من بين المناظر الجميلة جدا في السماء، والتي ستحب أن تشاهدها من وراء عدسة التلسكوب أو المنظار، السدم والعناقيد النجمية.
فالعناقيد النجمية هي تجمعات نجوم بأعداد بين العشرات ومئات الآلاف، وأما السدم فهي غازات تخبرك إما عن مستقبل النجم أو ماضيه، فهي إما أن تكون حواضنه التي ولد منها أو سيولد، وإما أن تكون بقاياه التي خلفها بعد أن انفجر أو ربما مات بهدوء، كما هو مستقبل شمسنا التي يتوقع العلماء أن تخلع رداءها بهدوء بعد خمسة أو سبعة مليارات سنة من الآن.
وثمة نوع من السدم هو مستقبل النجوم، تولد فيه وتشب، تعرف بالسدم الإشعاعية أو الانبعاثية، فهي محاضن لنجوم وليدة تكون عادة كبيرة جدا في مساحتها التي تحتلها في السماء، وتنبئ عن مستقبل لنجوم ربما نراها بأجهزتنا الحديثة، وربما تولد مستقبلا. من بينها سديم الوردة.
في الصورة أعلاه -التي التقطتها كاميرا الطاقة المظلمة- تظهر تفاصيل سديم الوردة:
يقع سديم الوردة (Rosette nebula- NGC 2237) عند أحد أطراف سحابة جزيئية هائلة في كوكبة وحيد القرن (Monoceros)، على بعد نحو 5000 سنة ضوئية من الأرض، ويبلغ عرضه حوالي 130 سنة ضوئية، وهو قطر عظيم الاتساع.
يعد السديم منطقة انبعاث نجمي، يشع منها الغاز نتيجة تأين الهيدروجين والأكسجين والسيليكون بفعل الأشعة فوق البنفسجية القادمة من النجوم الشابة في عنقود النجوم "إن جي سي 2244" (NGC 2244) بمنتصف السديم.
هذه النجوم الزرقاء والبيضاء المضيئة، يفوق إشعاعها ملايين المرات إشعاع شمسنا، وتشكل بمراوح الرياح النجمية شكل الوردة المميز الذي سمّي السديم بسببه.
في قلب السديم، تنتشر سحب غازية غنية بالهيدروجين مع غبار مظلم يظهر كأعمدة لولبية تُعرف بـ"خرطوم الفيل" (Elephant Trunk)، تحتوي على كرات "بوك"، وهي كتل باردة من الغبار قد تحتضن نجوما صغيرة أو أقزاما بنية لم تكتمل بعد.
هذه المكونات تجعل من سديم الوردة محضنا حيا لتكوين النجوم الجديدة، يتيح للباحثين دراسة مراحل ولادة النجوم وتفاعل الرياح النجمية مع الوسط المحيط بها.
أظهرت صور تلسكوب "هابل" الفضائي تفاصيل دقيقة لسحب الغبار والأعمدة اللولبية والنجوم الشابة، بينما التقطت كاميرا الطاقة المظلمة (Dark Energy Camera) المثبتة على تلسكوب "فيكتور بلانكو" في تشيلي صورة مذهلة بدقة 500 ميغابكسل، أظهرت تدريجات الألوان من الأحمر الخارجي إلى الأزرق في القلب.
وسمح استخدام فلاتر محددة بتمييز انبعاثات الهيدروجين والأكسجين والسيليكون، مما أضاف أبعادا علمية وجمالية للعرض الكوني، وبيّن كيف يشع الغاز ويؤدي إلى تكوين مناطق مضيئة ومعتمة داخل السديم.
رغم أن سطوعه السطحي منخفض، يمكن لهواة الفلك رؤية عنقود النجوم "إن جي سي 2244" بالمناظير أو حتى بالعين المجردة من مواقع مظلمة، خاصة في شتاء نصف الكرة الشمالي عند ظهور السديم في السماء بجانب مثلث الشتاء ونجوم كوكبة الجوزاء (الجبار Orion) القريبة. أما الرصد الفلكي الفوتوغرافي طويل التعريض فيتيح لهم اكتشاف كامل هيكل الوردة والألوان الغنية والأعمدة الغبارية.
دراسة السديم مفيدة لفهم كيفية تشكل النجوم الجديدة وتأثير الرياح النجمية وتوزيع الغاز والعناصر الثقيلة، وتسمح بالمقارنة مع نشأة شمسنا قبل 4.6 مليار سنة.
سديم الوردة ليس مجرد منظر جميل في السماء، بل هو مختبر كوني حي يوضح كيف تتشكل النجوم وتتفاعل مع غازاتها المحيطة، وكيف تنظم الطبيعة نفسها على مقياس هائل، ليكون درسا بصريا وعلميا للمهتمين بالكون من هواة الفلك والباحثين على حد سواء.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة