آخر الأخبار

التهديد الأميركي المتصاعد لإيران: سيناريوهات الضربة والرد وما بعدهما

شارك

صحيح أنّ السباق بين الدبلوماسية والحرب مستمرّ منذ حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن استعداده لتوجيه ضربة إلى إيران ، يوم دخل على خطّ الاحتجاجات التي شهدتها طهران ، مبديًا حماسة مفرطة لها، وصلت لحدّ تهديد المرشد الأعلى السيد علي خامنئي ، إلا أنّ الصحيح أيضًا أنّ أسهم الحرب تبقى الأعلى، حتى عندما يتّفق الطرفان على الجلوس والتفاوض، بل إنّ هناك من لا يستبعد حصول الضربة، متى وُجد "الهدف النوعي"، ولو كان الحوار قائمًا.

من هنا، فإنّ السؤال المطروح اليوم في أروقة العواصم الكبرى، لم يعد محصورًا بما إذا الولايات المتحدة ستتجه فعلاً إلى ضرب إيران، بل تبدو أنّه تجاوزه ليصبح محوره "نوع الضربة"، باعتبار أنّها سترسم معالم ما بعدها، فإما تكون، كما يريده ترامب، قاضية وحاسمة، ولكن محدودة، وإما تأخذ المنطقة إلى حرب شاملة لا أحد يريدها، وهو ما يفسّر "ماراثون" الوساطات القائمة لتجنيب المنطقة ويلات مغامرات جديدة تطيح بالحدّ الأدنى من الاستقرار.

وإذا كان "التهديد بالضربة" غالبًا ما يُستخدم كرافعة لإجبار الخصم على التراجع خطوة أو الجلوس إلى طاولة تفاوض بشروط أسوأ، لا كقرار ميكانيكي بالذهاب إلى مواجهة شاملة، فإنّ الأمر لم يعد يُقرَأ كذلك في الحالة الإيرانية، حيث تتداخل مستويات عدّة، من النووي الذي لا يقبل كثيرًا من الغموض في الحسابات الغربية، وصولاً إلى البعد الإقليمي، حيث يُخشى أن تتحوّل أي شرارة إلى سلسلة تفاعلات على أكثر من ساحة.

وبين تهديدات الرئيس دونالد ترمب بإنهاء " الملف الإيراني " مرة واحدة وإلى الأبد، وبين إصرار طهران على رفض أي "اتفاق مؤقت" تراه انتقاصًا من سيادتها، يبرز الحشد العسكري الأميركي الذي انتشر في المنطقة، والذي يكاد يكون الأضخم من نوعه منذ عقود، معطوفًا على عمليات إجلاء للموظفين الأميركيين "غير الضروريين" من المنطقة، ما يوحي بأنّ العدّ التنازلي للضربة قد بدأ، فما سقفها، وأيّ تداعيات يمكن أن تنطوي عليها على مستوى الإقليم؟.

لغة الحديد والنار

مع وصول الحشود الأميركية في الخليج إلى مستوياتٍ غير مسبوقةٍ، يبرز السؤال الجوهري: هل قرر دونالد ترمب فعلاً تحويل "الضغط الأقصى" من لغة العقوبات إلى لغة الصواريخ، أم أننا نعيش فصلاً متقدمًا من فصول "التفاوض تحت النار"؟.

فحتى اليوم، تشير التقارير الاستخباراتية إلى وجود أكثر من 12 مدمرةً حربيةً وحاملتي طائرات في محيط المياه الإقليمية الإيرانية، علمًا أنّ هذا الحجم من العتاد يكلّف الخزينة الأميركية مبالغ طائلة شهريًا، وهو ما يجعل بقاءه "للعرض فقط" أمرًا مستبعدًا من الناحية البراغماتية، ولو كان مفيدًا في "لعبة المفاوضات" لجرّ الخصم إلى الاقتناع بجدّية التهديد، وبالتالي تقديم تنازلات تقيه شرّ الضربة والحرب.

هنا، يتغذّى منطق العودة إلى التلويح بالقوة من فكرتين: الأولى أنّ سياسة الضغط الاقتصادي، رغم قسوتها، لم تنتج تنازلًا إيرانيًا "استراتيجيًا" في الملف النووي أو النفوذ الإقليمي، والثانية أنّ الردع يحتاج أحيانًا إلى "حدث صادم" يثبت الجدية ويعيد ضبط التوازنات، أقلّها وفق قناعة الجناح "الصقوري" في إدارة ترامب، من دون أن يعني ذلك الانزلاق إلى حرب مفتوحة أو شاملة، أصبح من الواضح أنّ ترامب نفسه لا يريدها.

إيران أمام "اختبار وجودي"

في المقابل، تبدو طهران اليوم أكثر حزمًا في خطابها الدبلوماسي. فبالتزامن مع التهديدات، نفت الخارجية الإيرانية أي توجهٍ نحو "اتفاقٍ مؤقتٍ"، معتبرةً أن التناقض في التصريحات الأميركية يعكس "ارتباكًا" في واشنطن . لكن خلف هذا الخطاب، تدرك إيران أن المواجهة هذه المرة قد تكون مختلفةً، إذ إنّ ما تراه واشنطن "ضغطًا لتغيير السلوك" قد يُقرأ في الداخل الإيراني كاختبار وجودي ومصيري.

بالنسبة إلى الإيرانيين، فإن أي تراجعٍ تحت وطأة التهديد العسكري المباشر قد يُفسَّر داخليًا وإقليميًا كاهتزازٍ في شرعية النظام في الداخل، وكذلك قوة الردع ما يعني تراجع هيبتها في الإقليم. لذلك يبدو أنّ إيران تستعدّ للسيناريو الأسوأ مع إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحةً في الوقت نفسه، بمعنى أنّ إيران لا تريد الحرب، لكنها تدرك أن كلفة "اللا رد" قد تكون أغلى من كلفة المواجهة المحسوبة.

سلّة الخيارات الأميركية

هكذا إذًا، بات التعامل مع الضربة الأميركية ، حتى في الداخل الإيراني، بوصفها "شبه حتمية"، لكنّ ذلك لا يعني بالضرورة قصفًا واسعًا أو هجومًا شاملاً. فواشنطن تملك سلّة خيارات متنوّعة، قد تلجأ إلى أيّ منها وفق "الهدف" الذي تضعه للضربة.

أول هذه الخيارات، وربما أكثر تداولاً على المستوى الإعلامي، يتمثل في الضربة الجراحية المحدودة، من خلال استهداف منشآتٍ نوويةٍ محددةٍ أو قواعد صواريخ باليستية، وميزتها أنها تحقق هدفًا تقنيًا وتوجّه رسالة سياسية واضحة، تاركة نافذة للتهدئة بعدها. وبالتالي فهي أقلّ كلفة سياسيًا وعسكريًا، ولكنّ خطرها يكمن في أنّها قد لا تحقّق ما يصبو إليه ترامب، حتى على مستوى "تغيير السلوك"، باعتبار أنّه سبق له "تجريب" هذا النمط في الحرب الأخيرة.

من الخيارات المطروحة أيضًا، الذهاب إلى ضربة موسّعة تستهدف شبكة أوسع من تلك الضربة المحدودة، وتشمل بنى حسّاسة، بما في ذلك قدرات صاروخية ومقار قيادة ومراكز إسناد. لكنّ مثل هذا الخيار قد لا يكون مضمونًا، لأنه يرفع احتمال الرد الإيراني، باعتبار أنّه يُقرأ كتهديد استراتيجي لا كرسالة تكتيكية.

في سلّة الخيارات الأميركية أفكار أخرى قيد التداول، بينها ما يوصف بـ"حرب الظلّ"، من خلال تكثيف الهجمات السيبرانية لتعطيل البنى التحتية الحيوية (كهرباء، اتصالات، منشآت نفط). هذا الخيار هو المفضّل لواشنطن باعتبار أنّ مثل هذه العمليات أقل ضجيجًا وأكثر قابلية للإنكار، لكنّ أثرها قد يكون بطيئا أمام تسارع التطور النووي.

وضمن الخيارات أيضًا، تحضر فكرة الحصار البحري المحكم، عبر تشديد العقوبات وصولاً إلى منع أي ناقلة نفط من مغادرة الموانئ الإيرانية بالقوة العسكرية. هذا يعتبر "عملاً حربياً" بموجب القانون الدولي، وهو فعّال سياسيًا على المدى المتوسط، لكنه لا يُشبع رغبة "الردع الفوري" عندما تريد واشنطن نتيجة سريعة.

خيارات الردّ الإيراني

قد يكون من المبكر التكهّن بطبيعة رد إيراني على ضربة لم تحدث، لكن الأكيد أنّ خيارات الرد الإيراني تدخل أساسًا في صلب الحسابات الأميركية. وهنا، ليس سرًا أنّ إيران بدورها ليست مضطرة لاختيار ردّ واحد مستقيم.

فأمامها أيضًا سلّة من الردود، التي قد تتخذ أشكالاً عدّة، بالاستناد إلى "العمق الاستراتيجي" والساحات الحليفة، لكنّ الخيار الأول يبقى بطبيعة الحال الردّ المباشر والمحسوب، وهو ما يمكن أن يتمّ باستهداف نقاط الارتكاز الأميركي في المنطقة، سواء في العراق أو سوريا أو غيرهما، مع الحرص على عدم إيقاع خسائر، لتفادي إجبار واشنطن على رد أكبر.

في خيارات الرد الإيراني، يحضر بطبيعة الحال خيار الرد عبر الساحات، من خلال تفعيل قوى لحليفة في أكثر من مكان، وهو خيار قد يمنح طهران مرونة ودرجة إنكار، لكنه يحمل خطر الانفلات، لأن الساحات ليست كلها قابلة للضبط بالطريقة ذاتها، من دون أن ننسى أنّ هذه القوى الحليفة سبق أن تعرّضت لضربات قاسية، ولم تعد بكامل قوتها.

وبعيدًا عن الردود العسكرية، يمكن لإيران أن تلوّح بأوراق القوة التي تملكها، وعلى رأسها ورقة الملاحة والطاقة، وهي تستطيع تعطيل حركة السفن في ممرات الطاقة العالمية. إلا أنّ هذا الخيار سلاحٌ ذو حدين، لأنه قد يستجلب إجماعًا أوسع ضدها إذا بدا تهديدًا للاقتصاد العالمي.

ويبقى الخيار "الأقوى" بالنسبة للإيرانيين هو الرد النووي "السياسي"، ليس بالضرورة اندفاعًا إلى قنبلة، ولكن عبر رفع تخصيب اليورانيوم إلى مستوياتٍ عسكريةٍ (90%) وربما تقييد الرقابة وتسريع الخطوات التقنية، مما يضع العالم أمام "أمرٍ واقعٍ" نوويٍّ. لكنّ مشكلة هذا الخيار أنه قد يجرّ الولايات المتحدة إلى المزيد من التصعيد.

4 سيناريوهات... أيّها أرجح؟

إزاء كلّ ما تقدّم، يمكن رسم أربعة سيناريوهات مطروحة على الطاولة، أولّها سيناريو "الصفقة تحت التهديد"، بحيث ينتهي التصعيد العسكري بتراجعٍ متبادلٍ وجلوسٍ على الطاولة قبل وقوع الضربة الكبرى. يتطلب هذا "وسيطًا" قويًا وقبولًا إيرانيًا بتنازلاتٍ مؤلمةٍ مقابل رفعٍ حقيقيٍّ للعقوبات. ويبدو هذا السيناريو مغريًا لأنه الأقل كلفة لجميع الأطراف، لكنه هش لأن جذور الخلاف تبقى قائمة.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على "ضربة محدودة وردّ منضبط" إن صحّ التعيير، إذ تقوم واشنطن بقصف هدفٍ رمزيٍّ أو عسكريٍّ، كرسالة ردع، وترد إيران بشكلٍ يحفظ ماء وجهها دون قتل جنودٍ أميركيين، ثم يتدخل المجتمع الدولي فتُفتح قناة "تهدئة". هذا السيناريو قابل للتحقق إذا كانت القنوات الخلفية تعمل، بشرط ألا تمسّ الضربة الأميركية "الخطوط الحمر" الإيرانية.

بين السيناريوهات يحصر أيضًا احتمال "الانزلاق إلى مواجهة إقليمية"، وقد يحدث في حال وقوع خطأٍ تقنيٍّ أو سوء تقديرٍ ميدانيٍّ يؤدي إلى سقوط عددٍ كبيرٍ من الضحايا، مما يخرج الأمور عن السيطرة ويحولها إلى حربٍ إقليميةٍ واسعةٍ. هذا السيناريو ليس بالضرورة "مرغوبًا" لأي طرف، لكنه يصبح ممكنًا إذا فقدت الأطراف قدرة الضبط في الساحات.

ويبقى السيناريو الأخيرة، وهو "تأجيل المواجهة"، أو الذهاب إلى "حرب ظل طويلة"، من خلال تصعيد تدريجي يأخذ عدّة أشكال من دون إعلان حرب مباشرة. هذا غالبًا السيناريو "الافتراضي" عندما تكون كلفة الضربة المباشرة أعلى من فائدتها السياسية.

أيّ تداعيات؟

في الخلاصة، الأكيد أن أي شرارةٍ تنطلق بين واشنطن وطهران لن تبقى حبيسة الجغرافيا الإيرانية. ف إسرائيل تدفع نحو سقف المواجهة، معتبرةً أن اللحظة الراهنة هي الفرصة التاريخية لإنهاء التهديد النووي. أما دول الخليج ، فتوازن بين رغبتها في لجم النفوذ الإيراني وخوفها الحقيقي من أن تتحول أراضيها ومنشآتها النفطية إلى "صندوق بريد" للرسائل الصاروخية المتبادلة.

هكذا، يبدو المشهد "ضبابيًا"، فهو لا يحتمل أنصاف الحلول. الضربة الأميركية المحتملة ليست "زرًّا" يُضغط عليه فحسب، بل هي حزمة تعقيداتٍ سياسيةٍ وعسكرية، وهي ليست حدثًا منفصلًا عن الدبلوماسية، بل أداة داخلها. أما الرهان الأميركي على "استسلامٍ إيرانيٍّ" قد يصطدم بعقيدة "الصبر الاستراتيجي" أو "الرد العنيف".

وفي انتظار ما ستؤول إليه الأيام المقبلة، يبقى الخطر الحقيقي في سوء التقدير: ضربة تتجاوز ما تحتمله طهران سياسيًا، أو رد يتجاوز ما تستطيع واشنطن امتصاصه من دون تصعيد أكبر...

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا