في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تونس- يبدو المشهد في أحد شوارع تونس كأنه اختناق مروري عابر، حيث تتزاحم السيارات أمام محل لبيع المواد الغذائية بالجملة. لكن السبب يتضح سريعا مع وصول شاحنة محملة بقوارير المياه المعدنية، ليتبين أن المواطنين لم يحتشدوا لشراء الأغذية، بل بحثا عن المياه.
المحل لا يبيع مباشرة للمستهلكين، بل يزوّد تجار الجملة والتوزيع الذين تصل بضائعهم لاحقا إلى المحلات والمساحات التجارية. ومع ذلك، تجمع عشرات المواطنين أمامه، بعدما تحول البحث عن قارورة ماء إلى رحلة يومية في ظل النقص المسجل في الأسواق.
يؤكد عبد اللطيف -أحد المحتشدين- للجزيرة نت، أنه يتردد يوميا على المتاجر بلا جدوى، مما دفعه للانتظار مباشرة أمام نقطة التوزيع.
ويقول إن المياه المعبأة "مفقودة منذ أيام"، مضيفا أن "ماء الحنفية (الصنبور) لم يعد صالحا للشرب".
لم يكن وصول الشاحنة حلا للأزمة، بل مجرد نقل لها إلى حلقة أخرى؛ إذ وجد صاحب المحل، إيهاب عبد الخالق، نفسه محاصرا بين ضغط المواطنين المحتشدين أمام دكانه والتزاماته المسبقة مع التجار.
حاول عبد الخالق توضيح الموقف للمحتشدين، مؤكدا أن البضاعة ليست للبيع العام كونها حُجزت مسبقا، وقال "لا أستطيع بيعكم منها شيئا، فقد بيعت مسبقا وأنا بصدد شحنها لأصحابها".
ولم ينته التوتر إلا بعد تدخل الشرطة لتنظيم الوضع وشرح طبيعة نشاط المحل للمواطنين.
يلخص هذا المشهد جانبا من أزمة تزويد المياه المعبأة التي تشهدها تونس منذ أسابيع. كما يكشف أن المشكلة لا تقتصر على رفوف المتاجر، بل تمتد لتشمل جميع حلقات السلسلة من المصنع إلى المستهلك.
تأتي الأزمة بالتزامن مع موجة حرارة قياسية تشهدها تونس، ما قفز بالطلب على المياه المعدنية المعبأة إلى مستويات غير مسبوقة.
وفي تصريح لوكالة الأنباء التونسية، أوضح رئيس الغرفة الوطنية لمنتجي المشروبات غير الكحولية، الأسعد مزاح، أن هذا الارتفاع الاستثنائي في الإقبال يُعد أحد أبرز أسباب اضطراب الإمدادات، إلى جانب انقطاعات التيار الكهربائي التي طالت عددا من وحدات التصنيع.
وأضاف مزاح أن تداعيات انقطاع الكهرباء لا تتوقف عند تعطيل خطوط الإنتاج بشكل مؤقت، بل تتعداه إلى أعطاب فنية للمعدات، ما يتطلب أعمال صيانة وتوفير قطع غيار وإعادة تشغيل للوحدات؛ وهو ما يطيل فترة التأثر في سلسلتي الإنتاج والتوزيع.
وبحسب الغرفة المهنية، فإن الإقبال غير المعتاد استنزف جانبا كبيرا من المخزون الإستراتيجي الذي أعدته الشركات لموسم الذروة، في وقت حالت فيه اضطرابات الكهرباء دون قدرة بعض المصانع على الحفاظ على وتيرة إنتاجها المعتادة.
تكشف أزمة المياه المعبأة حجم ارتهان التونسيين لها خلال السنوات الأخيرة؛ ووفق أرقام "الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه" فإن متوسط استهلاك الفرد سنويا ارتفع إلى نحو 241 لترا عام 2024، مقارنة بـ225 لترا عام 2020.
وفي تصريح للجزيرة نت، أوضح خبير الموارد المائية حسين الرحيلي أن معدل الاستهلاك يرتفع بشكل ملحوظ خلال الصيف، مقدرا استهلاك أسرة تونسية مكونة من 5 أفراد بنحو 6 قوارير يوميا.
وأضاف أن تكلفة المياه المعبأة لهذه الأسرة قد تتراوح بين 130 و140 دينارا شهريا (ما بين 44.8 و48.2 دولارا) في مواسم الذروة.
وأكد الرحيلي أن التونسيين باتوا يحتلون المرتبة الرابعة عالميا في استهلاك المياه المعبأة، عازيا هذا الإقبال اللافت إلى تضافر عدة عوامل؛ أبرزها الموجات الحارة، وشح الموارد المائية، وتدهور جودة مياه الشرب العمومية.
وأشار الخبير المائي إلى أن عزوف المواطنين عن مياه الصنبور يرجع بالأساس إلى ارتفاع نسبة ملوحتها، إلى جانب تهالك شبكات التوزيع القديمة التي أثرت سلبا على جودة المياه الواصلة إلى المنازل.
وتعكس هذه الأرقام تحول المياه المعبأة من مجرد خيار رفاهية للرحلات أو اقتناء صيفي عابر، إلى بند أساسي وثابت ضمن ميزانية العيش اليومية لغالبية العائلات.
يطرح عزام سوالمية مدير إحدى الشركات المتخصصة في إدارة المخازن، بعدا آخر للأزمة يعتقد أنه لم ينل حقّه من الاهتمام، ويتمثل في تآكل مخزونات الأمان التي كان يستند إليها السوق قبيل دخول الصيف.
ويوضح سوالمية في حديث -للجزيرة نت- أن تجار الجملة اعتادوا استغلال تراجع الطلب في فصلي الشتاء والربيع لبناء مخزون ضخم من المياه؛ ما يمنحهم ميزتين أساسيتين:
غير أن هذه الآلية تعرضت لاهتزاز عنيف -بحسب سوالمية- جراء عاملين رئيسين:
ويعتقد سوالمية أن تضافر هذين العاملين أدى إلى تقليص مخزونات الأمان التي كانت كفيلة بامتصاص الصدمات واحتواء قفزات الطلب الصيفي.
ويُجمل المتحدث نفسه قراءته للمشهد بأن الأزمة الحالية ليست نقصا في الموارد المائية أو القدرات الإنتاجية، بقدر ما هي أزمة اختلال في آليات التمويل والتخزين والتوزيع.
في مواجهة تداعيات النقص وشكاوى المستهلكين من غلاء الأسعار واضطراب التزويد، دخلت وزارة التجارة وتنمية الصادرات على خط الأزمة لضبط مسالك توزيع المياه المعبأة.
وأصدر وزير التجارة وتنمية الصادرات سمير عبيد قرارا نافذا منذ 19 أغسطس/آب 2026، حدد بموجبه الحد الأقصى لهامش الربح الخام لبيع المياه المعدنية المعبأة بـ15% لتجار الجملة، و15% لتجار التقسيط.
ولتعزيز الانضباط في السوق، ألزم القرار الفاعلين في القطاع بـ:
كما دعت الوزارة المواطنين إلى الإبلاغ عن أي تجاوزات، وفي مقدمتها البيع المشروط، والامتناع عن البيع، واحتكار البضائع أو إخفاؤها.
وفي آخر بيان لها بشأن الأزمة، قالت الوزارة إن فرقها الرقابية بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية كثفت حملاتها الميدانية اليومية، ما أسفر عن حجز 186 ألفا و543 لترا من المياه المعبأة جراء مخالفات تطال شفافية المعاملات والأسعار، مع اتخاذ كافة الإجراءات القانونية الردعية بحق المخالفين.
قد يتلاشى الضغط تدريجيا مع انكسار موجة الحر وتراجع الاستهلاك كما يتوقع المنتجون، لكن الأزمة تترك خلفها أسئلة تتجاوز حدود صيف 2026:
في الشارع، لا يملك المواطن الوقت لانتظار الإجابات، فعبد اللطيف يواصل البحث عن قارورة ماء عند نقطة التوزيع الأولى، بعدما عجز عن إيجادها في منفذ البيع النهائي.
وهنا تختزل القارورة الصغيرة الأزمة بأكملها: فالقضية لم تعد تقتصر بسؤال: أين يوجد الماء؟ بل كيف يصل إلى المستهلك عندما يحتاج إليه؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة