آخر الأخبار

الليطاني… النهر الذي يسهر عليه العدو أكثر من الحكومة!

شارك

في بلدٍ تُغسل فيه الوجوه بمياه مستوردة وتُهدر الموارد تحت ذريعة "الخطة الخمسيّة"، يُطلّ نهر الليطاني اليوم كأنه صابرٌ على وطنٍ لا يقدّره، فيما هناك من يترصّد مياهه على الضفة الأخرى وكأنها غنيمة حرب مؤجلة منذ 70 عامًا.

يبدو أن نهر الليطاني، هذا الشريان المائي الذي نعاني من رائحته أكثر مما نستفيد من مياهه، لا ينام على ضفّة واحدة. ففي حين يختنق بين النفايات والإهمال من الجهة اللبنانية، تدور في الجهة المقابلة مداولات وخطط إسرائيلية قديمة–جديدة، تتحدث بصراحة مريبة عن "استغلال مياه أنهار لبنان، وكأن الجنوب أرض سائبة تنتظر من يجرفها بالمضخّات لا بالدبابات فقط.

من يظن أنّ الحديث عن الليطاني وليد اللحظة، فليقرأ قليلاً من التاريخ ومن مذكرات قادة إسرائيل أنفسهم.

في مطلع الخمسينيات، كتب موشيه شاريت ، أحد مؤسسي الدولة العبرية، أن مياه جنوب لبنان ضرورية لمستقبل إسرائيل الزراعي والطاقة فيها. ومنذ ذلك اليوم، رُسمت خريطة أطماع مائية تُخفي نفسها أحيانًا تحت شعارات "الحدود الآمنة".

عام 1950 تحديدًا، طُرحت علنًا فكرة تحويل نهر الليطاني نحو نهر الأردن لتغذية بحيرة طبريا . لاحقًا، حملت الخطة اسم “كوتون” ثم توالت على النهر مقترحات دولية برّاقة، تشبه هدايا مسمومة أُعطيت لإسرائيل باسم "التعاون الإقليمي"، بينما كانت في جوهرها دعوة مفتوحة للتطاول على مياه لبنان.

ثم جاء عام 1967، وخرج رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي إشكول متحسرًا أمام العالم: "نصف مليار متر مكعب من مياه الليطاني تضيع في البحر"! تصريح يُفهم كما يُراد له تمامًا، أن النهر "مُلك مهمل يجب إنقاذه" من اللبنانيين أنفسهم.

عام 1978، اجتاحت إسرائيل الجنوب في ما سُمِّي " عملية الليطاني " تحت مبرّر إبعاد الفصائل الفلسطينية، لكن هدفها هو الاقتراب خطوة أخرى من النهر.

وفي 1982، غاصت الدبابات حتى بيروت نفسها، لتضع إسرائيل يدها على جزء من مجرى الليطاني، حيث باتت قادرة، نظريًا على الأقل، على تحويل مياهه لو أرادت.

ولم تتوقف الأطماع عند الاحتلالات، بل وُثّقت في الثمانينيات حفريات إسرائيلية قرب الحدود.

لبنان اشتكى رسميًا عام 1984، و مجلس الأمن استمع بأدب، ثم حفظ الشكوى في الأرشيف، كأي وثيقة "ذات طابع أرشيفي".

أما نحن؟ مشغولون بقوانين الإنتخابات وبتسجيل بيانات عن محطات تكرير "قيد الإنجاز" من ٢٠ سنة، ونعلن عن مشاريع تنقية تتوقف عند "البيان الأول. بينما يراقب العدو خرائط مياه لبنان بالأقمار الصناعية.

وبحسب وثائق الأمم المتحدة، برز الرئيس الأسبق إميل لحود في ربط الموضوع صراحة بالليطاني أمام الأمم المتحدة، رغم وعي الجميع بالقضية. في مرحلةٍ كانت فيها خريطة المياه اللبنانية تحت مجهر الطمع الإسرائيلي. فمن قصر بعبدا إلى منبر الأمم المتحدة، لم يتردّد في تحويل “مياه لبنان” إلى قضية سيادة.

في الشرق الأوسط الظمآن، تحوّل إسرائيل المياه إلى أداة قوّة مدمّرة، تسيطر بها على جيرانها لا للعطش الداخلي فحسب، بل لفرض هيمنة سياسية واقتصادية!.

إسرائيل تسيطر على 80% من منابع نهر الأردن عبر الجولان، تسحب 97% من مياه الضفة الغربية، وتستنزف الحاصباني والوزاني في لبنان بـ150 مليون م³ سنويًا"، ومن عشرات الآبار الارتوازية على حدوده التي تضخّ مياهاً لبنانية جوفية، خاصة قرب مزارع شبعا ، وتمنع بلدنا من تطوير الليطاني وتضغط سياسياً لضمان "الفائض" العابر.

المفارقة أن لبنان، الذي كان يُلقّب بـ“خزان الشرق”، صار بخزّانٍ مثقوب. بينما إسرائيل تخطّط بالمسطرة والملّيمتر لاستغلال كل قطرة من مياهنا، نحتفل بافتتاح المهرجانات وبالإحتفال بأكبر منقوشة زعتر.

لذا، عندما يُسافرون إلى المحافل الدوليّة أو واشنطن، ليحملوا قضية لبنان إلى العالم، سيكون من المفيد أن يحملوا معهم شيئًا من الماء الذي أهملوه، أو عيّنة من الغاز الذي تنازلوا عنه... فقط ليذكّروا أنفسهم بأن السيادة لا تُمارس على المنابر، بل في حماية ما تحت الأرض وما يجري فوقها.

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا