن "أصل الخطة يمنح الولايات المتحدة ورئيسها صلاحيات كاملة وحاسمة في إدارة قطاع غزة". وأضاف أن "تلك الصلاحيات تخوله فرض رؤيته، ولا توجد صلاحيات واضحة ومحددة للدول الأخرى داخل هذا الإطار تمكنها من الضغط أو فرض شروطها على ترمب أو الإدارة الأمريكية أو حتى الجانب الإسرائيلي".
ويخلص صالح إلى أن "نتيجة لذلك، استمر الطرف الأمريكي في إعطاء الغطاء للطرف الإسرائيلي وفي تعطيل إنفاذ الاتفاق حتى يتم فرض أمر واقع إسرائيلي أمريكي على قطاع غزة، وبالتالي ظل دور الدول المشاركة هامشيا ومحدودا".
ويتفق أبو ارشيد مع هذا التقييم، مؤكدا أن "دور هذه الدول محدود، ويظل وقف إطلاق النار والخطة كلها مرتبطان بالموقف الأمريكي، بل الأمر أبعد من ذلك ويظل مرتبطا بدونالد ترامب شخصيا؛ وهذا يضعف دور هذه الدول والأطراف في الضغط على الجانب الإسرائيلي ".
يبدو أن الجانبين الأميركي والإسرائيلي يراهنان على نتيجة الحرب مع إيران. ويوضح صالح أن "النتائج إذا كانت لصالحهما واستطاعا أن يفرضا شروطهما، فسيكونان أقدر على الاستفادة من استحقاقات الحرب لفرض الشروط والمعايير في قطاع غزة. وهذا قد يؤدي إلى تعظيم المكاسب لديهما ومحاولة إخضاع غزة بشكل أقوى وفق الحسابات والمعايير والاستحقاقات الجديدة".
من جهته، يحلل المدهون السيناريوهات المحتملة بتفصيل أكبر: "إذا انتصرت أميركا وإسرائيل انتصارا مطلقا، فقد يفرضان واقعا جديدا ويغيران الخطة لتصبح خاضعة لمفهوم النصر الإسرائيلي المطلق.
أما إذا استنزفت الحرب القوى الإسرائيلية وأنهكتها ودخلت تل أبيب في أزمات سياسية، فلن تكون لديها قدرة على عرقلة تنفيذ الخطة كما يحدث الآن، مما قد يؤدي إلى تطبيقها بانسحاب الاحتلال من غزة.
ويضيف المدهون: "أما إذا بقي الوضع على حاله أو وصلنا إلى مرحلة تعادل في الحرب، فستبقى إسرائيل تماطل في التنفيذ، لكنها لن ترفض الخطة بالكامل، ولن تشن عدوانا مباشرا كما تهدد".
لكن أبو ارشيد يحذر من أن قضية سلاح المقاومة الفلسطينية ستبقى مثل "مسمار جحا" بالنسبة لإسرائيل: "الجانب الإسرائيلي لا يزال يتحدث عن سلاح حماس، وإذا انتهت المعركة مع إيران فمن المؤكد أن هذه المسألة ستعود لمركز النقاش وهو السلاح الذي تملكه المقاومة الفلسطينية والذي ستصر إسرائيل والولايات المتحدة على نزعه".
فوقف إطلاق النار سواء بانتصار على إيران وإسقاط النظام كما يقول الجانب الأميركي الإسرائيلي أو يتمنى، أو عبر صفقة، سيعيد التركيز على سلاح قطاع غزة. لكن هذا سيكون موضوع التركيز وليست المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، كما قال الكاتب والباحث السياسي المقيم في واشنطن.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، تحول مجلس السلام الذي طُرح كبديل للأمم المتحدة و"أهم هيئة دولية في التاريخ" إلى مشروع على الهامش، بينما يبقى مليونا فلسطيني في غزة يعانون من واقع مأساوي يزداد سوءا يوما بعد يوم، في انتظار أن تحسم الحرب على إيران مصير خطة كانت تحمل وعودا بالسلام تبخرت مع أول قذيفة انطلقت نحو طهران.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة