وفي هذا السياق يبدو أن واشنطن تحاول استدعاء دعم حلفائها التقليديين لتخفيف وطأة المأزق الاستراتيجي، غير أن الاستجابة الأوروبية جاءت فاترة، ما يعكس تبايناً متزايداً في الرؤية بين ضفتي الأطلسي حول حدود الانخراط في مثل هذا الصراع.
الموقف الأوروبي بدوره يعكس حسابات براغماتية أكثر حذراً، فالاتحاد الأوروبي الذي تمثله دبلوماسياً كاجا كالاس في السياسة الخارجية لا يبدو مستعداً للدخول في حرب لا يرى أنها تمس مصالحه المباشرة. كما أن تصريحات وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس التي تشكك في جدوى إرسال فرقاطات أوروبية إلى منطقة عجزت البحرية الأمريكية عن فرض السيطرة الكاملة فيها، تعكس إدراكاً أوروبياً بأن الانخراط العسكري المحدود لن يغير موازين القوة، بل قد يضع القارة في مواجهة تبعات صراع لا تملك أدوات حسمه. ومن هنا يتضح أن أوروبا، رغم تحالفها التاريخي مع واشنطن، تحاول أن تبقي مسافة سياسية وأمنية بينها وبين أي تصعيد واسع في الخليج.
في المقابل، يراقب الخصوم الدوليون هذا المشهد بقدر من السخرية والبرود الاستراتيجي، وعلى رأسهم فيلاديمير بوتن الذي تمثل بلاده، روسيا، أحد أبرز المستفيدين من تعثر الهيمنة الغربية في مناطق النفوذ التقليدية. فالخطاب الروسي الذي يلمح إلى سوء تقدير القوى الغربية يعكس قراءة أعمق للتحولات في النظام الدولي، حيث لم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض إرادتها بسهولة كما كان الحال في العقود الماضية. إن هذا النوع من التعليقات ليس مجرد دعاية سياسية، بل رسالة جيوسياسية تشير إلى أن مرحلة الأحادية القطبية تتآكل تدريجياً لصالح توازنات أكثر تعقيداً.
أما في طهران، فإن القيادة الإيرانية تبدو الطرف الأكثر صبراً وتنظيماً في إدارة الصراع. فإيران، أظهرت قدرتها على المزج بين الصبر الاستراتيجي والردع العسكري. وفي هذا السياق يأتي التحدي الذي تطلقه تجاه واشنطن بإدخال سفينة حربية إلى الخليج، في إشارة رمزية إلى أن السيطرة البحرية في المنطقة لم تعد حكراً على الأساطيل الغربية، وأن الجغرافيا السياسية لمضيق هرمز تمنح إيران هامشاً واسعاً للمناورة والضغط.
وفي الوقت نفسه، لا يقتصر الخطاب الإيراني على التحدي العسكري فحسب، بل يتضمن أيضاً رسائل سياسية موجهة إلى دول الخليج العربية. فطهران تحاول الجمع بين خطاب القوة والدبلوماسية في آن واحد، مؤكدة أنها لا تسعى إلى الهيمنة على الدول الإسلامية، بل إلى تحذيرها من الانخراط في صراع يخدم مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، هذه الرسائل تحمل في طياتها توجهاً لإعادة صياغة الاصطفافات.
في النهاية، يكشف هذا المشهد عن صراع يتجاوز حدود الاشتباك العسكري ليصبح مواجهة سرديات واستراتيجيات على مستوى النظام الدولي. فالحرب في مضيق هرمز ليست مجرد معركة بحرية محتملة، بل اختبار لإرادة القوى الكبرى، ولمدى قدرة التحالفات التقليدية على الصمود في عالم يتغير بسرعة. وبين التصعيد الإعلامي والرسائل السياسية المتبادلة، يبقى السؤال الأساسي معلقاً: هل ستبقى هذه المواجهة ضمن حدود الحرب الباردة الإقليمية، أم أنها قد تنزلق إلى مواجهة أوسع تعيد رسم ملامح التوازنات في الشرق الأوسط والعالم. وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تبدو الحقيقة الأبرز أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم بالتصريحات أو التغريدات، بل بقدرة الدول على إدارة القوة والصبر الاستراتيجي في آن واحد، وهو ما تثبت إيران يومياً قدرتها عليه.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية