أعلنت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" الموالية لتنظيم القاعدة والمتحالفة ميدانيا مع "جبهة تحرير أزواد" التي تضم مقاتلين من قبائل الطوارق والعرب الذين يطالبون بانفصال مناطقهم في الشمال، فرض حصار على العاصمة المالية باماكو وإغلاق الطرق المؤدية إليها.
ويأتي هذا الحصار بعد أيام من هجمات منسقة أسفرت عن مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا وسقوط مدينة كيدال بأيدي المسلحين المعارضين، في أخطر اختبار يواجه المجلس العسكري الحاكم منذ انقلابه عام 2020.
هذا التطور المتسارع يطرح سؤالا مباشرا في مالي وخارجها: هل تقترب العاصمة من السقوط عسكريا، أم أن البلاد تتجه إلى حصار طويل وانهيار تدريجي لسلطة باماكو؟
لفهم مآلات هذا الهجوم، يجب قراءة الخريطة المالية وفق ثنائية واضحة: المركز في الجنوب، والأطراف في أقصى الشمال.
في الجنوب الغربي، تقع العاصمة باماكو، القلب الاقتصادي والسياسي للبلاد، وعلى بُعد 15 كيلومترا فقط منها، تتربع مدينة "كاتي"، وهي بمثابة "القلعة العسكرية" ومعقل الجيش المالي الذي يتحصن فيه الرئيس الانتقالي آسيمي غويتا.
الزلزال الأمني الحقيقي وقع عندما اخترق المهاجمون حواجز "كاتي" واغتالوا وزير الدفاع بسيارة مفخخة في عقر داره، لكن خطورة هذا المشهد لم تكتمل إلا بتزامنه مع انهيار جبهة أخرى تبعد نحو 1500 كيلومتر.
ففي أقصى الشمال، كانت مدينة "كيدال" تسقط في التوقيت ذاته بأيدي المسلحين المعارضين.
ولا تنبع أهمية كيدال من كونها المعقل التاريخي والرمزي لمتمردي الطوارق فحسب، بل لأن استعادتها عام 2023 شكّلت أكبر انتصار معنوي روّج له المجلس العسكري كدليل على نجاح شراكته مع روسيا.
لذلك، فإن سقوط كيدال مجددا في هذا الهجوم المنسق ليس مجرد خسارة للأطراف، بل يشير إلى تحول جذري في موازين القوى، يهدد بقطع الشرايين الحيوية بين الشمال والجنوب، خصوصا مع مساعي السيطرة على عقد إستراتيجية أخرى مثل غاو وميناكا.
وتسعى جبهة تحرير أزواد -وفق تصريحات قياداتها وتقارير تحليلية- إلى استكمال سيطرتها على مدن الشمال، بما يشبه فرض "أمر واقع" لانفصال تلك المناطق، مقابل سلطة عسكرية مضغوطة ومحاصرة في باماكو والجنوب.
الهجوم غير المسبوق تقوده قوتان كانتا على خلاف لكنهما اتحدتا اليوم، وهما "جبهة تحرير أزواد" (حركة يغلب عليها الطوارق وتسعى لانفصال الشمال)، وجماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" (المرتبطة بتنظيم القاعدة).
ويمثل هذا التقارب "تحالف ضرورة" أكثر منه اندماجا أيديولوجيا، إذ يحتفظ كل طرف بمشروع مختلف: أيديولوجي عابر للحدود بالنسبة لـ"نصرة الإسلام"، وقومي طارقي بالنسبة لجبهة تحرير أزواد.
ويوضح الباحث سيدي أحمد ولد الأمير، في دراسة لـ"مركز الجزيرة للدراسات"، أن ما يجري في مالي لم يعد مجرد تصعيد في العنف، بل هو "تغيير في طبيعة الحرب نفسها". فالجماعات المسلحة لم تعد تسعى فقط لإيقاع الخسائر بالجيش، بل إلى "تعطيل قدرة الدولة على العمل" عبر خنق الطرق والإمدادات.
هذا "الخنق" بدأ يترجم واقعيا، فقد نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية تقريرا يؤكد إغلاق 3 من أصل 6 طرق رئيسية مؤدية لباماكو.
اعتمد المجلس العسكري منذ 2021 إستراتيجية دفاعية طرد بموجبها القوات الفرنسية، واتجه نحو روسيا شريكا أمنيا عبر استقدام " الفيلق الأفريقي" ( فاغنر سابقا). لكن مقتل وزير الدفاع كامارا -الذي تجمع تقارير غربية وأفريقية على أنه مهندس التحالف مع موسكو- يمس قناة التواصل الأساسية مع الكرملين.
ترافق هذا مع انسحاب عناصر الفيلق الأفريقي من مدينة كيدال إثر مفاوضات مع المعارضين قادتها الجزائر.
وقال أولف لايسينغ، من مؤسسة كونراد أديناور، للجزيرة إن الفيلق الروسي "فقد مصداقيته حقا"، مشيرا إلى أنهم غادروا كيدال تاركين وراءهم معدات ومحطة طائرات مسيّرة.
في المقابل، أكد المتحدث باسم الكرملين أن قوات بلاده ستبقى في مالي "لمكافحة التطرف". وتشير تقارير صحفية إلى أن القوات الروسية قدمت دعما جويا للقوات المالية لمنع المهاجمين من تحقيق اختراقات أوسع قرب العاصمة، في وقت يتعرض فيه هذا الدور لتشكيك متزايد من محللين وخبراء.
من جهتهم، وجّه المسلحون المعارضون رسائل واضحة، وقال المتحدث باسم الانفصاليين محمد المولود رمضان: "ليس لدينا مشكلة خاصة مع روسيا… مشكلتنا تكمن مع النظام الحاكم في باماكو".
وبرر رمضان استهدافهم للروس بأنهم "دعموا من ارتكبوا جرائم خطيرة ومجازر، ودمروا مدنا وقرى"، مشددا على أن هدفهم هو "انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها".
رغم تصريح الجماعات المسلحة بأن النظام "سيسقط عاجلا أم آجلا"، لا يرجح الخبراء أن تشهد باماكو اجتياحا عسكريا كاسحا في المدى القصير، وذلك لغياب القدرة العددية اللازمة للسيطرة على عاصمة مكتظة بنحو 4 ملايين نسمة.
وفي هذا السياق، يوضح تقرير صادر عن "مشروع التهديدات الحرجة" (CTP) -وهو مبادرة بحثية أمريكية تابعة لمعهد "أميركان إنتربرايز" متخصصة في تحليل التهديدات الأمنية- أن القوة الضاربة لجماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" تقدر بنحو 6000 مقاتل فقط، يتوزع كثير منهم عبر مساحات شاسعة بين مالي وبوركينا فاسو.
ويشير المركز إلى أن هذا العدد يظل ضئيلا جدا مقارنة بالجماعات التي نجحت تاريخيا في إسقاط الحكومات والسيطرة على دول كاملة، والتي كانت تمتلك أضعاف هذا العدد مقارنة بحجم القوات النظامية.
ولذلك، يعتمد المسلحون إستراتيجية الخنق بدلا من الاقتحام الكلاسيكي.
وتتباين السيناريوهات حول مصير السلطة:
صدمة لا تعني الانهيار: يرى أوفيغوي إغويغو، الخبير في شؤون الساحل، في حديث لـ"الجزيرة" أن الهجوم كان "مفاجئا وصدمة" للسلطة، لكنه استبعد أن تكون أيام الحكم العسكري معدودة، مشددا على أن "المشهد أكثر تعقيدا".
الإطاحة بالمجلس العسكري أو تهيئة ظروف انهياره: يخلص تقرير "مشروع التهديدات الحرجة" إلى أن الهدف العملياتي للهجمات ليس السيطرة المباشرة، بل "الإطاحة بالمجلس العسكري الحالي أو تهيئة الظروف لانهياره"، مشيرا إلى أن الجماعة المسلحة تسعى في النهاية إلى التعامل مع "سلطات جديدة في باماكو يمكنها التأثير عليها بشدة".
وبحسب ما نقله التقرير عن صحفيين وباحثين، فقد أثارت الهجمات "أزمة سياسية في باماكو قد تؤدي إلى الإطاحة بغويتا".
وأفادت مصادر للمعهد بأن "عناصر في القوات المسلحة المالية والحكومة تدعم الجنرال ماليك دياو لتولي رئاسة المجلس الانتقالي"، واصفة دياو بأنه "مرشح توافقي للإطاحة بغويتا مع إبقاء الجيش مسيطرا على الحكومة".
من جهتها، تسعى السلطة لتماسك جبهتها الداخلية، وفي خطوة لنفي شائعات هروبه، ظهر الرئيس الانتقالي آسيمي غويتا في خطاب متلفز ليؤكد أن "الوضع تحت السيطرة"، مقرا في الوقت ذاته بأن "الوضع خطير جدا".
ودعا غويتا الماليين إلى التحلي بـ"التعقل لا الذعر"، مطالبا بـ"انتفاضة وطنية" في وجه الانقسام، في محاولة لتعزيز شرعيته في لحظة يحاول فيها المسلحون خنق عاصمته بالحصار.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة