نحن نعيش اليوم العصر الذهبي لرياضة الرغبي؛ فبطولة "الأمم الست" للرجال عام 2025 شهدت تسجيل أكبر عدد من المحاولات في تاريخ البطولة، كما صُنفت كأس العالم الأخيرة للسيدات كأفضل نسخة على الإطلاق.
ورغم إرجاع هذا الطفرة إلى الاستثمار والاحترافية، يظل هناك عامل جوهري لم ينل حقه من التقدير بعد، وهو "البيانات".
أجساد اللاعبين مجهزة بأجهزة تتبع تتيح للمدربين مراقبة الأداء، بينما ترسل واقيات الأسنان تنبيهات فورية للأطباء
تُحدث البيانات ثورة حقيقية في الرغبي، رغم حداثة عهدها مقارنة بالرياضات الأمريكية أو الكريكت. فأجساد اللاعبين اليوم مجهزة بأجهزة تتبع حيوي تتيح للمدربين مراقبة الأداء بدقة، بينما ترسل واقيات الأسنان الذكية تنبيهات فورية للأطباء عند حدوث إصابات، في حين يستخدم المعلقون خوارزميات للتنبؤ بنجاح ركلات الأهداف.
لقد تحولت البيانات من كونها "رفاهية" إلى عنصر أصيل يتغلغل في كل تفاصيل اللعبة.
وفي هذا المجال، يأتي كتاب "غزو المساحات" (Attacking the Space) لمحلل الرغبي سام لارنر، كجزء من تيار يهدف لتلبية عطش الجماهير للتحليل الرياضي القائم على الأرقام والإحصاء.
يطرح "لارنر" فكرتين جوهريتين؛ الأولى قد تبدو صادمة ومنافية للمنطق للوهلة الأولى: "إذا أردت تسجيل المزيد من النقاط، فعليك أن تهاجم بشكل أقل".
ويوضح لارنر أن هذه المغالطة تنبع من فكرة أن الاستحواذ على الكرة يشبه شراء تذاكر "اليانصيب"؛ فكلما امتلكت المزيد، زادت فرصك في الفوز.
لكن الحقيقة كما يحاجج لارنر هي أن امتلاك الكرة يمثل "مخاطرة"؛ فعلى مستوى النخبة، حيث تتفوق الدفاعات على الهجوم، لا تستطيع الفرق اللعب لأكثر من 5.4 مراحل في المتوسط قبل أن تفقد الكرة. وعندها، يمكن للهجوم المرتد للخصم أن يكشف الفريق قبل أن يعيد تنظيم دفاعاته.
ولتقليل الاعتماد على الهجوم المباشر، يحتاج الفريق إلى زيادة "الركل" أثناء اللعب المفتوح. ورغم أن الركل لا يحظى بشعبية جماهيرية (لاعتباره أقل إثارة من الركض بالكرة)، إلا أن لارنر يثبت ببراعة أن الركل هو ما يمهد الطريق للرغبي المثير؛ فهو الذي يجبر المدافعين على التراجع إلى الخلف، مما يترك مساحات أوسع على الأطراف يمكن للفريق المهاجم استغلالها.
تؤيد البيانات هذا الطرح؛ إذ إن 43% من المحاولات المسجلة تأتي من المرحلة الأولى للهجوم، و64% تأتي ضمن المراحل الثلاث الأولى.
وكما يكتب لارنر "سواء كنت تحب الرغبي لتدفقه الرومانسي الحر أو لتعقيده الشبيه بالشطرنج، فإن الركل هو ما يجعل الرياضة أفضل". كما أنه يجعل الفوز أكثر احتمالاً؛ فحوالي 75% من المباريات يحسمها الفريق الذي يقطع أكبر مسافة عبر الركل.
أما الفكرة الجوهرية الثانية لـ "لارنر"، فهي تستحضر روح منهجية "موني بول" (Moneyball) الشهيرة في كرة القاعدة؛ حيث يمكن لمقياس إحصائي واحد أن يتنبأ بنتيجة المباراة.
في الرغبي، يرى لارنر أن "الإحصائية القاتلة" هي الفرق بين عدد المرات التي يخترق فيها الفريق (أ) خط الـ 22 متراً التابع للفريق (ب)، وعدد المرات التي يحدث فيها العكس.
ويوضح لارنر أن هذه الإحصائية تملك أوثق ارتباط بنجاح الفريق أكثر من أي إحصائية أخرى، باستثناء النقاط المسجلة والمستقبلة.
كُتب "غزو المساحات" بأسلوب غير رسمي؛ ورغم أن لغته تميل أحياناً للإسهاب، إلا أنه كتاب مهم لمن يريد فهم حقيقة ما يجري على العشب الأخضر.
كما يعد قراءة أساسية للمحللين والمعلقين قبل انطلاق بطولة "الأمم الست"، ليدركوا أن الاستحواذ ليس كل شيء، وليتوقفوا عن القلق بشأن كثرة الركل. يكشف كتاب لارنر أسرار الرغبي، ويشرح بذكاء لماذا وصلت هذه الرياضة اليوم إلى قمة تألقها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة