آخر الأخبار

تركيا تفك شيفرة حرب إيران.. كيف تستعد أنقرة للحرب القادمة؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تروج أسطورة مفادها أن الدراسات الأمنية والاستخبارية علم سري لا يخرج للعلن، ولا يُناقش، ولا يُسمح بتداوله، في حين تمتلك أجهزة استخبارات في دول عديدة مواقع إلكترونية تنشر عليها وثائق مرفوع عنها السرية وكتبا ودراسات متخصصة، بل وتصدر أحيانا مجلات دورية، مثل مجلة "دراسات في الاستخبارات" الفصلية التي تنشرها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.

وفي الوقت ذاته، تنمو برامج الدراسات الأمنية والاستخبارية في الجامعات الغربية، خاصة الأمريكية والبريطانية، بوصفها حقلا معرفيا نشأ وتطور داخل البيئة الأنجلوساكسونية، قبل أن يمتد لاحقا إلى فرنسا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى. وبحلول عام 2023 أُعلن في أنقرة تأسيس أكاديمية الاستخبارات الوطنية التركية، وهي مؤسسة معنية بصياغة الفهم الإستراتيجي التركي للتحولات الدولية والإقليمية، مع التركيز على الربط بين الدراسات الاستخبارية والأمنية، والتحولات الجيوسياسية والعسكرية المحيطة بتركيا. وشرعت الأكاديمية في إصدار دراسات تتناول القضايا الأمنية والعسكرية ذات الأولوية.

"تأسست أكاديمية الاستخبارات الوطنية التركية عام 2023 وهي مؤسسة معنية بصياغة الفهم الإستراتيجي التركي للتحولات الدولية والإقليمية"

وضمن هذا التوجه، نشرت الأكاديمية باللغة التركية في مايو/أيار 2026 دراسة مطولة بعنوان "الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية: من منظور عسكري وجيوسياسي"، وتألفت من 3 محاور، حيث ركز المحور الأول على التحديات التي تفرضها الحرب على صعيد التقنيات والعقيدة العسكرية، مثل الدور العملياتي المتزايد للذكاء الاصطناعي، وحدود التفوق الجوي، وصعود الطائرات المسيرة الانتحارية والأنظمة غير المأهولة، إلى جانب اقتصاديات الذخيرة والقدرات الإنتاجية، والتحول العقائدي المرتبط بهيمنة مفهوم الحرب الشبكية، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 وحش الطرقات "غريبن".. لماذا يصعد نجم المقاتلات السويدية عالميا؟
* list 2 of 2 مونديال 2026.. الكاميرا التي ترحب بك والكاميرا التي تطاردك end of list
إعلان

وتناول المحور الثاني الآثار السياسية والجيوسياسية للحرب، وتضمَّن تحليل الانتقال السياسي الداخلي في إيران، والسياسة العدوانية لإسرائيل، وتداعيات الحرب على دول الجوار مثل العراق وسوريا، والآثار الاقتصادية العالمية للحرب، في حين قدم المحور الثالث تقييمات ونتائج وتوصيات من منظور تركيا.

تُعَد هذه الدراسة الثانية من نوعها التي تصدرها الأكاديمية بشأن الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران وتداعياته، بعد دراسة سابقة بعنوان "حرب الاثني عشر يوما والدروس المستفادة لتركيا"، تناولت الحرب الإسرائيلية الإيرانية في منتصف عام 2025. وقد تحوَّلت بعض التوصيات التي طرحتها تلك الدراسة إلى خطوات عملية، مثل تسريع صفقة شراء مقاتلات "يوروفايتر تايفون" لتطوير القدرات الجوية التركية، إلى جانب الشروع في إنشاء ملاجئ جماعية في المدن الكبرى بمختلف الولايات التركية للحماية من الكوارث، وكذلك من الهجمات الجوية والصاروخية في أي صراع محتمل.

حدود التفوق الجوي

على مدار عقود ارتبطت الهيمنة العسكرية الأمريكية بالسيطرة على المجال الجوي للخصوم، وتدمير شبكات دفاعهم الجوي. ومن ثم شغل التفوق الجوي موقعا رئيسيا في الدراسة، باعتبار أن الحرب على إيران كشفت حدود هذا التفوق رغم وجود فجوة ضخمة لصالح التكنولوجيا والقدرات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، مقارنة بنظيراتها الإيرانية.

فقد برزت أهمية أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية المتنقلة، خصوصا تلك التي تعتمد على التقنيات الكهروضوئية والأشعة تحت الحمراء الأقل تأثرا بالتشويش الإلكتروني، ما مكن الدفاعات الإيرانية من إسقاط طائرة "إف-15" قرب أصفهان، وإصابة مقاتلة من طراز "إف-35" أجبرت على الهبوط الاضطراري، فيما أشار تقرير لدائرة أبحاث الكونغرس إلى تدمير أو إعطاب 42 طائرة أمريكية خلال الحرب.

من جهتها، واصلت إيران هجماتها رغم التفوق الجوي الأمريكي والإسرائيلي، عبر الدمج بين المسيرات والصواريخ البالستية والصواريخ المجنحة، بما فرض ضغطا على أنظمة الدفاع الصاروخي، وأوجد أعباء تشغيلية واقتصادية ونفسية متراكمة على أمريكا وإسرائيل.

"كشفت الحرب عن اتساع الفجوة بين تكلفة الهجوم وتكلفة الدفاع"

وكشفت الحرب عن اتساع الفجوة بين تكلفة الهجوم وتكلفة الدفاع؛ إذ دفعت المسيرات الإيرانية منخفضة الكلفة (سعر الواحدة بين 20-60 ألف دولار) إلى استخدام صواريخ اعتراضية باهظة الثمن من طراز باتريوت وثاد تقدر قيمة الواحد منها بملايين الدولارات، ما حوَّل المعركة إلى حرب استنزاف اقتصادي تنهك الموارد، واستنفد مخزون الصواريخ الاعتراضية، إلى جانب استهداف الرادارات ومنظومات المراقبة والاستطلاع.

كما أظهرت الحرب أن امتلاك منظومات دفاع جوي مُتقدمة لا يضمن توفير حماية كاملة للمجال الجوي، خاصة عند التعرض لهجمات متزامنة من منصات متعددة وعلى ارتفاعات ومسارات مختلفة. فرغم امتلاك إسرائيل بنية دفاع جوي متعددة الطبقات تضم أنظمة "القبة الحديدية" و"مقلاع داود" و"السهم"، فإن استخدام إيران لرؤوس حربية تحتوي على ذخائر صغيرة متعددة، مثل صواريخ "خرمشهر"، قلَّل من فعالية الدفاعات الصاروخية. فعندما يصل الصاروخ إلى ارتفاع يتراوح بين 7-10 كيلومترات فوق الهدف، ينفتح رأسه الحربي لتتناثر منه قنابل صغيرة تغطي مساحة تمتد إلى قرابة 10 كيلومترات، بما يزيد احتمالات الاختراق رغم نجاح إسرائيل في اعتراض 92% من الهجمات الإيرانية.

إعلان

ومن هنا يتزايد الاهتمام التركي بأنظمة الدفاع الجوي متعددة الطبقات، كما في مشروع "القبة الفولاذية"، لكن من خلال مقاربة تقوم على مفهوم "الحرب الشبكية" الذي يستند إلى جوار منظومات الاعتراض الصاروخي على شبكة متكاملة تشمل الأقمار الصناعية والرادارات والحرب الإلكترونية وأنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات وتحليل البيانات، مع ربط آني بين الرصد والمعالجة والاستهداف. ومع التركيز على بدائل أقل تكلفة، مثل أسلحة الطاقة الموجهة والليزر والمسيرات الاعتراضية، بدلا من الاعتماد فقط على صواريخ الاعتراض مرتفعة الثمن.

"تشير الدراسة إلى ضرورة الاهتمام بحماية البنية التحتية الحيوية عبر التصميم المعماري المقاوم للقصف"

وفي السياق ذاته، تشير الدراسة إلى ضرورة الاهتمام بحماية البنية التحتية الحيوية عبر التصميم المعماري المقاوم للقصف، والتوسُّع في البناء تحت الأرض أو داخل الجبال، وتوزيع المنشآت المهمة جغرافيا لتقليل آثار الاستهداف، على غرار ما فعلته ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية في مصانع السلاح، وما تطبقه إيران في مدن الصواريخ والمسيرات والمنشآت النووية.

وفي الإطار التنظيمي، لفتت الدراسة إلى أن عقيدة "الدفاع الفسيفسائي" الإيرانية قدمت نموذجا لقدرة الهياكل اللامركزية على مواصلة العمل رغم استهداف القيادة، عبر تفويض الصلاحيات إلى مستويات أدنى تتيح للخلايا الصغيرة المستقلة الاستمرار في أداء مهامها العملياتية. ومع ذلك، يولد هذا النمط تحديات إضافية تتعلق بصعوبة ضبط القرار في فترات وقف إطلاق النار وخفض التصعيد. ولذلك خلصت الدراسة إلى أن الهيكل الأكثر ملاءمة لبيئة القتال الحديثة هو الهيكل الهجين، الذي يجمع بين العمل الشبكي الموزع، والاستقلالية المحلية، والاتصالات المحمية.

الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي

كشفت الحرب أيضا عن تحول في مفهوم القوة العسكرية يتجاوز التركيز على عدد الطائرات ونوعيتها، ليركز على الشبكات والبيانات وسرعة المعالجة والمرونة التنظيمية. فانتشار الذخائر الدقيقة، وتصاعد دور الأنظمة غير المأهولة منخفضة الكلفة، وتسريع دورة كشف الأهداف وتحديدها وضربها وتقييم نتائج الاستهداف، كلها عوامل أثرت على مجريات الحرب.

لقد اعتمدت الولايات المتحدة وإسرائيل على أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على دمج تدفقات هائلة من البيانات، وتصنيف الأهداف، وترتيب أولوياتها بناء على قيمتها العملياتية ومخاطرها وفرصها المتاحة، وربطها بالأسلحة الهجومية المناسبة، مع تحديث قوائم الاستهداف بصورة آنية تبعا للتغيرات الميدانية. واستخدمت الولايات المتحدة نظام "مافن" المدعوم بالذكاء الاصطناعي من شركة بالانتير، إلى جانب نموذج "كلود" للذكاء الاصطناعي التابع لشركة أنثروبيك، في دعم عمليات تحليل البيانات والاستهداف، بينما اعتمدت إسرائيل على أنظمة مشابهة مثل "لافندر" و"غوسبل".

"كلما تقلص الزمن الفاصل بين اكتشاف الهدف وضربه، ازدادت قدرة الطرف المهاجم على فرض إيقاعه العملياتي وإرباك الخصم"

وتبرز أهمية هذه الأنظمة بصورة خاصة في ملاحقة الأهداف المتحركة، مثل منصات إطلاق الصواريخ الباليستية، إذ يتطلب تتبُّعها معالجة كم هائل من البيانات في غضون ثوانٍ معدودة، بما يجعل الذكاء الاصطناعي أداة محورية في ضغط دورة الملاحظة والتوجيه واتخاذ القرار والتنفيذ (OODA) التي صاغها الإستراتيجي جون بويد، فكلما تقلص الزمن الفاصل بين اكتشاف الهدف وضربه، ازدادت قدرة الطرف المهاجم على فرض إيقاعه العملياتي وإرباك الخصم.

كما اعتمدت أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي الإسرائيلية على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل مسارات التهديدات وسرعاتها، وتقدير نقاط السقوط المحتملة، وتحديد أولويات الاعتراض خلال فترات زمنية قصيرة للغاية، بحيث تُتخذ قرارات إطلاق الصواريخ الاعتراضية بصورة شبه تلقائية. ورغم تلك الميزات، فإن تلك الأنظمة التي تتخذ قراراتها بصورة آلية تحت ضغط العمليات، تزداد لديها احتمالات الخطأ وسوء التقدير.

إعلان

المسيرات والذخائر

اهتمت الدراسة بفحص دور المسيرات التي لعبت دورا رئيسيا في إنهاك شبكات الدفاع الجوي الإسرائيلية والأمريكية. وأشارت إلى تضاعف فعالية المسيرات الإيرانية عبر دمجها في هجمات متزامنة تجمع بينها وبين الصواريخ البالستية والمجنحة، ما صنع حالة تشبع استنزفت مخزون الصواريخ الاعتراضية كما أتاحت تدمير أهداف نوعية مثل رادارات لبطاريات ثاد للدفاع الصاروخي. ولكن الدراسة تشير في الوقت ذاته إلى أن فعالية المسيرات تظل مرتبطة بقدرتها على تجاوز الحرب الإلكترونية، نظرا لاعتمادها الكبير على الاتصالات والبيانات وأنظمة الملاحة، ما يجعلها عرضة للتشويش والاختراق.

ولذلك توصي الدراسة إلى جانب زيادة أعداد المسيرات وتطوير مداها، إلى الاهتمام ببناء منظومات تشغيل تسمح بإدارة أسراب كبيرة بصورة منسقة، وربطها بمنظومات الرصد والاستهداف والذكاء الاصطناعي، مع تطوير الاتصالات الآمنة وأنظمة الملاحة المحلية وتقليل الاعتماد على المكونات الغربية الحساسة.

"أعادت الحرب طرح تساؤلات حول جدوى وفعالية المنصات العسكرية الكبيرة والمكلفة، وعلى رأسها حاملات الطائرات"

وقد أعادت الحرب طرح تساؤلات حول جدوى وفعالية المنصات العسكرية الكبيرة والمكلفة، وعلى رأسها حاملات الطائرات، في ظل تصاعد تهديدات الصواريخ الدقيقة والمسيرات والألغام البحرية. فرغم قيمتها التشغيلية، أصبحت هذه المنصات تمثل أهدافا مرتفعة الكلفة وعالية المخاطر، ما يعزز أهمية الأنظمة القتالية الأرخص ثمنا والأكثر مرونة.

مصدر الصورة الرئيس التركي أردوغان (وسط) يحضر مراسم دخول منصات بحرية إلى الخدمة (الأناضول)

أظهرت الحرب على إيران كذلك أن التفوق العسكري يتطلب إلى جانب التكنولوجيا المتقدمة قدرة على الإنتاج وإعادة بناء مخزون الذخائر خلال فترات قصيرة. فالمنشآت المحصنة تحتاج إلى ضربات متكررة، فيما يتزايد استهلاك الذخائر بصورة تراكمية مع طول أمد الحرب، مما يضغط على القدرات الصناعية وسلاسل الإمداد. وتبرز المشكلة بصورة خاصة في الذخائر الموجهة عالية الدقة، بسبب ارتفاع كلفتها ومحدودية إنتاجها، ولذا توصي الدراسة بالبحث عن توازن بين الأسلحة المتطورة والبدائل الأقل تكلفة ذات الفعالية المقبولة، مثلما فعل الجيش الأمريكي عبر المسيرات الانتحارية منخفضة الكلفة "لوكاس".

ومن هنا تبرز أهمية القدرة الصناعية بوصفها جزءا من العمق الإستراتيجي للدولة، إلى جانب القدرة على تحويل البنية الصناعية المدنية إلى الإنتاج الدفاعي عند الحاجة، وتقليص استيراد المواد الدفاعية وما يتعلق بالإلكترونيات والبرمجيات والمحركات والرقائق، والتي قد تواجه مشاكل وقت الحرب بسبب فرض عقوبات أو ضغوط سياسية أو اضطراب حركة التجارة العالمية. ولهذا تتجه تركيا نحو توطين الصناعات الدفاعية وتقليل الاعتماد على الموردين الغربيين، مع التركيز على بناء قاعدة تكنولوجية محلية تدعم صناعات المسيرات والأنظمة الذكية.

الجبهة الداخلية

أحد أهم دروس الحرب يتعلق بمفهوم الجبهة الداخلية. فعلى مدار عقود ارتبط هذا المفهوم في الأدبيات العسكرية بحماية المدنيين من القصف وتأمين المدن وتوفير الخدمات الأساسية خلال الحروب، لكن الحرب على إيران أظهرت أن الضغط على المجتمع والاقتصاد بات هدفا قائما بذاته، فقد امتدت الهجمات المتبادلة إلى شبكات الطاقة والموانئ والاتصالات والبنية الخدمية، بهدف إضعاف قدرة الدولة على إدارة الحرب والضغط على المجتمع من الداخل.

وتتوقف الدراسة عند التأثير النفسي والسياسي للهجمات الجوية والصاروخية، التي تهدف لإبقاء السكان تحت التهديد، وتعطيل الإيقاع الطبيعي للحياة، وإرباك قدرة الدولة على إدارة الحرب. وهنا يبرز ضعف المدن الكبرى أمام الهجمات، خاصة مع الكثافة السكانية العالية والاعتماد على الأنظمة الرقمية وشبكات الطاقة والاتصالات. ولهذا أصبحت مسألة بناء الملاجئ الجماعية وتحديث أنظمة الإنذار التركية ضرورة لضمان استمرارية عمل المدن ومؤسسات الدولة في الأزمات، وتعزيز المرونة المجتمعية.

"الحرب على إيران أظهرت أن الضغط على المجتمع والاقتصاد بات هدفا قائما بذاته أثناء الحروب"

كذلك تتناول الدراسة البعد الإعلامي والمعرفي المرتبط بالجبهة الداخلية، في ظل اتساع استخدام التضليل الإعلامي والمحتوى المُفبرك والحملات النفسية لإرباك الخصوم وإثارة الانقسامات والتشكيك في قدرة الدول على إدارة الأزمات. ومع التسارع الهائل في تداول المعلومات، وتزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج الصور والمقاطع الصوتية والمرئية، أصبح من الصعب التمييز بين الوقائع الفعلية والحملات المنظمة، ما يجعل الأمن المعلوماتي جزءًا من الأمن القومي. ومن ثم تتعامل أنقرة مع تطوير المنصات المحلية والبنية الرقمية الوطنية على أنها جزء من حماية الجبهة الداخلية.

إعلان

وفي الإطار ذاته، يبرز الاهتمام بالأمن السيبراني، خاصة مع اعتماد المرافق الحيوية والخدمات العامة على الأنظمة الرقمية. فتعطيل شبكات الاتصالات أو البنوك أو الطاقة يمكن أن يتحول إلى عامل اضطراب يمس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما يدفع المؤسسات التركية إلى التعامل مع الفضاء السيبراني بوصفه مكونا حيويا من بيئة الحرب المستقبلية.

مصدر الصورة

التقييمات السياسية

تولي الدراسة اهتماما بالتحولات السياسية داخل إيران بعد الحرب، خاصة في ظل الرهانات التي سبقت المواجهة على احتمال انهيار النظام أو حدوث انقسام داخلي نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية. وترى أن الحرب كشفت قصور هذه التقديرات، إذ اتضح منذ الأسابيع الأولى أن سقوط النظام لم يكن احتمالا واقعيا، على الأقل على المدى القريب، رغم حجم الخسائر التي تعرضت لها إيران.

وتعتبر الدراسة أن الحرب شكلت اختبارا حقيقيا للمعارضة الإيرانية في الخارج، وعلى رأسها رضا بهلوي نجل الشاه المخلوع، والجماعات المرتبطة به. فقد تعاملت هذه القوى مع الحرب كأنها امتداد للاحتجاجات التي شهدتها إيران، دون إدراك الفارق بين السخط الاجتماعي في الظروف العادية، وبين ردود الفعل التي تثيرها الحروب والهجمات الخارجية. ولهذا أخفقت في تحويل الحرب إلى لحظة انهيار سياسي للنظام، بل إن خطابها المؤيد للهجمات الأمريكية والإسرائيلية قلَّص ما كانت تمتلكه من حضور محدود داخل المجتمع الإيراني.

كما تلفت الدراسة النظر إلى أن قطاعات من الإيرانيين الذين يعارضون سياسات النظام اختارت الاصطفاف مع الدولة أثناء الحرب أو الامتناع عن أي تحرك احتجاجي، بسبب المخاوف من الفوضى والانهيار الداخلي. وترى الدراسة أن مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع سيتحدد بدرجة كبيرة وفق سياسات ما بعد الحرب، ومدى قدرة النظام على تخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.

"الحرب أوجدت توازنات جديدة تجعل من الصعب إعادة إنتاج نفس النموذج الذي حكم إيران في عهد المرشد الراحل"

وفي المقابل، تستبعد الدراسة تحول إيران إلى نموذج دكتاتورية عسكرية صريحة رغم تنامي نفوذ الحرس الثوري، وذلك بحجة أن النظام الإيراني يقوم على التوازن بين المؤسسات الدينية والسياسية والعسكرية، وأنه حافظ منذ عام 1979 على مساحة للعمل السياسي المدني والانتخابات وإدارة التنافس داخل النخبة، ولهذا يُرجح أن يواصل الحرس الثوري توسيع نفوذه، دون التحول إلى سلطة عسكرية صريحة تتحمل مسؤولية الحكم. لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن الحرب أوجدت توازنات جديدة تجعل من الصعب إعادة إنتاج ذات النموذج الذي حكم إيران لعقود في عهد المرشد الراحل علي خامنئي، خاصة مع تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية واحتمالات الدفع نحو إصلاحات أو تعديلات دستورية في السنوات المقبلة، على غرار ما حدث بعد وفاة الخميني عام 1989.

وترى الدراسة أن الملف الاقتصادي يمثل التحدي الأخطر أمام إيران في مرحلة ما بعد الحرب، خاصة مع الأضرار التي لحقت بالبنية الصناعية الثقيلة، وتراجع عائدات النفط، كما أن استمرار العقوبات والتوترات الإقليمية سيجعل قدرة إيران على التعافي أكثر صعوبة خلال السنوات المقبلة.

إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية

في الصورة الأوسع، تنظر الدراسة إلى الحرب على أنها مؤشر على مرحلة متقدمة من تآكل النظام الدولي الليبرالي، الذي قام على ضبط استخدام القوة عبر المؤسسات والقواعد الدولية. فمنذ غزو العراق عام 2003 تعرض هذا التصور لتآكل تدريجي، ثم دفعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران هذا التآكل إلى مستوى أكثر حدة، بعدما شُنَّت الحرب دون غطاء من مجلس الأمن، وبدون شرعية قانونية.

وفي الوقت ذاته، كشفت الحرب حدود قدرة الولايات المتحدة على إدارة التزاماتها العالمية، إذ انخرطت واشنطن مجددا في الشرق الأوسط رغم سعيها الإستراتيجي للتركيز على آسيا والمحيط الهادئ وموازنة صعود الصين. ويتيح هذا التشتت لبكين وموسكو تعزيز موقعيهما بكلفة أقل؛ فالصين تستفيد من انشغال الولايات المتحدة لتعزيز حضورها الآسيوي ونفوذها الاقتصادي، بينما تستثمر روسيا تحول الاهتمام الغربي نحو الشرق الأوسط لزيادة الضغط في أوكرانيا. وفي المقابل، أبرزت الحرب صعود دور القوى المتوسطة، التي تزداد أهميتها مع تراجع فعالية المؤسسات الدولية، ووصول القوى الكبرى إلى سقف قدرتها على إدارة النظام العالمي منفردة.

"أبرزت الحرب صعود دور القوى المتوسطة، التي تزداد أهميتها مع تراجع فعالية المؤسسات الدولية"

وفي الإطار الإقليمي، تركز الدراسة على موقع تركيا وسط التحولات التي أفرزتها الحرب، خاصة فيما يتعلق بإدارة علاقتها مع إيران وإسرائيل. فرغم الخلافات التركية الإيرانية في ملفات متعددة، لا تنظر أنقرة إلى انهيار إيران أو تفككها على أنه تطور يخدم مصالحها، كما تخشى من اتساع النفوذ الإسرائيلي بعد الحرب. ولهذا حرصت أنقرة على تجنب الانخراط في القتال، فلم تسمح باستخدام مجالها الجوي في العمليات ضد إيران، كما شاركت في جهود إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة بين واشنطن وطهران قبل اندلاع الحرب، ودعمت الوساطة الباكستانية بعد بدايتها.

وفي المقابل، تصاعدت المخاوف التركية من احتمالات حدوث موجات لجوء جديدة، واضطرابات اقتصادية، وتوترات مرتبطة بالمسألة الكردية، فضلا عن احتمال انهيار التوازنات الهشة في العراق وسوريا، وتضخم هامش الحركة الإسرائيلي على امتداد سوريا ولبنان وشرق المتوسط. وتحذر الدراسة من أن السياسات الإسرائيلية العدوانية قد تؤدي إلى خلق بؤر توتر جديدة، بما يزيد احتمالات المنافسة الإستراتيجية مع تركيا. كما ترصد تصاعد حملات الدعاية المعادية لأنقرة عبر منصات مرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة، ومن ثم دعت لمراقبة أنشطة الدعاية المذكورة في الصحافة الدولية ووسائل الإعلام الأمريكية والغربية، واتخاذ تدابير ضد أنشطة التضليل والتلاعب الإسرائيلية.

"سياسة الحياد الحذر قد لا تكون كافية لحماية المصالح التركية في بيئة إقليمية مضطربة"

أما العراق، فرغم أنه لم يكن طرفا رسميا في الحرب، فقد تحوَّل إلى ساحة خلفية لها مع تصاعد الهجمات بين الفصائل الموالية لإيران والقوات الأمريكية، ما كشف تعدد مراكز النفوذ وضعف قدرة الدولة على فرض السيطرة. كما أدت الحرب إلى خسائر اقتصادية حادة بفعل تراجع تصدير النفط الذي يوفر 86% من الإيرادات الحكومية، وأزمة الكهرباء المرتبطة بالاعتماد على الغاز الإيراني، بالتوازي مع تصاعد التوترات الأمنية في إقليم كردستان.

وفي الساحة السورية، تشير الدراسة إلى أن دمشق تأثرت بانتهاك مجالها الجوي، وسقوط حطام الصواريخ والمسيرات، والهجمات على قواعد عسكرية شرق البلاد، وعودة 120 ألف نازح سوري من لبنان هربا من الحرب، إلى جانب تأثر المدن السورية بانقطاع الغاز الطبيعي القادم عبر الأردن ومصر، واحتمال تراجع الاستثمارات الخليجية وجهود إعادة الإعمار، فضلا عن احتمال استخدام إسرائيل لقضية الدروز لتصعيد الصراع مع الحكومة السورية، وهي مشاكل تُهدِّد حدود تركيا الجنوبية.

وتخلص الدراسة إلى أن سياسة "الحياد الحذر" قد لا تكون كافية لحماية المصالح التركية في بيئة إقليمية تتجه نحو مزيد من السيولة والاضطراب. وتربط بين هذه التحوُّلات وبين مشاريع الممرات التجارية والطاقة، معتبرة أن التوترات في مضيق هرمز والبحر الأحمر أكسبت مشاريع مثل "طريق التنمية" الذي يربط الخليج وأوروبا عبر العراق وتركيا، و"الممر الأوسط" الذي يربط الصين وأوروبا عبر تركيا وآسيا الوسطى وجنوب القوقاز، أهمية إضافية بالنسبة لأنقرة لتعزيز موقعها الجيوسياسي بعد الحرب.

مصدر الصورة (الجزيرة)

توصيات

تخلص الدراسة إلى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية كشفت عن تغيير جذري في طبيعة البيئة الأمنية الإقليمية والدولية، بما يفرض على تركيا إعادة صياغة أولوياتها الدفاعية والإستراتيجية وفق مقاربة أكثر شمولا. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تبني مفهوم "العمق ثلاثي الأبعاد" في الصناعات الدفاعية، القائم على الجمع بين التفوق التكنولوجي، والقدرة على الإنتاج الكمي، واستدامة الإنتاج خلال الحروب الطويلة.

وترى الدراسة أن بناء مظلة دفاع جوي منيعة في دولة شاسعة المساحة مثل تركيا هدف غير واقعي، ما يجعل الأولوية لتطوير بنية دفاع جوي وصاروخي مرنة وموزعة تعمل بشكل مستقل عند الضرورة، وتعتمد على الأنظمة الشبكية المتحركة والقدرات متعددة الطبقات، بدلا من المنظومات المركزية الثابتة المعرضة للاستهداف.

كما توصي بالتعامل مع الحرب السيبرانية والإلكترونية والحرب المعرفية باعتبارها جزءا أصيلا من الأمن القومي، عبر بناء قدرات محلية متقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي والاتصالات والتواصل الإستراتيجي ومواجهة التضليل وتحليل السلوك والحرب النفسية، بما يسمح لتركيا بتطوير أدواتها السردية والمعلوماتية الخاصة وتعزيز قدرتها على الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية.

"يقوم العمق ثلاثي الأبعاد على الجمع بين التفوق التكنولوجي، والقدرة على الإنتاج الكمي، واستدامة الإنتاج خلال الحروب الطويلة"

وفي الإطار ذاته، تدعو الدراسة إلى إعادة هيكلة أنظمة القيادة والتحكم عبر تعزيز المرونة العملياتية وتفويض الصلاحيات إلى المستويات الأدنى ضمن شبكات رقمية مع الحفاظ على التكامل والتنسيق على المستوى الإستراتيجي، إلى جانب التوسع في إنشاء مرافق إنتاج وتخزين تحت الأرض، وتحديث بروتوكولات حماية الأفراد والمنشآت الحيوية، وتطوير قدرات إدارة الأزمات واستمرارية الخدمات، في ظل تراجع الفواصل بين الجبهة الأمامية للقتال والجبهة الداخلية.

وعلى المستوى الإقليمي، ترى الدراسة أن الحرب كشفت محدودية الضمانات الأمنية الخارجية، ما يفرض على تركيا تعزيز مقاربة إقليمية متعددة الأطراف تقوم على احتواء الأزمات والحفاظ على قنوات الاتصال وتوسيع المصالح المشتركة، وتكثيف الجهود للحفاظ على الوحدة السياسية والاجتماعية للمنطقة، بالتوازي مع الاستفادة من الأهمية الجيوسياسية المتزايدة لممرات التجارة والطاقة البديلة، عبر تطوير مشاريع مثل "طريق التنمية" و"الممر الأوسط" وتعزيز البنية التحتية المرتبطة بها.

وتعتبر الدراسة أن الحرب تُمثل نقطة تحول في بنية النظام الدولي، بعدما كشفت تآكل النموذج الأمني الذي تشكَّل بعد الحرب الباردة تحت المظلة الغربية. وفي المقابل، تمنح هذه التحولات تركيا فرصة لتعزيز موقعها الإقليمي والدولي، مستفيدة من تطور صناعاتها الدفاعية وخبرتها العملياتية وموقعها الجيوسياسي، شرط نجاحها في الجمع بين القوة العسكرية والمرونة الاقتصادية والتماسك المجتمعي والقدرة على إدارة التوازنات الإقليمية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا