اقتحمت سلطة الطبيعة الإسرائيلية، قبل ايام الأرض الكنسية التابعة لبطريركية الروم الأرثوذكس في بلدة سلوان، جنوب المسجد الأقصى المبارك وأجبرت المواطن المسؤول عن الأرض خالد الزير على مغادرة الموقع.
وتعود القضية إلى استيلاء السلطات الاسرائيلية في 15 حزيران الجاري على قطعة أرض كنسية تبلغ مساحتها نحو 11 دونماً قرب حي البستان ببلدة سلوان، بعد إجبار القائمين على رعايتها على مغادرتها، وإحاطتها بالأسوار والبوابات.
وكانت بطريركية الروم الأرثوذكس قد رفعت دعوى قضائية للمطالبة باستعادة الأرض ورفع يد السلطات الاسرائيلية عنها، فيما قررت المحكمة الاسرائيلية خلال جلسة عُقدت قبل أيام، تأجيل البت في القضية إلى الخميس المقبل، بعد أن قدمت البطريركية ما يثبت ملكيتها للأرض واستمرار استخدامها ورعايتها قبل الاستيلاء عليها.
حجة المرافق العامة
يقول الباحث في تاريخ القدس فخري ابو دياب لموقع بكرا "هناك سياسة ممنهجة تنتهجها سلطات الاحتلال وأذرعها الاستيطانية للسيطرة على الأراضي الواقعة جنوب البلدة القديمة والمسجد الأقصى المبارك، ولا سيما في حي وادي الربابة وحي البستان، عبر ذرائع تتعلق بإقامة مرافق عامة أو تنفيذ مشاريع لتحسين المشهد الحضري والتشجير والبستنة".
وأضاف أن هذه الإجراءات تندرج ضمن محاولات نزع ملكية الأراضي من الفلسطينيين، بما في ذلك أراضي المسلمين والمسيحيين، بهدف توظيفها لاحقًا لخدمة المشاريع الاستيطانية والتهويدية.
وأشار ابو دياب إلى أن "سلطات الاحتلال تستغل انشغال العالم بالأحداث الجارية في المنطقة لتكثيف سيطرتها على مساحات واسعة من الأراضي، موضحا أن عمليات المصادرة تتم في البداية تحت مبررات تتعلق بالتطوير أو الزراعة أو البستنة، قبل أن تُستثمر هذه الأراضي مستقبلًا في إقامة مشاريع استيطانية".
وأكد ابو دياب أن "الاحتلال يسعى إلى الاستيلاء على كل قطعة أرض يستطيع إخضاعها عبر ما وصفه بـ"القوانين الجائرة"، في إطار مخطط يستهدف تصفية الوجود العربي جنوب البلدة القديمة والمسجد الأقصى، واستكمال ما يُعرف بمشروع "الحوض التاريخي" أو "الحوض المقدس".
ولفت ابو دياب إلى "أن الجمعيات الاستيطانية تقف، خلف هذه القرارات، وأن مؤسسات الاحتلال تعمل على خدمة أجندة هذه الجمعيات ومشاريعها التوسعية".
ووصف ابو دياب هذه التطورات بأنها "خطيرة للغاية"، خاصة أن المنطقة تشمل أراضي تابعة للدير والبطريركية اليونانية الأرثوذكسية، معتبرًا أن ذلك يدل على عدم وجود أي حصانة للمؤسسات الدينية أو التاريخية عندما يكون الهدف هو الاستيلاء على الأراضي والسيطرة عليها.
وأضاف أن الاحتلال يسرع وتيرة مشاريع التهويد في المنطقة، في محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض، من خلال الاستيلاء على أراضٍ فلسطينية وأخرى تابعة لمؤسسات دينية، بما يؤدي إلى تغيير المشهد والهوية التاريخية للمنطقة.
واكد ابو دياب على "أن جميع هذه الإجراءات، تتعارض مع القانون الدولي والمواثيق والمعاهدات الدولية، مشيرا إلى أن سلطات الاحتلال تمضي في سياساتها رغم ذلك، بهدف تغيير الطابع التاريخي والديموغرافي للمنطقة لصالح المستوطنين والمشاريع الاستيطانية".
توسيع استيطاني
بدوره يرى الكاتب المقدسي مازن الجعبري أن استيلاء سلطة الطبيعة الإسرائيلية على أرض تابعة للبطريركية الأرثوذكسية في سلوان، تبلغ مساحتها 11 دونماً، يمثل استمراراً لنهج توظيف القانون والإدارة لخدمة التوسع الاستيطاني في القدس. ويوضح الجعبري لموقع بكرا أن تحويل الأرض إلى "متنزه طبيعي" يشكل غطاء قانونيا لتنفيذ إجراءات الإخلاء والمصادرة على الأرض، في وقت تواصل فيه المحاكم الإسرائيلية المماطلة في البت بدعوى البطريركية رغم امتلاكها صكوك ملكية رسمية، بما يكرس السيطرة الفعلية على الأرض ويضعف الوجود المسيحي، متجاوزاً الحقوق الكنسية ومتعارضاً مع قواعد القانون الدولي.
ويؤكد الجعبري أن هذه الخطوة ليست حدثاً منفصلاً، وإنما تأتي ضمن سياسة ممنهجة تستهدف سلوان عبر تهجير العائلات الفلسطينية من أحياء مثل بطن الهوى، وهدم المنازل في حي البستان بذريعة البناء دون ترخيص، إلى جانب توسيع المشاريع الاستيطانية.
ويشير إلى أن جمعيات استيطانية، وفي مقدمتها "عطيرت كوهنيم"، تقود هذه المشاريع مستندة إلى قوانين تمييزية تمنح المستوطنين أدوات للاستيلاء على الممتلكات، بينما تُقيد قدرة الفلسطينيين على الدفاع عن حقوقهم وملكياتهم.
ويضيف الكاتب الجعبري أن الاستيلاء على أملاك البطريركية يندرج ضمن مشروع أوسع يستهدف تهويد القدس، ولا سيما بلدة سلوان، من خلال توظيف رواية "مدينة داود" التوراتية لتبرير التوسع الاستيطاني.
ويرى الجعبري أن استخدام الروايات الدينية والأساطير في تبرير السيطرة على الأرض يهدف إلى طمس الهوية العربية والمسيحية للمدينة، وتحويل الصراع من نزاع سياسي وقانوني على الأرض والحقوق إلى صراع ذي طابع ديني وتوراتي.
المصدر:
بكرا