آخر الأخبار

"الهالاخاه" و"الدارما".. تاريخ "الغرام" الأيديولوجي بين الهند وإسرائيل

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

ليس تفصيلا أن يكون رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي هو آخر قائد دولي يلقي كلمة أمام الكنيست الإسرائيلي، قبل ثلاثة أيام من انطلاقة الهجمات الجوية الإسرائيلية الأمريكية المشتركة على إيران نهاية فبراير/شباط الماضي، التي افتتحت يومها الأول بقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وثلة من القادة العسكريين والأمنيين.

كانت هذه زيارة مودي الثانية كرئيس وزراء إلى إسرائيل. وتحت حكمه، تحولت الهند إلى أكبر مستورد للسلاح الإسرائيلي في العالم، بل تنامى التصنيع المشترك بين البلدين للصواريخ والمسيّرات وتكنولوجيا التجسس بكل حماسة. تعمقت الشراكة الصناعية العسكرية والأمنية بشكل غير مسبوق في موازاة الحرب التدميرية على قطاع غزة، حيث وفّرت المصانع الهندية لإسرائيل مخرجاً قانونياً وسياسياً لتصنيع معدات بتكنولوجيا إسرائيلية وبتكاليف أقل، بعيداً عن القيود التي قد تفرضها الدول الغربية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 دييغو غارسيا.. "المستعمرة" التي تشن أمريكا منها الحروب في الشرق الأوسط
* list 2 of 2 الطريق إلى هرمجدون.. الأبعاد الدينية لحرب ترمب ونتنياهو ضد إيران end of list

وبينما واجهت إسرائيل تباطؤا في سلاسل التوريد الأوروبية، بقيت القنوات الهندية مفتوحة لتزويدها بهياكل طائرات بدون طيار، وأنظمة دفاعية دقيقة، ومواد دافعة ومتفجرات للمحركات الصاروخية. تحوّلت مسيّرات "هيرميس 900″إلى أحد أبرز رموز الشراكة العسكرية الصناعية بين البلدين. وفي عام 2024، دمجت إسرائيل مسيرات هيرميس المصنعة في حيدر آباد مع أنظمة ذكاء اصطناعي -مثل نظام غوسبل (Gospel)- لتحديد الأهداف وتوجيه الضربات بدقة متناهية، مما جعل المكونات الهندية جزءا من "سلسلة القتل الرقمي".

"بينما واجهت إسرائيل تباطؤا في سلاسل التوريد الأوروبية، بقيت القنوات الهندية مفتوحة لتزويدها بهياكل طائرات بدون طيار، وأنظمة دفاعية دقيقة، ومواد دافعة ومتفجرات للمحركات الصاروخية".

على الجهة المقابلة، استُخدمت برمجيات التجسس الإسرائيلية لمراقبة المعارضين لسلطة مودي في الهند عبر تقنيات متطورة تتيح اختراق الأجهزة عن بُعد دون الحاجة لتفاعل المستخدم. شملت قوائم الاستهداف قادة المعارضة، بدءا من زعيم حزب المؤتمر راهول غاندي، إلى ناشطين في قضايا حقوق الإنسان وحتى بعض القضاة.

إعلان

كما تعاون الجانب الإسرائيلي مع سلطة نيودلهي لتطوير قاعدة بيانات حيوية للسكان في كشمير. واستفادت الهند في مواجهة حراك الكشميريين من الخبرات الإسرائيلية في إدارة "الإغلاق الرقمي"، أي القدرة على قطع الإنترنت بشكل انتقائي أو مراقبة المحتوى عبر برمجيات ذكاء اصطناعي إسرائيلية. وبالتكامل مع شراكة التصنيع الحربي والشراكة الاستخبارية، جاءت مبادرة غرب آسيا "آي 2 يو 2" (I2U2) عام 2022 كإطار يضم الهند وإسرائيل والولايات المتحدة والإمارات، بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، الأمر الذي يعني ربطا للهند بالحلف الذي دشنته "الاتفاقات الإبراهيمية" في منطقة الشرق الأوسط.

مصدر الصورة مبادرة مجموعة "آي 2 يو 2" (I2U2) عام 2022 جاءت بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والتكنولوجي ما يعني ربطاً للهند بالحلف الذي دشنته "الاتفاقات الإبراهيمية" في منطقة الشرق الأوسط (أسوشيتد برس)

"اليهود الجدد"

في السنوات الأخيرة أيضا، تطورت عملية تجهيز وتصنيع "يهود جدد" في أقصى شمال شرق الهند، وبالذات في ولايتي مانيبور وميزورام، بين الفئة المنتمية إلى قبائل كوكو تشين ميزو المنتمية إلى العائلة التيبتية-البورمية. دأبت تلك القبائل منذ خمسينيات القرن الماضي على تبني ما سمعته من الإثنوغرافيين الكولونياليين والمبشرين البروتستانت من أنها من قبائل بني إسرائيل الضائعة، وبالضبط من سبط "مِنسّى – بني ميناشيه"، وهو فرع مزعوم لواحد من الأسباط الاثني عشر لبني إسرائيل.

وفي عام 1951، ادعى أحد الوجهاء القبليين، ويدعى مارتن تشالتشوانغلا، أنه رأى في المنام أن شعبه يعود إلى أرض إسرائيل، وأعقب ذلك إعادة تركيب للذاكرة الشفوية للجماعة، بحيث أخذت تتعرف على يهوديتها شيئا فشيئا في عاداتها وطقوسها الباقية من زمن ما قبل اعتناقها المسيحية البروتستانتية.

" منظمة شافي إسرائيل المختصة في البحث عن الجماعات التي تدعي أصولا يهودية بذلا جهدا لتهويد بني ميناشيه وتعليمهم العبرية".

كانت هذه الفرقة في البدء أقرب للفرق الإنجيلية الغالية إلا أن منظمة "شافي إسرائيل" (Shavei Israel) التي يقودها مايكل فريند، وهو ناشط يميني إسرائيلي ومساعد سابق لبنيامين نتنياهو تتخص منظمته في البحث عن الجماعات التي تدعي أصولا يهودية ثم تهويدها وتوطينها، بذلت جهداً منظما لتهويدهم وتعليمهم العبرية، إلى أن اعترف الحاخام الأكبر للسفارديم في إسرائيل شلومو عمار رسمياً عام 2005 بأنهم "من نسل إسرائيل"، مما فتح الباب قانونيا لهجرتهم بموجب "قانون العودة"، بشرط خضوعهم لعملية "تهويد كاملة".

ومع اندلاع صراع دموي بين قبائل الميتي والكوكو (الذين ينتمي إليهم بني مينشيه)، استغلت المنظمات الصهيونية هذا النزاع لتسريع نقلهم إلى إسرائيل بحجة حمايتهم من التطهير العرقي. وقد أقرت الحكومة الإسرائيلية مؤخرا خطة مدتها خمس سنوات لنقل من تبقى من المجتمع في الهند (نحو 5800 شخص) بحلول عام 2030، ويجري توزيعهم في المناطق الأكثر خطورة من الناحية الأمنية.

من المفيد هنا المقابلة بين السهولة النسبية في تمرير يهودية هذه الجماعة وبين الإشكالية التي وقعت في إسرائيل عام 1962 حيال طائفة هندية أخرى عرفت باسم "بني إسرائيل" واجهت مشكلة الاعتراف بيهوديتها من طرف الحاخامية الكبرى، إلى أن حسمت القضية لصالح الاعتراف بيهوديتها بعد عامين. عُرف هؤلاء في الهند باسم "شنيوار تيلي"، وهي عبارة تعني "عاصري زيت يوم السبت"، لأنهم كانوا يمتنعون عن العمل وعصر الزيت في يوم السبت التزاماً على غرار اليهود. لاحقا، عملت طائفة اليهود "البغداديين" في الهند لقرون طويلة على تهويد شنيوار تيلي، رغم استمرار التشكيك في يهودية هذه الجماعة، ورفض الصلاة معهم في نفس الكنس أو مصاهرتهم.

إعلان

وعلى الرغم من أن اعتراف الهند المستقلة بإسرائيل عام 1950 لم يتطور إلى علاقات دبلوماسية ناجزة، إلا أن قنصلية إسرائيل تأسست في مومباي عام 1953 لأجل تسهيل حركة هجرة كل من طائفتي "البغداديين" التجارية و"بني إسرائيل".

العقيدة الأمنية بين الهند وإسرائيل

ثقافياً، تشربت السينما الهندية العقيدة الأمنية الإسرائيلية بشكل متنام. كان المنعطف عام 2019 مع فيلم "أوري: الضربة الجراحية" الذي يوثق الرد العسكري على هجوم استهدف معسكرا للجيش الهندي في منطقة أوري بكشمير. فقد روّج الفيلم لصورة الهند التي "تقتحم بيوت أعدائها لقتلهم"، قبل أن يتبنى مودي هذا الشعار في حملاته.

"تشربت السينما الهندية العقيدة الأمنية الإسرائيلية بشكل متنام".

أعلن فيلم أوري أن عصر البطل الرومانسي الشاكي الباكي في أفلام بوليوود قد ولّى، وأن الكلمة من الآن فصاعدا هي للروح القومية العضلية والفحولة المستلهمة من تكتيكات الاختراق الصامت والضرب الاستباقي الإسرائيلية. أظهر الفيلم القوانين على أنها مجرد شكليات إدارية لا يمكن أن تزاحم "الدارما" على الأولوية.

تعني الدارما الالتزام الطوعي بناموس الكون. فالديانات الدارمية كالهندوسية والبوذية والجاينية والسيخية هي التي تنظر إلى الواجب الأخلاقي كانعكاس لقانون أزلي كوني أسمى يخضع له الجميع، وإن دور كل إنسان هو فهم المكان الصحيح الذي يعود له في مراتب هذا العالم. تتوزع الدارما بين ما ينطبق على كل البشر، وما بين دارما فرعية تخص كل طبقة وظرف.

ما يحدث في الهند -وفيلم أوري من الشواهد الثقافية العمومية على ذلك- يعبر عن انقلاب الفرع على الأصل. فالدارما الخاصة بطبقة المحاربين سابقاً بات يراد لها أن تشمل الأمة ككل، ما يعني تعليق الدارما الشاملة لكل البشر، أي ناموس الصدق والصبر والرحمة واللاعنف "الأهيمسا"، كي يحل محلها قيم الفحولة القتالية و"الضرب في العمق".

لا يشكو المايجور فيهان، وهو البطل في فيلم أوري، ولا يتفاوض. وقد تحولت صيحته الشهيرة بالإنجليزية المهندة "كيف هي الحماسة؟" إلى شعار شعبي استخدمه مودي غير مرة. فيهان هو بطل تعبوي بامتياز، لكنه يطبق الدارما القتالية الاستباقية ببرود تكنولوجي وشوق للانتقام. وقد تزامن خروج فيلم أوري إلى الصالات مع الاستعداد لانتخابات 2019، لذلك استخدم الحزب القومي الديني الحاكم بهاراتيا جاناتا (BJP) مقاطع من الفيلم لإظهار حكومته على أنها تحارب الإرهاب بلا هوادة. وبمعنى آخر، جرى ربط الناخبين بالدارما القتالية المصنعة سينمائياً على محك تشرب العقيدة الأمنية الإسرائيلية.

مصدر الصورة فيلم "أروي" روج لصورة الهند التي "تقتحم بيوت أعدائها لقتلهم" قبل أن يتبنى مودي هذا الشعار في حملاته (آي إم دي بي)

الدولة الهندوسية والدولة اليهودية

أمام الكنيست الإسرائيلي، وعشية انطلاقة الحرب "الهرمجدونية" على الجمهورية الإسلامية في إيران، وقف مودي يقارن بين الهند وإسرائيل، قائلاً: "نحن ننتمي إلى حضارتين عريقتين. وربما ليس من المستغرب أن تكشف تقاليدنا الحضارية أيضا عن توازيات فلسفية". وأردف قائلا إنه في إسرائيل، يتحدث مبدأ "تيكون عولام" عن إصلاح العالم وشفائه، وفي الهند يؤكد مفهوم "فاسوديفا كوتومباكام" أن العالم أسرة واحدة، زاعما أن كلا الفكرتين تتجاوزان حدود الانتماءات المباشرة، وتدعوان المجتمعات إلى التحلي بالتعاطف والشجاعة الأخلاقية.

"تؤكد اليهودية على الهالاخاه، التي تُوجّه السلوك اليومي عبر القانون والممارسة. أما الفلسفة الهندوسية فتتحدث عن الدارما، النظام الأخلاقي الذي يحدد الواجب والفعل القويم. في كلا التقليدين، تُعاش الحياة الأخلاقية بالفعل، ويُعبَّر عن الإيمان من خلال السلوك".

بواسطة مودي في خطابه أمام الكنيست - فبراير/ شباط 2026

بهذا كان مودي يطرح نموذجا للعلاقات الدولية يقوم على ما أسماه "التوازي الفلسفي" بين الهالاخاه اليهودية والدارما الهندية. ورغم أن مقدمة الدستور الهندي تنص على العلمانية، إلا أن مودي يدمج الهند وإسرائيل في نموذج مشترك، هو نموذج الدولة التي يحكمها نظام أخلاقي وديني محدد، أي الدولة الحضارية بالمدلول الإحيائي القومي الديني، لا الدولة-الأمة. يخبرنا ذلك عن سر عمل مودي وحزبه على فرض القومية الهندوسية شيئا فشيئا، وتطويق الالتزام العلماني في الدستور، وهو ما جرت ترجمته عبر تعديل قانون الجنسية، وبناء معبد رام ماندير على أنقاض مسجد بابري الذي دمره أنصار المنظمات القومية-الهندوسية عام 1992.

مصدر الصورة هندوس فوق مسجد بابري قبل هدمه أواخر عام 1992 (غيتي)

جاء التعديل على قانون الجنسية ليمنح مسارا سريعا للحصول على الجنسية الهندية للاجئين القادمين من باكستان وبنغلاديش وأفغانستان شرط أن يكونوا هندوسا أو سيخا أو بوذيين أو جاينيين أو بارسيين، ما يستثني المسلمين من هذا المسار. وهو ما يناقض الالتزام الدستوري بالعلمانية والمفهوم الذي حاولت أن تكرسه الهند بعد الاستقلال لعلمانيتها على أساس مبدأ "سارفا دارما سامبا"، أي الاحترام المتساوي لجميع الأديان والجمع بين عدم تجاهل الأديان وبين عدم التمييز بين المواطنين على أساس الدين والمعتقد.

إعلان

أما بناء المعبد في الموقع الذي هُدِم فيه المسجد، وهي حادثة أشعلت نار اقتتال طائفي أودى بحياة ألفي مواطن حينذاك، فجاء ليتوج منطق تحقيق المطلب الديني "الأكثروي" عبر العنف الشارعيّ والتعبئة المتواصلة والضغط على المؤسسة القضائية والتصديق "ولو بعد حين" على هدم التراث المعماري والثقافي. بل هناك في هند اليوم من يطالب بتحويل ضريح تاج محل نفسه إلى معبد هندوسي. يضاف إلى ذلك موجات "غار واسبي" أي "العودة إلى البيت" وتعني ممارسة ضغوط أهلية على فئات من المسلمين والمسيحيين من الطبقات الاجتماعية الفقيرة للعودة إلى ديانة أسلافهم، الهندوسية، كما يُزعم الهندوس المتعصبون.

يقابل ذلك أن القوميين الهندوس يشتكون مما يصفونه بأنه تمييز لصالح المسلمين، إذ تُطبّق عليهم قوانين أحوال شخصية مستقاة من الشريعة في مسائل الزواج والطلاق والإرث، بينما تخضع الأغلبية الهندوسية لقوانين مدنية خاصة (Hindu Personal Law). في خطاب هؤلاء القوميين، يُدرَج ما يطالبون به على أنه سعي إلى فرض العلمانية الشاملة، لا المبتورة. في الوقت نفسه، وعندما أثيرت قضية منع النساء من دخول معبد سابريمالا في ولاية كيرالا بين عامي 2016 و2019، أسند القوميون الهندوس رفضهم العارم لدخول النساء إلى المعبد على أنه من حق إله هذا المعبد، آيابان، كون حقوق الأشخاص بموجب الدستور لا تسري على البشر فقط، بل تمتد إلى الآلهة أيضا، التي تتمتع قانونياً بحقوق القاصر، الذي يجب أن يكون له ممثل قانوني أو وصي، مثل هيئة إدارة المعبد المعني.

"هناك محاولات ذات دافع سياسي لإيجاد مشترك ما بين الهندوسية واليهودية".

يقودنا ذلك إلى محاولات ذات دافع سياسي لإيجاد مشترك ما بين الهندوسية واليهودية. حتى اليوم، لم ينقطع الخلاف بين مؤرخي الأديان، بين من يعتبر أن الهندوسية هي أقدم الأديان الممارسة منذ آلاف السنين إلى اليوم، وبين من يصنفها حديثة التشكل، بل يعيدها إلى القرن التاسع عشر، من خلال عملية تأطير وتجميع مجموعة ديانات جنوب آسيوية مختلفة في مسمى واحد، حيث لم يستخدم المصطلح الجامع "Hinduism" بالإنجليزية إلا في مطلع القرن التاسع عشر، وليس هناك من اسم جامع يفرّق بين "الهندوس" وبين سواهم على نحو قاطع قبل ذلك.

أما الموجات الإحيائية ثم القومية-الدينية فتتعامل مع الهندوسية على أنها الاسم الأجنبي لـ"السانتانا دارما" بالسنسكريتية، وتعني أتباع القانون الأزلي، لتأكيد أن الهندوسية أصلية وأبدية. في الوقت نفسه، فقد ازداد هذا التأصيل السنسكريتي لوحدة الهندوس كأتباع "سانتانا دارما" (Sanatana Dharma)، مع الإصرار على أنهم يشكلون متحد قومي من ناحية، والتشديد في الوقت نفسه على أن الهندوسية هي أم الديانات العالمية من ناحية ثانية. لأجل ذلك ثمة حدود للمقارنة بين العمل على توطيد هندوسية الدولة في الهند وبين التوكيد على يهودية الدولة في إسرائيل.

فاليهودية، مقارنة بالهندوسية، تبدو ديانة لها وحدة نصيّة وعقائدية أوضح رغم تنوّع طوائفها وتراثها. وإسرائيل، بخلاف الهند، لم تكتب دستورا لنفسها، وبالتالي أبقت كل المسائل المتصلة بتعريف ماهيتها مؤجلة. مع ذلك، ففي عرف اليمين القومي الديني في الهند، ثمة "نظام قيمي مشترك" بين المتحدرين من ديانتي العصر القديم إلى اليوم، ولذلك عندما يتحدث مودي أمام الكنيست عن "ديمقراطيات صاغها التاريخ" فهو يشير إلى أن ما ينبغي أن يجمع بين الهند التي يحرص على استحضار اسمها المعادل بالسنسكريتية، المكرس في مقدمة الدستور الهندي، أرض بهارت، وبين إسرائيل، هو كونهما "دولتين حضاريتين" تحييان ممالك مقدسّة كانت موجودة قبل آلاف السنين.

توسيع القواعد

داخليا في الهند، ينظر أنصار اليمين القومي الديني في الهند إلى أيديولوجيتهم، الهندوتفا، على أنّها قادرة على المواءمة بين التحديث الاقتصادي وبين التصالح مع الجذور الثقافية للأكثرية الهندوسية. وفي مقابل التشدد حيال غير الهندوس، وتحديداً حيال المسلمين، تسعى الهندوتفا لإظهار قدرتها على تحقيق اندماج اجتماعي أكبر في البوتقة الهندوسية، لاسيما لأبناء الطبقات السفلى ضمن هرمية نظام الطبقات الوراثية-الدينية. الأساس الاجتماعي – الاقتصادي لخطاب حزب بهاراتيا جاناثا يقضي بتوسيع قاعدة المستفيدين من التحديث الاقتصادي الحاصل على أن يحدث ذلك ضمن مجتمع الأكثرية الهندوسية.

إعلان

يغري هذا بعقد مقارنة مع خطاب اليمين الإسرائيلي، الذي سعى منذ السبعينيات، لاستمالة اليهود الشرقيين-المزراحيم وتحسين وصولهم إلى الإسكان والتعليم ووظائف الدولة ودعم خصوصياتهم الفنية والثقافية. لم يلغ ذلك الطابع الأشكينازي أولاً لليكود، مثلما لا يلغي الخطاب "التوزيعي" باتجاه الطبقات الدنيا في الهرمية الهندوسية تحكم المتحدرين من الطبقات العليا، لاسيما من البراهميين، بقيادة كل من حزب بهاراتيا جاناتا ومنظمة المتطوعين القومية، رغم كون مودي نفسه منحدرا من الطبقة الرابعة الأدنى، الشودرا.

مع هذا، ورغم توظيف صورة مودي كابن لطبقة فقيرة (الشودرا – طبقة العمال والخدم والفلاحين البسطاء)، ولأجل توحيدهم وجدانياً بإزاء المسلمين وغير الهندوس عموماً، فإن فئات من الطبقات الدنيا قد شعرت بتهميش أكبر في هذه الفترة، بل زادت حوادث الاعتداء عليهم، ولم تعوّض عن ذلك سياسة "المستفيدين" (لابهارتي)، حيث تعطي الحكومة مساعدات اجتماعية لتعويض عجزها عن خلق وظائف جديدة.

"كما أن السؤال حول تعريف اليهودي لا يزال يمثل أرضية للتوتر المجتمعي في إسرائيل، فإن السؤال حول هوية الهندوسي يثير نصيبه من التوتر في الهند".

لأجل ذلك، يترسخ التوتر بين حراك المتحدرين من طبقة الداليت (المنبوذين)، وبين سياسات اليمين القومي الديني، ناهيك عن التوتر بين الطابع "الآري" لهذا اليمين، وبين حساسية هندوس الجنوب "الدرافيديين" (لاسيما التاميل) بوجه هندوس الشمال. من هنا، وكما أن سؤال "من هو اليهودي؟" لا يزال يمثل أرضية للتوتر المجتمعي في إسرائيل، فإن سؤال "من هو الهندوسي؟" يثير نصيبه من التوتر. في غضون ذلك، يسعى اليمين القومي الديني في الحالتين إلى تقديم جواب على هذا السؤال من خلال تحديد رقعة الانتماء من خلال الولاء لكل من هندوسية الدولة ويهودية الدولة.

مصدر الصورة

يرتبط مسعى "الهندوتفا" لتوطيد معادلة "الهند للهندوس" بتحقيق اندماج اجتماعي ثقافي أعمق ضمن هذه البوتقة. لكن ذلك يصطدم بالتصدّع البنيوي لحركة التحديث الاقتصادي. لقد شهدت الهند تسارعاً واتساعاً في النمو، بحيث قفز فيها الاقتصاد الهندي من المركز العاشر عالمياً في عام 2013 إلى المركز الخامس حاليا، وعرفت طفرة هائلة في بناء الطرق السريعة، وتحديث السكك الحديدية، وتضاعف عدد المطارات، وفُتحت فيها مئات الملايين من الحسابات البنكية للمهمشين.

في المقابل، زاد الاحتقان الاجتماعي، لأن النمو الهندي كان سريعاً في المدن الكبرى مثل مومباي وبنغالور، وبالأخص في القطاع الرقمي والتقني، لكنه لم يخلق العدد المأمول من الوظائف، فلا تستفيد منه العمالة بالقدر الكافي. ف لا تزال الهند قارة ريفية-زراعية بامتياز. فحوالي 65% من السكان يعيشون في الأرياف. هذا بخلاف الصين، حيث كانت الحال كذلك إلى عقود خلت، في حين بات أكثر سكانها اليوم يعيشون في المدن. وفي حين تتسم الزراعة الصينية بالإنتاجية العالية وتقنيات الري الحديثة، يعتمد أكثر الزراعة في الهند على الري الموسمي، والأدوات التقليدية.

في كل من الهند وإسرائيل، ثمة أيديولوجيا تسعى من خلال إثارة الخوف من التهديد القومي الديني لهوية الدولة، لمواجهة تصدع مجتمعي متعدد الأوجه، يتصل بثنائيات براهمن وداليت وآريين ودرافيديين وحضريين وريفيين في الهند، وبثنائيتي أشكينازيم ومزراحيم، ومجتمع تل أبيب في مقابل مجتمع المتدينين ومستوطني الضفة، في حالة إسرائيل.

معبد أيوديا وإعادة بناء الهيكل

المفارقة أن اليمين الهندي واليمين الإسرائيلي ينظر كل واحد منهما إلى الآخر كنموذج. هذا سبق الآخر في أشياء، وذاك سبقه في أشياء أخرى. يرى أنصار الهندوتفا في إسرائيل نموذجاً ناجحاً لتحويل الرابطة الدينية إلى رابطة قومية، نجحت في إحياء اللغة القديمة والمقدسة، وهو ما توازيه مرجعية اللغة السنسكريتية، مع الاكتفاء عند الهندوتفا بالتشجيع على تغليب لغة "الهندي" على بقية لغات شبه القارة، كونها الأقرب للسنسكريتية، وليس بعث الأخيرة كلغة محكية شعبية شاملة.

وترى الهندوتفا إلى إسرائيل كتجربة ناجحة في تطوير التكنولوجيا والزراعة في مناطق صعبة، بل كانت الزراعة من عناوين التعاون بين البلدين الأساسية حتى في المدة السابقة على وصول مودي إلى الحكم، حيث تنظر الهند إلى إسرائيل كمدرسة نموذجية في أسلوب التصرف بالمياه وزيادة الإنتاجية والري الذكي وإدارة التربة والتسميد الدقيق ونقل مزروعات لم تكن معروفة بالهند، كالزيتون، من إسرائيل.

"يرى أنصار الهندوتفا في إسرائيل نموذجا ناجحا لتحويل الرابطة الدينية إلى رابطة قومية".

أما الإعجاب الإسرائيلي بالهندوتفا فمرده إلى نظرتها إلى ألف عام من تغلب السلطنات الإسلامية في تاريخ الهند على أنه شكل من الاستعمار الثقافي والعسكري، يصفه بعض عتاة الهندوتفا على أنه "الاستعمار الشرق أوسطي لجنوب آسيا". يتقاطع هذا "اللعب" بمفهوم الاستعمار بهذا الشكل مع النظرة التي يعتمدها اليمين الصهيوني بالأخص لتاريخ فلسطين منذ هدم الرومان للهيكل الأورشليمي على أنه مرحلة استعمارية طويلة الأمد تنتهي باستعادة السكان الأصليين (اليهود) للأرض الموعودة.

منذ عام 2014، أخذت الهندوتفا تتحول من أيديولوجية حركية إلى مصفوفة سياسات تسعى إلى تحويل الهند من نموذج دستوري قائم على العلمانية، إلى ما يسمى بـ"الهندو راشترا" (الأمة الهندية). وكلمة راشترا تحمل معنيين متداخلين ما بين مفهومي الدولة والأمة، فهي تشير من ناحية إلى الأساس الديني الهندوسي في صياغة الأمة، فالانتماء الهندوسي نفسه يُعاد تعريفه كانتماء حضاري في صميمه، بل وإثني بامتياز قائم على وحدة دم جوهرية متصلة بقدسية ووحدة الأرض.

لكن، من ناحية أخرى، تفيد "الهندو راشترا" أيضا معنى "هندوة" الدولة نفسها، بحيث لم تعد الدولة تتعالى على هندوسية الأمة، بل تتحول هي نفسها إلى دولة هندية، بحيث تتصالح المؤسسات والقوانين مع ذلك. ليست الهندو راشترا ثيوقراطية بمعنى تولية رؤساء الكهنة على الناس، لكنها "راماقراطية" إن جازفنا بنحت مفهوم. فالقلب العاطفي النابض لمشروع القوميين الدينيين منذ عقود هو "الراما راجيا"، أي استعادة، بل إحياء، المرحلة الأسطورية التي حكم فيها الملك الإلهي رام مدينة آيوديا.

تعد الراما راجيا هي المحرك الذي يحول أيديولوجيا الهندوتفا إلى عاطفية شعبية تعبوية. ومنذ الثمانينيات، تجري أدلجة رمزية رام. والمفارقة هنا هي أن هذه الأدلجة تنامت في ظل حكم حزب المؤتمر (المعارض لقومية مودي)، وتحديدا في عهد راجيف غاندي (1984-1989) في سياق محاولات استعادة ثقة الناخب الهندوسي في أعقاب قضية "شاه بانو" الشهيرة التي اتهم بسببها حزب المؤتمر بـ"محاباة المسلمين".

مصدر الصورة هندوس قرب تمثال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قبيل افتتاح معبد رام ماندير في 20 يناير/ كانون الثاني 2024 في أيوديا (غيتي)

ففي عام 1985، طالبت امرأة مسلمة تدعى شاه بانو بيغوم بحق النفقة بعد الطلاق وفق القانون المدني، فأيدتها المحكمة العليا، معتبرة أن أحكام الشريعة المحدودة لا تلغي حقها في النفقة المستمرة إذا عجزت عن الكسب. أثار الحكم احتجاج جماعات إسلامية، فاضطرت حكومة راجيف غاندي إلى سن قانون خاص يقلص هذا الحق، فقامت قيامة اليمين الهندوسي ضد ما وصفوه بـ"محاباة المسلمين".

اتُهمت حكومة غاندي بـ"استرضاء المسلمين" عبر تغيير القانون استجابةً لرجال الدين المسلمين. وفي هذا السياق، جاء بث مسلسل "رامايان" للمخرج راماناند ساجار على القناة الرسمية "دوردشان" بإيعاز من راجيف شخصياً. توقفت الحياة في الهند كل يوم أحد آنذاك، بل كان الناس يغتسلون، ويقدسون أجهزة التلفزيون كأنها معابد. روّج المسلسل لرام كحاكم مطلق وعادل، وملك محارب على رأس مجتمع معسكر.

استغل القوميون الدينيون النجاح الساحق للمسلسل لإطلاق حملة "رام جانمابهومي": المطالبة بمعبد أيوديا، في مسقط رأس الإله، بما يقضي بهدم مسجد بابري المشيد في مطلع القرن السادس عشر. وبعد مقتل راجيف على يد نمور التاميل، ودخول سلالة نهرو غاندي في مرحلة من الاضطراب انتهت بإحكام صونيا، أرملة راجيف الإيطالية، قبضتها على حزب المؤتمر وتوريث زعامته من بعدها إلى نجلها راهول، عمد أبرز قياديي حزب بهاراتيا جاناثا آنذاك، لال كريشنا أدفاني، إلى قيادة مسيرة دينية سياسية ضخمة على متن شاحنة صُممت كـ"عربة حرب" تجول الهند للمطالبة ببناء معبد رام، متهماً علمانية حزب المؤتمر بالزيف ومحاباة المسلمين.

نجحت مسيرة أدفاني في توحيد الناخبين الهندوس خلف الحزب، وأدت لاحقاً إلى هدم مسجد بابري عام 1992 بحضوره الشخصي. كان مودي آنذاك من منظمي مسيرة العربة، ولاحقاً وصل مودي لرئاسة وزراء ولاية غوجارات. وقعت حينها حادثة قطار غودهرا في 27 فبراير/شباط 2002: حريق في قطار أسفر عن مقتل ستين من الناشطين الدينيين الهندوس العائدين من مدينة أيوديا، بعد تنظيمهم فعالية تطالب بالإسراع ببناء المعبد مكان المسجد المهدم. اتُهم مسلمون بإضرام النار، وبدأت هجمات انتقامية واسعة النطاق ضدهم في جميع أنحاء الولاية، وسقط منهم بين ألف وألفي قتيل، واتُهم مودي حينها بالتقاعس بل التواطؤ مع الجناة، قبل أن يحصل على تبرئة قضائية من المحكمة العليا الهندية.

في الأديان الإبراهيمية، بدءاً من اليهودية، يمتد الزمن خطيا ببداية ونهاية، هما الخلق والقيامة. أما في الهندوسية وسائر الأنساق الدينية الثقافية الدارمية، فالزمن دائري، يتكون من دورات لا نهائية من الخلق والدمار. الهدف في تلك الدورات هو "الموكشا" (الانعتاق) من دورة التناسخ (السمسارا) عبر المعرفة أو التعبد أو العمل.

"في الأديان الإبراهيمية، بدءا من اليهودية، يمتد الزمن خطيا ببداية ونهاية، هما الخلق والقيامة. أما في الهندوسية وسائر الأنساق الدينية الثقافية الدارمية، فالزمن دائري، يتكون من دورات لا نهائية من الخلق والدمار".

مع ذلك، ينظر أرباب الهندوتفا اليوم إلى الهندوسية واليهودية على أنهما تتشاركان في الكثير، مثل الشكوى من ديانات التبشير المنهجي، أي الإسلام والمسيحية، وربط البيولوجيا بالجغرافيا بالدين. تحاكي الهند بوصفها الأرض المقدسة، أرض إسرائيل بالنسبة للهنود، وتتحول الهندوسية واليهودية من انتماءات دينية إلى انتماءات عرقية كذلك.

كان هذا هو منطق فينياك دمودار سافاركار (1883–1966) الأب الروحي والمنظر الأساسي لأيديولوجيا الهندوتفا منذ تعريفه الذي وضعه سنة 1923 للهندوسي على أنه الشخص الذي تمثل الهند عنده "أرض الآباء" (Pitribhu) وليس الوطن الأم، إذ يلزم عند سافاركار إصلاح الهوية الهندوسية وتخفيف سمتها الأنثوية الأمومية، وهي في الوقت نفسه "الأرض المقدسة" (Punyabhu). ولأن المسيحيين والمسلمين في الهند غير قادرين على معاملة الهند بهذا الشكل لأن أرضهم المقدسة المتخيلة هي في مكان آخر، لا يمكنهم لذلك أن يكونوا أوفياء للوطن.

رانجيت سافاركار حفيد فيناياك دامودار سافاركار (يظهر على الخلفية) يتحدث إلى وسائل الإعلام (شترستوك)

المفارقة التي تجمع سافاركار برموز التجربة الصهيونية هي أنه كان شخصا لادينيا بامتياز، بخلاف المهاتما غاندي الذي يعامله سافاركار ومن على نهجه كخائن للهوية القومية الحضارية الهندوسية. ومثلما احتقر الصهاينة الأوائل صورة "يهودي الشتات" المستكين والمتمسك بالطقوس بانتظار المعجزات، واستبدلوه صالح "اليهودي الجديد" المقاتل والمزارع، العائد بل المتنبت في أرضه، كذلك جرى النظر إلى غاندي على أنه رمز للهندوسية المحابية للمسلمين، "الخنثوية"، غير القتالية. في وجدان اليمين السافاركاري، لا يُنظر إلى غاندي كأب للأمة، بل كمسؤول عن تمزيق جسد الهند عبر قبول تقسيم عام 1947. وبالنسبة لناثورام غودسي، قاتل المهاتما غاندي، وكان من تلامذة سافاركار المباشرين، كانت الرصاصات التي أطلقها هي عقاب لغاندي على موافقته على منح باكستان مستحقات مالية بعد الانفصال.

على منوال وحدة أرض إسرائيل في فكر الصهيونية التصحيحية، صاغ سافاركار مفهوم "أكهاند بهارات" (Akhand Bharat)، أي الهند غير القابلة للقسمة. بالتالي، ترفض الهندوتفا من الناحية العقائدية "حل الدولتين"، الهند في مقابل باكستان، ما يعني دوام العمل على تفكيك الكيان الباكستاني من دون موازنة ذلك بأفق اندماجي للمسلمين.

"في وجدان اليمين السافاركاري، لا يُنظر إلى غاندي كأب للأمة، بل كمسؤول عن تمزيق جسد الهند عبر قبول تقسيم عام 1947".

هنا تكمن مفارقة مزدوجة، لأن وطنية غاندي ومن بعده جواهر لال نهرو "المفتوحة" لغير الهندوس اتهمت مشروع الهندوتفا بأنه يهدف لإيجاد باكستان هندوسية. بالنسبة إلى نهرو، والد أنديرا غاندي، وجد راجيف، والجد الأكبر لراهول فإن اعتبار أن باكستان هي الوطن القومي لمسلمي جنوب آسيا، كما تحويل الهند إلى وطن قومي ديني للهندوس، لا يمثلان دعوات قومية، بل طائفية. فعند نهرو، لا يمكن أن يقوم مجتمع وطني على دعوة تفتيتية.

يبدو جلياً هنا مدى التشابه بين محمومية القوميين الدينيين لإعادة بناء معبد رام من بعد هدم المسجد المغولي في أيوديا، وبين حضور هيكل سليمان في مخيال الصهيونيين التنقيحيين والدينيين. والفكرة الجامعة هنا هي "تصحيح التاريخ" عبر محو آثار الحقبات الإسلامية لاستعادة عصر قديم أسطوري. مكان المعبدين في الحالتين هو مركز كوني (Axis Mundi)، يربط الشعب بالمقدس، ويجعل المقدس قومياً وكونياً في آن، مما يجعل التنازل عن شبر منه خيانة للهوية.

الفارق هو أن مسجد بابري جرى تهديمه بالفعل وبناء معبد رام (رام ماندير) الذي افتتح رسمياً في 22 يناير/كانون الثاني 2024، في حفل ترأسه مودي. وقد جاء بناء المعبد بعد حكم أصدرته المحكمة العليا الهندية في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، قضى بمنح الأرض المتنازع عليها للهندوس لبناء المعبد، متحججة بأدلة أثرية، وبعدم انقطاع الزيارات الدينية الهندوسية للمكان من بعد هدم المسجد. وهذا يشكل سابقة ملهمة للحركات المتطرفة التي تسعى لاستعادة مواقع أثرية أو دينية محل نزاع، أو للساعين لإحياء الهيكل الأورشليمي في القدس.

مودي والإحيائية الهندوسية

يحضر أيضا إغراء المقارنة بين مودي ومناحم بيغين، فالزلزال الذي أحدثه مودي في الهند منذ 2014 يقارن بما أحدثه بيغن يوم كسر احتكار حزب العمل للسلطة في إسرائيل عام 1977، فقد استعان بيغن باليهود الشرقيين من المزراحيم، في وجه يسار أشكنازي الطابع عمل على إقصاء المزراحيم على مدى وقت طويل.

لقد نجح مودي في مخاطبة "الهند العميقة": الطبقات المتوسطة والدنيا في التسلسل الهرمي الهندوسي التي "لم تر خيرا" من اشتراكية حزب المؤتمر. وإذا كان بيغن ابنا لإرهاب حركة الإرجون الصهيونية المتطرفة، فإن مودي هو كذلك خريج منظمة المتطوعين القومية ذات الطابع شبه العسكري. فكلاهما تشرب عقيدته في تنظيمات تؤمن بالقوة الخشنة والنقاء القومي قبل انخراطها في مسارات الديمقراطية البرلمانية.

"إذا كان مناحم بيغن ابنا لإرهاب حركة الإرجون الصهيونية المتطرفة، فإن مودي كذلك خريج منظمة المتطوعين القومية ذات الطابع شبه العسكري".

نجح مودي القادم من أصول طبقية جد متواضعة في التسلسل الهرمي الهندوسي، وتحديداً من طائفة "مود غانشي" التي تعمل في استخراج وبيع زيت الطهي، في التحول لأبرز ظاهرة يمينية شعبوية تقود الهند، موظّفاً أصوله الشعبية للتحريض على "حكم السلالة" من ذرية جواهر لال نهرو، المنتمين إلى طبقة البراهمة العليا في التسلسل الهندوسي، والمتغرّبين عن أصولهم البلدية، والذين يشايعون أيديولوجية تقدمية، يصر اليمين القومي الهندوسي، على غرار اليمين الشعبوي في الغرب، على وصفها بأنها "ماركسية ثقافية".

بالنسبة إلى اليمين الهندي، كانت إسرائيل هي الأسبق في التحرر من الماركسية الثقافية لليسار الصهيوني بدءاً من وصول مناحم بيغن إلى رئاسة وزرائها عام 1977، كما كانت الأسبق على طريق مصالحة الدولة القومية مع الجذور الحضارية، ومواءمة ذلك مع النيوليبرالية الاقتصادية. هذه المقاربة ليست جديدة، ففي كتابه "مفارقة التحرر: ثورات علمانية وثورات مضادة دينية"، قارن الفيلسوف السياسي الأمريكي مايكل والتزر بين كل من إسرائيل والهند، وإن أضاف إليهما الجزائر، واستخدم مفهوم حركة التحرر الوطني للإشارة إلى النماذج الثلاثة في تعمية الواقع الكولونيالي.

عزا والتزر هذا الانقلاب من هيمنة اليسار إلى هيمنة اليمين في إسرائيل، وكذلك ما حدث من انتقال هيمنة حزب المؤتمر إلى غلبة اليمين القومي الديني في الهند، إلى كون النخب "التقدمية" ممثلة ببن غوريون ونهرو قد حاولوا توظيف الموروث الديني لصالح أيديولوجيا علمانية، ثم انقلب السحر على الساحر: فقد جرى توظيف الهيكل العلماني لصالح إحياء هذا الموروث. بالنسبة إلى والتزر، فإن جيل التأسيس ترك ثغرة في معنى الدولة، فاستفاد منها اليمين القومي الديني وقلب العلاقة.

التكامل السامي – الآري

قبل وقت طويل من حصول الانقلابين الأيديولوجيين في كل من إسرائيل والهند، نشأ مودي كبائع لأكواب الشاي بمحطة سكة حديد فادناغار في ولاية غوجارات في طفولته، ثم انتظم في منظمة المتطوعين القومية (RSS) التي قام أحد كوادرها، وهو ناتورام غودسه في 30 يناير/كانون الثاني 1948 باغتيال المهاتما غاندي.

"في كل من الهند وإسرائيل ترك جيل التأسيس ترك ثغرة في معنى الدولة، فاستفاد منها اليمين القومي الديني وقلب العلاقة".

دأبت منظمة "RSS" على الاحتفاء بإسرائيل منذ خمسينيات القرن الماضي، أي حتى عندما كانت إسرائيل تحت حكم اليسار الصهيوني، بدعوى أن إسرائيل تمثل النموذج المثال لبناء دولة قومية-دينية تكنولوجية متقدمة رغم إحاطتها بالأعداء، كما أنها تستند على موروث نصّي جغرافي-رمزي كما هو حال الهند المتخيلة بالنسبة للمنظمة القومية.

هناك ذراعان أساسيان لليمين القومي الديني الهندوسي، وهما منظمة المتطوعين القومية بقيادة مادهاف ساداشيف غوالكار (غوروجي) التي تأسست سنة 1925، وجمعية هندو ماهاسابها بقيادة فيناياك دامودار سافاركار التي تأسست سنة 1915. خلال الحقبة الكولونيالية المتأخرة في الهند وبدايات مرحلة الاستقلال، وجد كلا الطرفين إلهامه في التجربة الصهيونية.

مادهاف ساداشيف غوالكار (مجلة فيلم إنديا – أرشيف الإنترنت)

لكن هذا لم يحدث إلا بعد أن ذهب غولوالكار بعيدا في امتداح سياسة ألمانيا النازية تجاه الأقليات في كراسه: "نحن، أو قوميتنا المُعرفة" (1939)، فيما عكف قيادي آخر هو ب. س. مونجي على الاقتباس من أسلوب تنظيم وتعبئة منظمات الشباب الفاشي الإيطالية.

أما الكاتبة الفرنسية-اليونانية التي عاشت في الهند سافيتري ديفي، فلم تكتفِ بدعم هتلر سياسيا، بل اعتبرته أفتار (تجسيدا إلهيا) للإله الهندوسي فيشنو، وكانت تؤمن أن الطبقات العليا من المجتمع الهندوسي هم الورثة الحقيقيون للنقاء العرقي الآري. تفاءلت سافتري بأن الهندوسية القومية التي يدعو لها سافاركار ستكون جزءاً من نهضة وثنية عالمية تتحرر من الأديان الإبراهيمية. وخلال الحرب العالمية الثانية، كانت ديفي ضابط الاتصال بين القوميين الهندوس والدوائر المؤيدة للمحور الألماني. ورأت ديفي أن المسلمين هم "يهود الهند" الذين يجب التعامل معهم بذات "الصرامة الألمانية".

كل هذه الفترة التعاشقية بين اليمين القومي الديني الهندوسي وبين الفاشيين وأنصار النازية في أوروبا سرعان ما توارت مع نهايات الحرب العالمية، لصالح الولع بإسرائيل من ناحية، مع الإبقاء على "الأسطورة الآرية" (بطبعتها الهندية) من ناحية ثانية. فبدلاً من أن يكون "الآريون" قد قدِموا من الشمال لغزو الهند من آلاف السنين، طور منظرو اليمين القومي في الهند نظرية "الخروج من الهند" (Out of India Theory).

"تزعم نظرية الخروج من الهند أن الهند هي الموطن الأصلي للآريين، ومنها انطلقت الحضارة إلى أوروبا والعالم".

تزعم نظرية الخروج من الهند أن الهند هي الموطن الأصلي للآريين، ومنها انطلقت الحضارة إلى أوروبا والعالم. يحفظ هذا "النقاء العرقي" و"التفوق الحضاري" دون الحاجة لربط الذات الهندية بهتلر الخاسر. ومع هذه النظرية، يصبح الآريون هم أبناء الهند الأصليين منذ القدم، وتصبح الديانات المنبثقة منهم بنت هذه الأرض، في مقابل "الديانات الدخيلة" وفق رؤيتهم كالمسيحية والإسلام.

يمثل هذا تحولاً عما قال به الإصلاحي الهندوسي بال غانغدار تيلاك، وهو أحد رموز الحركة الوطنية الهندية الذين تميزوا بدرجة عالية من توظيف الرموز الهندوسية، في أواخر القرن التاسع عشر. ذهب تيلاك إلى أن آريي الهند جاءوا من القطب الشمالي قبل العصر الجليدي، إذ كان يُنظر للآريين كعرق متفوق شمالي، وبالتالي فإن من المفيد قومياً إثبات أن الهندوس ينتمون لهذا العرق "الراقي"، أي لأرومة الرجل الأبيض. وحتى سافاركار نفسه، فقد أقرّ في كتابه التأسيسي "هندوتفا" سنة 1923 بأن الآريين قد يكونون قد قدموا من خارج الهند، مع فارق أن الهند لم تصر "هندا" إلا عندما دخلوها واختلطوا فيها بالسابقين عليهم.

ورغم أن المحرقة الألمانية التي حلت بيهود أوروبا لا يمكن أن تنفصل عن رواج نظرية "العرق الآري"، فإن إسرائيل اليوم حليفة للأيديولوجيا التي لا تزال تُباهي بهذه النظرية: أيديولوجيا القوميين الهندوس. المفارقة أن جماعة الهندوتفا تنادي جهراً بتحرير الهند من السامية. في المقابل يباهي القوميون الهندوس بسردية تقول إن الهند هي المكان الوحيد في العالم الذي لم يتعرض فيه اليهود للاضطهاد، لأن اليهود لم يدخلوها كديانة تبشيرية ولا غازية، بل انتظموا ضمن تلاوين المجتمع الهندوسي نفسه، كواحدة من طوائفه الكثيرة. لقد انتظموا كـ"كاست"، أي كطبقة وراثية أو "جاتي" بالسنسكريتية.

يضاف إلى هذا أن الهندوتفا تربط بين الانتماء الحضاري الهندوسي وبين تعظيم أمر اللغة السنسكريتية القديمة، فتقارن نفسها بذلك مع إحياء العبرية في التجربة الإسرائيلية. وعلى الرغم من أن بعض القوميين الهندوس يحاولون بالفعل إحياء السنسكريتية كلغة معاشة، فإن معظمهم يتصرف على هدي من فكرة سافاركار بأن لغة الهندي بالذات هي الأقرب للسنسكريتية من بين كل اللغات الحية اليوم، ولأجل ذلك وجب تعزيزها بين جميع اللغات في شبه القارة، علماً بأن سافاركار كان يكتب معظم الوقت بغيرها، وتحديداً باللغة الماراثية.

تتجسد عملية "السنسكرتة" في الهند في ساحتين. الأولى هي تغيير أسماء المدن والأماكن واجتثاث كل ما هو إسلامي أو كولونيالي منها، لأن الهندوتفا تتعامل مع الألف عام من هيمنة السلطنات الإسلامية على شمال الهند باعتبارها استعماراً مديداً لا جزءاً من التاريخ الحضاري للهند. أما الثانية، فتتصل بتحويل الطبقات الأكثر قرباً من الثقافة السنسكريتية، وتحديداً من البراهميين، إلى قدوة للهندوس من الطبقات الأكثر تواضعاً. فلا يمكن أن تصير من البراهميين ما لم تولد كذلك، لكن من المحبّذ أن تقتبس ما أوتيت من سلوكياتهم. وهذه حال مودي القادم من عوام الهندوس، في مقابل سافاركار وغوالكار القادمين من طبقة البراهمة.

سافيتري ديفي (موقع أرشيف سافيتري ديفي)

"لوك ناياك" اليساري حين يستحضره مودي

رغم كل ذلك، لم يأتِ مودي في كلمته أمام الكنيست على ذكر أساطين الهندوتفا سافاركار وغوالكار، رغم اشتهار أقوالهم المتحمسة للدولة العبرية منذ إنشائها، بل استذكر رجلين آخرين حين قال: "بعد استقلال الهند، شعر كثير من القادة الهنود بقرابة وجدانية مع شعب إسرائيل. وتشهد مناقشات البرلمان الهندي في خمسينيات القرن الماضي على إعجابهم بجهود إسرائيل في تطوير الزراعة في الصحراء. وقد ألهمت حركة الكيبوتس في إسرائيل قادتنا مثل أتشاريَا فينوبا بهافي وجايابراكاش نارايان (لوك ناياك)".

أما أتشاريا فينوبا بهافي فحكيم روحي من تلامذة غاندي، اشتهر بمحاولته توظيف اللاعنف لأجل القضية الاجتماعية بعد أن وظفه المهاتما لأجل القضية الوطنية. أما جايابراكاش نارايان الذي يُعرف شعبياً بلقب "لوك ناياك" أي زعيم الشعب، فهو أحد أهم رموز المناداة بالاشتراكية في تاريخ الهند.

بعد استقلال الهند واغتيال غاندي، أخذ نارايان يبتعد عن الماركسية النسقية، ويدمج شيئاً منها مع الغاندية، وساعد فينوبا بهافي على تأسيس حركة "بودان" التي استهدفت إعادة توزيع الأراضي الزراعية سلمياً. قام نارايان بزيارة إسرائيل في سبتمبر/أيلول 1958 لمدة تسعة أيام كضيف على اتحاد العمال الإسرائيلي (الهستدروت)، التقى خلالها ديفيد بن غوريون في تل أبيب.

جايابراكاش نارايان (يسار) مع ديفيد بن غوريون في تل أبيب 1958 (المكتب الصحفي الحكومي الإسرائيلي)

شغف نارايان للغاية بالمستوطنات الزراعية التعاونية، ووجد فيها مثالاً لرؤيته الغاندية للمجتمعات القروية ذاتية الإدارة (Sarvodaya). في حالته ما يُذكّر بزيارة المفكر الإيراني جلال آل أحمد إلى إسرائيل مطلع الستينيات، وانبهاره بكيفية تشكيلها "هوية وطنية" تجمع بين الحداثة والجذور الشرقية، بدءاً من إحياء العبرية.

حلم آل أحمد بشرق يتصدى للتلوث بالغرب ويمتد "من تل أبيب إلى طوكيو". أما نارايان فرأى في الاشتراكية التعاونية الصهيونية بديلاً عن المدرسة السوفياتية يصلح للهند. لاحقاً، وبعد حرب 1967، بدَّل كل من نارايان وآل أحمد موقفهم من إسرائيل، لكن نارايان ظل يشكّل الواسطة غير الرسمية بين نهرو وبن غوريون، وهي التي سمحت لنهرو بالحفاظ على شعرة معاوية مع إسرائيل دون إغضاب حلفائه العرب.

"نارايان ظل يشكّل الواسطة غير الرسمية بين نهرو وبن غوريون، وهي التي سمحت لنهرو بالحفاظ على شعرة معاوية مع إسرائيل دون إغضاب حلفائه العرب".

سمح ذلك بفتح قناة التعاون العسكري والأمني السري بين الهند وإسرائيل في أعقاب هزيمة الهند في حرب الصين عام 1962، وهو ما تطور أكثر فأكثر إبان حرب 1971 بين الهند وباكستان والتي انتهت بانفصلال بنغلاديش واستقلالها.

للتعاون بين البلدين تاريخ سري طويل في مرحلة كانت الهند فيه تتخذ موقفاً أقرب إلى الموقف العربي في صراعه مع إسرائيل؛ لكن الحب الهندي الأيديولوجي لإسرائيل تغذّى من الأساس على مشربين: واحد يميني قومي ديني، يصل الهندوتفا بالصهيونية، وآخر معجب بالكيبوتسات يريد إيجاد بديل اشتراكي إنساني عن الماركسية السوفياتية.

في النهاية، هناك دول كثيرة في العصر الحديث بنيت على قاعدة تحويل رابطة دينية أو جزء من رابطة دينية إلى رابطة قومية وبناء الدولة الحديثة على هذا الأساس. فهناك مثلاً "اليونان" الحديثة الخارجة من جزء من ملة "الروم" العثمانية، وهذا ما اتبعته أغلب الأمم البلقانية المسيحية "ما بعد العثمانية". كانت القومية في هذه الحال بمثابة علمنة، إلى حد ما، للرابطة الدينية.

"يتعامل مودي ونتنياهو على أنّهما الأمناء على الاستمرارية التاريخية لشعبيها في عالم يعج بالأعداء الدينيين والحضاريين".

قامت إسرائيل أيضا على تحويل الرابطة الدينية إلى رابطة قومية، إنما بمفارقة تفريغ يهود شرق أوروبا من المشترك الإثني-اللغوي وتحديث اللغة العبرية. لكن الهند رأدت لنفسها في البداية مسشارا معاكسا لا تبنى فيها الأمة على هذا المبدأ، بل على فكرة متفائلة حول الطبيعة الاستيعابية للتعددية والتنوع التي يتسم بها تاريخ شبه القارة. هذه عين الفكرة التي يعارضها القوميون الهندوس اليوم، ويعتبرونها تجريداً للدولة من شخصيتها الحضارية، ولللأمة من عنصر تماسكها الحيوي الوجداني الأساسي.

لقد رأى هؤلاء في إسرائيل نموذجاً للاقتباس، والأهم هو أنهم طوروا فكرة عن المسار التاريخي للأمم يقسمها بين أمم قادمة من العصر القديم، وأهما الهنود واليهود، وأخرى حديثة العهد. لأجل ذلك يتعامل مودي ونتنياهو على أنهما الأمناء على الاستمرارية التاريخية لشعبيهما، معتمدين على التزواج بين اليهودية والهندوسية كديانتين غير تبشيريتين، في عالم يعج بالأعداء الدينيين والحضاريين.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا