في اليوم 11 من اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تجد 7 عواصم عربية نفسها في خضم تصعيد إقليمي غير مسبوق، حيث تتعرض لهجمات صاروخية وبمسيرات إيرانية أصابت أهدافا مدنية وعسكرية، مما يضع المنطقة أمام تحديات جسيمة.
وتقول إيران إنها تستهدف "المصالح والقواعد الأمريكية"، لكن هجماتها أوقعت ضحايا مدنيين وألحق أضرارا بمنشآت حيوية ونفطية وأبنية سكنية في كل من السعودية والبحرين والإمارات وقطر وعمان والأردن والعراق.
ورغم حدة التصعيد، تُظهر الجبهات الداخلية في دول الخليج صمودا ملحوظا، تدعمه جاهزية مؤسسية عالية ومتانة اقتصادية وتكاتف مجتمعي، مع إجماع على إدانة ما وُصفته بـ"العدوان الإيراني غير المبرر"، حسب ما قاله إعلاميون وسياسيون للجزيرة نت.
وكشت الأيام الماضية من الحرب عن قدرة مؤسسية عالية لدول الخليج في امتصاص الصدمات وإدارة الأزمات، مع الحفاظ على استمرارية الحياة اليومية رغم التهديدات الأمنية المتصاعدة؛ فالدفاعات الجوية لم تكتفِ بالتصدي للصواريخ والمسيّرات، بل رافقها تحرك سريع على مستوى القطاعات الخدمية والاقتصادية.
ويصف رئيس تحرير جريدة الشرق القطرية جابر الحرمي الاستجابة الخليجية بأنها "متماسكة إلى حد كبير"، رغم أن الاستهدافات الإيرانية تُعد "سابقة غير مألوفة على الصعيد الخليجي". ويلفت الحرمي إلى أن قطر شهدت "جاهزية كبيرة ليس فقط على الصعيد الدفاعي أو العسكري أو الأمني، بل في كل القطاعات الأخرى.
ويضرب أمثلة ملموسة على هذه الجاهزية، بأن التعليم في قطر "انتقل في اليوم نفسه إلى التعليم عن بعد"، وكانت "هناك جولات ميدانية للتأكد من توفر جميع السلع"، فيما "تم إيجاد بدائل لنقل السلع والمنتجات عن طريق النقل البري بعد توقف العمليات التشغيلية في المطار".
هذه السرعة، كما يؤكد رئيس تحرير الشرق- تنبئ بأن "الدولة جاهزة للتعاطي مع الأزمات في أي لحظة"، وهو ما يعكس "عملا مؤسسيا في إدارة الدولة وليس ارتجالا".
ومن الكويت، يشير الوزير السابق والنائب بالبرلمان الكويتي أحمد المليفي إلى أن "الكويت ودول الخليج تمتلك متانة اقتصادية وقدرة عالية على امتصاص الصدمات نظرا لوجود احتياطيات مالية قوية وبنية مؤسساتية قادرة على إدارة الأزمات".
وفي عُمان، يصف الأكاديمي محمد بن عوض المشيخي الأوضاع بأنها "مستقرة وهادئة"، مؤكدا أن "الأمور تمضي بسلاسة وبحكمة" خلال الأيام العشرة الأولى.
ويشير المشيخي إلى أن "اللجان المختلفة تقوم بدورها في محاربة الإشاعات والظواهر السلبية"، وأنه "لا نرى أبدا طوابير هنا في عمان لا على محطات البنزين ولا في الأسواق". ورغم استهداف بعض المواقع في السلطنة مثل مينائي الدقم وصلالة، فإن "الجهات المختصة تمكنت من القيام بدورها وتنفيذ العمليات المطلوبة لاستعادة الأوضاع الطبيعية".
ووراء الجاهزية المؤسسية، يبرز عامل التكاتف المجتمعي كركيزة أساسية في صمود الجبهة الداخلية الخليجية؛ فالمجتمعات في الخليج -التي خبرت أزمات سابقة- تُظهر اليوم قدرة على الالتفاف حول قياداتها ونبذ الخلافات الداخلية، مع وعي متزايد بأهمية دور الأفراد في مواجهة الإشاعات والحرب الإلكترونية.
ولذلك، يؤكد المليفي أن "الجبهة الكويتية الداخلية ما زالت متماسكة وهي جبهة قوية ومتعاونة"، مشيرا إلى أن المجتمع الكويتي "اعتاد تاريخيا على مثل هذا التكاتف في الأزمات".
ويشدد الحرمي على أن "الأفراد عليهم مسؤولية كبيرة في الحفاظ على الجبهة الداخلية"، موضحا أن "مسؤولية الأمن ليست فقط مسؤولية الجهات الرسمية أو وزارة الداخلية فحسب، بل إن المواطن والمقيم يشكلان جبهة وخط الحماية الأول في المجتمع".
ويلفت الحرمي إلى أهمية تداول المعلومات بدقة وشفافية، قائلا إن "مجتمعاتنا ودولنا لديها شفافية في نقل المعلومات"، حيث "رأينا في قطر كيف تتعامل الدولة بكل شفافية في تدفق المعلومات، سواء كان ذلك من قبل الجهات الأمنية والجهات العسكرية وحتى المؤسسات والوزارات الخدمية".
ويشير المشيخي إلى أن "المجتمع العماني مجتمع معروف عنه الهدوء والحكمة"، وأنه بفضل "تكاتف المجتمع العماني مع الحكومة ومع هذه الأوضاع، نجحنا بجهودنا وتعاوننا في التعامل مع هذه الأزمة". ويضيف أن "هذا أيضا ميزة للمجتمع العماني الذي له تجارب كثيرة طوال العقود الماضية".
ويجمع المتحدثون الخليجيون على موقف واضح: دول الخليج لم تكن طرفا في هذه الحرب، بل كانت من أكثر الأطراف حرصا على منعها منذ البداية، وعليه فإن الاستهداف الإيراني يُعد "غير مبرر أبدا" ويمثل "عدوانا سافرا" على دول لم تشارك في الهجوم على إيران.
وأضاف المتحدثون أن هذا الموقف لا يعكس فقط رفضا دبلوماسيا، بل يمثل قناعة شعبية ورسمية راسخة بأن إيران "فقدت بوصلتها الصحيحة" في استهدافها المرافق المدنية والعمارات السكنية بدلا من تركيز ضرباتها على القواعد الأمريكية والإسرائيلية.
وهنا، يؤكد المشيخي أن "عمان دولة دائما تقف مع السلام، تحاول إطفاء الحرائق، وتحاول منع التوتر والحروب في المنطقة، وهذا شيء يدركه الجميع ويعرفونه عن السلطنة". ويضيف أن "الشعب العماني ينظر بقلق وتوتر إلى الأحداث في العواصم الخليجية من استهداف وقصف غير مبررين"، مشيرا إلى أن "إيران فقدت بوصلتها الصحيحة، وكان من المفترض أن يكون الاستهداف مركزا حول إسرائيل والقواعد الأمريكية، وليس المرافق المدنية أو العمارات السكنية أو الأسواق الشعبية".
كما يؤكد المليفي أن القصف الإيراني على الكويت "كان غير متوقع بالنسبة لنا جميعا، خاصة بأن الكويت حرصت دائما على اتباع سياسة متوازنة وكانت تؤكد هي ودول الخليج جميعها على عدم السماح باستخدام أراضيها لضرب إيران أو استخدامها للاعتداء عليها".
ويضيف الوزير الكويتي السابق أن دول الخليج "تسعى لأن يكون الخليج منطقة أمن وسلام واستقرار، لأننا رأينا أن تأثير عدم الاستقرار في المنطقة يؤثر على العالم كله لأنها مصدر الطاقة سواء النفطية أو الغاز للعالم كله".
وفي ما يتعلق بالعراق، فقد قال اللواء السابق في الجيش العراقي ماجد القيسي إن العراق ليس طرفا رسميا في الحرب، لكنه يدفع الثمن الأغلى من سيادته الفعلية واقتصاده وأمن مواطنيه اليومي.
ويفصل القيسي ذلك بأن الحكومة العراقية تحاول التمسك بالحياد لكنها تواجه صعوبات كثيرة في احتواء التصعيد أو منع تحول البلاد إلى ساحة حرب مفتوحة. وأضاف أن الدعوات الشعبية والرسمية تتركز على ضرورة وقف التصعيد وإبعاد العراق عن الصراع الإقليمي، لكن الواقع الميداني يشير إلى أن الأيام المقبلة قد تحمل موجة جديدة من التوتر والعنف.
وفي ما يتعلق بالرأي العام العراقي، يرى اللواء العراقي أن النظرة الشعبية السائدة للقصف الإيراني سلبية، حيث يصف معظم العراقيين هذه الهجمات بأنها "النار التي تحرق الدار"، ويرون فيها "انتهاكا صارخا" للسيادة العراقية، مما قد يحول البلاد إلى رهينة لصراع خارجي لا مصلحة مباشرة له فيه.
ويخلص المتحدثون جميعا إلى أنه بعد 11 يوما من القصف الإيراني الذي طال 7 عواصم عربية، تبرز الجبهة الداخلية في دول الخليج كنموذج للصمود المؤسسي والمجتمعي في مواجهة تصعيد لم تكن هذه الدول طرفا فيه.
لكن التحديات تبقى قائمة، خاصة مع استمرار التأثيرات الاقتصادية العالمية وارتفاع أسعار الطاقة واحتمالات التصعيد الإقليمي. وفي ظل هذا الواقع المعقد، تتعالى الأصوات الخليجية مطالبة بوقف فوري لما تصفه بـ"العدوان الإيراني"، والعودة إلى الحوار والمفاوضات السياسية، حفاظاً على أمن واستقرار منطقة تمثل شريان الطاقة للعالم أجمع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة