آخر الأخبار

اليوان في خزائن البنوك المركزية.. هل بدأ العالم فك الارتباط بالدولار؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

يتسارع استخدام البنوك المركزية حول العالم لخطوط مبادلة العملات مع البنك المركزي الصيني، في مؤشر على أن اليوان لم يعد مجرد عملة محلية مرتبطة بالاقتصاد الصيني، بل أصبح تدريجيا أداة تستخدمها دول عديدة لتسهيل التجارة، وتوفير السيولة، وتقليل الاعتماد الكامل على الدولار.

وبنهاية مارس/آذار الماضي، بلغت السحوبات القائمة من خطوط المبادلة التابعة لبنك الشعب الصيني نحو 111.6 مليار يوان (16.4 مليار دولار)، وهو أعلى مستوى في نحو عامين. كما مثلت الزيادة الفصلية البالغة 17.4 مليار يوان (نحو 2.56 مليار دولار) أكبر ارتفاع منذ عام 2023، وفق حسابات بلومبيرغ استنادا إلى بيانات البنك المركزي الصيني.

اقرأ أيضا

list of 4 items
* list 1 of 4 هل بدأ "البترويوان" مزاحمة "البترودولار" في أسواق الطاقة؟
* list 2 of 4 أعادت اليوان للواجهة.. هل تنهي حرب إيران هيمنة الدولار على تجارة النفط؟
* list 3 of 4 هل تكون أفريقيا بوابة الصين لتدويل اليوان وإنهاء هيمنة الدولار؟
* list 4 of 4 لماذا قد تشترط إيران الدفع باليوان للسماح بمرور النفط عبر "هرمز"؟ end of list

وتعمل خطوط المبادلة كقنوات سيولة بين البنوك المركزية، إذ تتيح للدول الحصول على اليوان مقابل عملاتها المحلية، ثم استخدامه في تمويل التجارة والاستثمار أو توفيره للبنوك المحلية والمستوردين. وبذلك تصبح هذه الخطوط أداة مالية لتسهيل التعامل مع الصين، لكنها تحمل في الوقت نفسه دلالة أوسع ترتبط بإعادة التفكير في هيمنة الدولار على النظام النقدي العالمي.

ولا يأتي هذا التوجه من فراغ؛ فالصين وسعت خلال السنوات الماضية شبكة اتفاقيات المبادلة مع عشرات الدول، لتصل بنهاية عام 2025 إلى 32 دولة ومنطقة، بقيمة إجمالية قدرها 4.52 تريليونات يوان (نحو 665 مليار دولار). كما صعد اليوان في المدفوعات العالمية ليصبح خامس أكثر العملات استخداما من حيث القيمة عبر نظام "سويفت"، بحصة بلغت 3.10% في مارس/آذار الماضي.

لكن الأهم من الأرقام هو ما تكشفه من تحول في دوافع البنوك المركزية. فجزء من الطلب على اليوان مرتبط بصعود الصين كشريك تجاري أول أو رئيسي لعدد كبير من الدول، خصوصا في آسيا وأفريقيا والمنطقة العربية. أما الجزء الآخر فيرتبط بالمخاوف من استخدام الدولار سلاحا سياسيا، بعد العقوبات المالية الواسعة وتجميد أصول دول بعينها، وفي مقدمتها روسيا.

إعلان

نقطة تحول

يرى جورج خوري رئيس قسم الأبحاث والتعليم في "سي إف آي" (CFI) المالية أن خطوط المبادلة مع الصين تمنح البنوك المركزية سيولة مباشرة باليوان مقابل العملة المحلية، وهو ما يساعد على تسهيل الاستيراد والتسويات التجارية، خصوصا في الدول التي توسعت تجارتها مع الصين.

ويقول خوري خلال حديثه للجزيرة نت إن المسألة لم تعد محصورة في تسهيل التجارة فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضا بتخفيف المخاطر الجيوسياسية، موضحا أن العقوبات على روسيا وتجميد نحو 300 مليار دولار من احتياطاتها شكلا "نقطة تحول" في تفكير عدد من البنوك المركزية.

وبحسب خوري، بدأت دول كثيرة تسأل نفسها: ماذا يحدث إذا تعرضت لعقوبات مشابهة أو حُرمت من الوصول إلى احتياطاتها الدولارية؟ لذلك أصبح تنويع الاحتياطيات وخطوط المبادلة بالعملات أحد أساليب الحماية من المخاطر السياسية والمالية.

وتتفق هذه القراءة مع ما يذهب إليه الخبير في الشؤون الصينية العربية يحيى تشو شوان، الذي يرى أن توسع اتفاقيات المبادلة هو في المقام الأول نتيجة طبيعية لنمو التجارة والاستثمار بين الصين والعالم، لكنه لا ينفصل عن التطورات الجيوسياسية والمالية الدولية.

ويرى تشو شوان خلال حديثه للجزيرة نت أن بعض الدول بعد تعرضها لضغوط مالية أو عقوبات أو نقص في سيولة الدولار، بدأت تبحث عن خيارات أكثر تنوعا لضمان أمنها المالي. ومن هذا المنطلق، تنظر هذه الدول إلى اتفاقيات المبادلة الصينية باعتبارها أداة لتعزيز الاستقرار المالي وتسهيل التجارة، لا مجرد أداة سياسية.

استمرار هيمنة الدولار رغم التراجع

رغم هذا الصعود، لا يعني توسع استخدام اليوان أن الدولار فقد مكانته. فالدولار لا يزال العملة الأولى في الاحتياطيات العالمية، وتسعير السلع، وتمويل التجارة، وسوق الصرف الأجنبي.

ويشير خوري إلى أن حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية تراجعت من نحو 71% عام 1999 إلى نحو 58% حاليا، لكنها لا تزال ضخمة مقارنة بحصة اليوان التي تدور حول 2% إلى 3%. كما أن نحو 88% من معاملات سوق العملات الأجنبية عالميا يدخل فيها الدولار بشكل مباشر، وما يزيد على 80% من تمويل التجارة العالمية لا يزال مرتبطا به.

بعبارة أخرى، لا يدور المشهد حول انهيار قريب للدولار، بل حول بداية انتقال بطيء من نظام تهيمن عليه عملة واحدة إلى نظام أكثر تعددا في العملات. وهذا التحول قد يستغرق سنوات طويلة، لكنه بدأ يظهر في سلوك البنوك المركزية، وفي تنويع الاحتياطيات، وفي صعود الذهب واليوان داخل محافظ بعض الدول.

ويؤكد تشو شوان أن العالم يشهد توجها متزايدا نحو التعددية النقدية، لكن ذلك لا يعني أن الدولار سيفقد مكانته في المستقبل القريب. فالأرجح، بحسبه، أن يتجه النظام المالي العالمي إلى صيغة تتعايش فيها عدة عملات رئيسية، بدلا من هيمنة مطلقة لعملة واحدة.

مصدر الصورة التوسع في استخدام خطوط المبادلة مع الصين يعكس تحولا أعمق في تفكير البنوك المركزية (رويترز)

سلاح العقوبات محرك للتحول

أحد أهم أسباب هذا التحول هو الخوف من تحويل الدولار من أداة تبادل واحتياط إلى أداة ضغط سياسي. فقد أظهرت العقوبات الأمريكية والغربية على روسيا أن امتلاك الاحتياطيات الدولارية لا يعني بالضرورة القدرة على استخدامها إذا وقع خلاف سياسي كبير مع واشنطن وحلفائها.

إعلان

ويرى المتخصص في الشؤون الصينية مؤيد الزعبي أن التوسع في استخدام خطوط المبادلة مع الصين "لم يعد مرتبطا فقط بتسهيل التجارة"، بل يعكس تحولا أعمق في تفكير البنوك المركزية، خصوصا بعد الاستخدام المتزايد للعقوبات الأمريكية وهيمنة الدولار عالميا.

ويضيف الزعبي للجزيرة نت أن دولا كثيرة باتت تدرك أن الاعتماد الكامل على الدولار يضع اقتصاداتها تحت تأثير مباشر للسياسات الأمريكية والعقوبات المالية المحتملة. ولذلك، بدأ اتجاه متزايد نحو تنويع الأدوات النقدية والبحث عن بدائل أكثر توازنا.

وفي هذا السياق، لم يعد التنويع النقدي مجرد قرار فني داخل البنوك المركزية، بل أصبح جزءا من مفهوم أوسع للأمن المالي الوطني. فالدول تريد أن تضمن قدرتها على تمويل تجارتها، ودفع وارداتها، والوصول إلى احتياطياتها في أوقات الأزمات.

لماذا لا يحل اليوان محل الدولار سريعا؟

رغم توسع استخدام اليوان، لا تزال أمامه عقبات كبيرة تمنعه من منافسة الدولار بشكل كامل. أول هذه العقبات أن الصين تفرض قيودا على حركة رؤوس الأموال، مما يقلل من حرية دخول المستثمرين وخروجهم مقارنة بالأسواق الأمريكية.

كما أن أسواق السندات الأمريكية لا تزال الأعمق والأكثر سيولة في العالم، وهو ما يمنح الدولار قوة إضافية باعتباره ملاذا آمنا وأداة استثمارية واسعة الانتشار. في المقابل، لا تزال الأسواق المالية الصينية أقل انفتاحا وشفافية، وهو ما يحد من شهية البنوك المركزية والمستثمرين الدوليين لزيادة حيازاتهم من الأصول المقومة باليوان بسرعة.

وهو ما يشرحه شاهر الشاهر، أستاذ الدراسات الدولية بجامعة سون يات سين الصينية، خلال حديثه للجزيرة نت، مشيرا إلى أن أبرز العقبات أمام اليوان ترتبط بعدم تحرره الكامل وخضوع حركة رأس المال في الصين لقيود، إضافة إلى أن النظام المالي الصيني لا يزال أقل شفافية مقارنة بالأسواق الغربية.

أما الزعبي فيرى أن الصين نفسها لا تريد صعود اليوان بسرعة كبيرة، لأن قوة العملة قد تضر بالميزة التنافسية لصادراتها. ولذلك تتحرك بكين تدريجيا وبشكل محسوب، بهدف بناء نفوذ مالي طويل الأمد، لا فرض اليوان بديلا فوريا عن الدولار.

العرب وأفريقيا في قلب التحول

تبدو المنطقة العربية وأفريقيا من أكثر المناطق المعنية بصعود اليوان، بسبب اتساع التجارة مع الصين، ودور بكين في تمويل مشاريع البنية التحتية، واحتياج كثير من هذه الاقتصادات إلى تخفيف الضغط على احتياطيات الدولار.

ويقول خوري إن استخدام اليوان قد يمنح الدول العربية والأفريقية مرونة أكبر في التجارة، خاصة أن الصين أصبحت من أكبر المستثمرين والممولين في المنطقة، سواء في البنية التحتية أو قطاعات الطاقة والصناعة والتجارة. كما أن اليوان قد يخفف كلفة التحويلات في التعاملات مع الصين ويقلل الضغط على الاحتياطيات الدولارية.

ويرى تشو شوان أن توسيع استخدام اليوان يمكن أن يسهم في خفض تكاليف التحويلات وتقليل مخاطر تقلبات أسعار الصرف، إضافة إلى تسهيل التجارة مع الصين وتعزيز تمويل مشاريع البنية التحتية والاستثمار طويل الأجل، خصوصا في إطار مبادرة "الحزام والطريق".

أما الزعبي فيعتبر أن الاقتصادات العربية والأفريقية قد تكون من أكبر المستفيدين من هذا التحول، لأن الصين أصبحت الشريك التجاري الأكبر لكثير من هذه الدول. وبرأيه، فإن استخدام اليوان قد يخفف الضغط على الدولار ويفتح الباب أمام تمويل مشاريع بشروط أكثر تنوعا ومرونة، خصوصا في أفريقيا التي يتزايد فيها الحضور الصيني.

مصدر الصورة استخدام اليوان قد يخفف الضغط على الدولار ويفتح الباب لتمويل المشاريع بشروط أكثر تنوعا ومرونة (رويترز)

هل يصل اليوان إلى النفط؟

ويرى تشو شوان أن من الممكن مستقبلا تسعير جزء من صادرات النفط والسلع الاستراتيجية بين الصين وبعض الدول العربية باليوان، وقد بدأت بالفعل تجارب محدودة في بعض مجالات النفط والغاز والتجارة السلعية. لكنه يؤكد أن نظام "البترودولار" لا يزال الركيزة الأساسية لأسواق الطاقة العالمية، ومن غير المتوقع أن يحل اليوان محل الدولار بشكل كامل قريبا.

إعلان

ويتفق الزعبي مع هذا الطرح، معتبرا أن تسعير جزء من النفط أو السلع الإستراتيجية باليوان أصبح أكثر واقعية من أي وقت مضى، لكنه سيبدأ على الأرجح بصورة تدريجية ومحدودة. وإذا توسع مستقبلا، فقد يقلص الاحتكار التاريخي للدولار في تجارة الطاقة ويدعم فكرة النظام المالي متعدد العملات.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار