آخر الأخبار

الجزيرة نت في جولة ميدانية بطهران.. أصوات متباينة تحت وقع الحرب

شارك

طهران– في شوارع العاصمة الإيرانية، لا يبدو المشهد محكوما بلون واحد، فهناك من يرى في التصعيد دفاعا عن السيادة وردا واجبا على استهداف القيادة، ومن يدعو إلى استثمار ما يسميه "الحرب المفروضة" لتحييد التهديدات الوجودية، ومن يطالب بإنهاء نهج العداء الخارجي لإنقاذ اقتصاد يئن تحت وطأة العقوبات.

تتقاطع أصوات الإيرانيين في اليوم الثالث من الحرب، لكنها تكاد تلتقي عند فكرة واحدة هي ضرورة إيجاد مخرج من الأزمة، يجنّب البلاد المزيد من الويلات.

صباح اليوم الثالث، جالت الجزيرة نت في عدد من شوارع العاصمة طهران، من أحياء الشمال الهادئة إلى مناطق أكثر ازدحاما في الوسط والجنوب، حيث الحركة أقل من المعتاد، ونبرة الحديث أعلى من همس القلق الذي يخيّم على الوجوه، ففي المقاهي الصغيرة، وعلى أرصفة الشوارع، وأمام المتاجر التي فتحت أبوابها جزئيا، بدت الحرب حاضرة في كل نقاش.

يقول سعيد (28 عاما)، وهو طالب جامعي التقته الجزيرة نت قرب إحدى محطات المترو، إن الحرب "لم تكن خيار طهران بل فرضت عليها"، مضيفا أنه بعد اغتيال أعلى مرجعية دينية وسياسية في البلاد واستهداف قيادات عسكرية من الصف الأول للمرة الثانية، لم يعد أمام إيران سوى الدفاع عن سيادتها ومصالح شعبها. ويشدد على أن المطلوب "ردة فعل مماثلة تمنع تكرار هذه الممارسات".

مصدر الصورة جدارية ضخمة لمهندس البرنامج الصاروخي الإيراني حسن طهراني مقدم (الجزيرة)

انقسام شعبي

على مقربة من سوق شعبي في وسط العاصمة، تقف الحاجة مريم (61 عاما) لتقول إن الإيرانيين دفعوا "ضريبة باهظة" طوال أكثر من 4 عقود نتيجة معاداة السياسات الأمريكية. وتتساءل: "ماذا تنتظر إيران لكي تنفذ تهديداتها بتحرير القدس أو المضي بعيدا في تعزيز قدراتها الردعية؟".

أما كامران (53 عاما)، فيتحدث بصوت يغلب عليه التأثر، قائلا إن اغتيال المرشد الأعلى "أحرق القلوب"، مضيفا أن هذه الحرارة لن تبرد إلا بتحقيق ما كان يراه الفقيد هدفا، وهو هزيمة الولايات المتحدة وتحرير القدس.

إعلان

في الجهة المقابلة من المشهد، تبدو نيلوفر (48 عاما)، وهي ربة منزل، على نقيض هذا الخطاب. وتقول للجزيرة نت إنها تأمل أن تفتح الحرب الباب أمام تحرر الشعب الإيراني من نظام أيديولوجي لا يعبر عن تطلعاته. وتضيف أن الإيرانيين "لا يريدون أن يزايدوا على القضية الفلسطينية أكثر من الفلسطينيين أنفسهم".

مجتبى (18 عاما) يرى بدوره أن ما يجري "ليس حربه"، بل حرب الحرس الثوري مع إسرائيل،. ويعبر عن أمله في أن تنتهي المواجهة بتغيير في السياسة الخارجية، لكنه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة ألا يدفع الشعب ثمن الحرب.

مصدر الصورة أسواق الخضروات والفاكهة الشعبية تفتح أبوبها في طهران رغم الحرب (الجزيرة)

أزمة البديل

وفي حي سكني آخر، تقف فرزانه، وهي في الخمسينيات من عمرها، تراقب سحب الدخان المتصاعدة في الأفق. تقول إن المشهد يؤلمها، وإن لديها انتقادات لأسلوب إدارة البلاد وسياساتها الخارجية، لكنها لا تزال تراهن على إصلاح من الداخل، لا سيما بعد تجربة الاحتجاجات الأخيرة، محذرة من أن الحرب قد تتكرر كلما شعر "العدو" بتخلي الشعب عن قياداته.

لفهم هذا التباين، تحدثت الجزيرة نت إلى الباحث السياسي صلاح الدين خديو، الذي يرى أن الأزمات الاقتصادية والمعيشية لعبت دورا أساسيا في تراجع شعبية الخطاب الرسمي، لكنه يلفت إلى أن النظام لا يزال يحظى بقاعدة وازنة تعادي السياسات الأمريكية وتدعم القضية الفلسطينية.

ويقول خديو إن الرهان على انهيار النظام عبر التدخل الخارجي يصطدم بواقع أن الحرب تدمر البنى التحتية وتدفع قطاعات من المجتمع إلى إعادة النظر في هذا الخيار. فكلما طال أمد المواجهة تراجعت شريحة من المعارضة التي كانت تعوّل على التدخل الخارجي.

ويضيف أن المعارضة الإيرانية في الخارج لا تملك بديلا واضحا لإدارة البلاد أو رؤية موحدة لما بعد النظام الحالي، مشيرا إلى أن طيفا من الإيرانيين، حتى بين من يعارضون السلطة، بدؤوا يدركون أن استمرار الحرب سيقضي على ما تبقى من بنى تحتية، ما يجعل وقف الدمار أولوية تتقاطع أحيانا مع رؤية أنصار النظام.

مصدر الصورة ورش تصليح السيارات تشهد حركة ملحوظة استعدادا لرحلات محتملة لمغادرة طهران في ظل الحرب (الجزيرة)

إصلاحات سياسية

ويرى خديو أن شريحة واسعة من الإيرانيين، بمن فيهم محتجون وناقمون، يتمنون تغييرا من الداخل، لكنه يقر بأن التطورات المتسارعة قد لا تتيح هذا الخيار، لأن الحرب تقتل فرص الحوار الوطني والتسويات الداخلية.

ويحذر من أن إسقاط أي نظام سياسي لا يتم عبر الغارات الجوية وحدها، معبرا عن قلقه من أن تتوسع دائرة الاستهداف إلى بنى خدمية تمس حياة المواطنين، في محاولة لتحريض الشارع، وهو سيناريو يشكك في جدواه.

من جانبه، يقول الباحث السياسي صالح حائري قزويني إن الفئة التي تدعو إلى المضي بعيدا في الحرب هي في معظمها مؤيدة للنظام وترى المعركة وجودية، في حين تعول فئة من المعارضة على أن يؤدي التصعيد إلى انهيار النظام.

ويضيف قزويني، في حديثه للجزيرة نت، أن القضية الفلسطينية تحظى بتأييد شريحة واسعة في إيران، حتى بين بعض المعارضين، ما يجعل الدعوات إلى التخلي عن نهج المواجهة أو التطبيع مع "الأعداء" مسألة حساسة في الشارع الإيراني.

إعلان

ويخلص قزويني إلى أن الأصوات المتباينة في طهران تعكس مجتمعا يبحث عن مخرج من نفق طويل من الأزمات الاقتصادية، يرى كثيرون أن العقوبات الأمريكية كانت سببا رئيسيا فيها، ما عمّق الفجوة بين تطلعات الناس وتوجهات السياسة الخارجية، وجعل الحرب الحالية مرآة لانقسام داخلي لا يقل تعقيدا عن الصراع الدائر خارج الحدود.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا